ماء آسن

ماء آسن

محمود حمدون

اللوحة: الفنانة الفلسطينية آية رجب

أخبرني منذ بعض الوقت، أدرك حرصه على نُصحي دومًا، يعلم أنّي أنصت إليه، أميل أن أقعد بين يديه كتلميذ، يعشق منادمة أستاذه، حيث قال: أخشى عليك يا صديقي من المآل ودوام الحال، تلك آفة إن تَغَشّت المرء، أصابته بمقتل، ثم استعاذ وبَسمل، تلوّن وجهه الطفولي البريء فنطق دون صوت بما يعتمل في نفسه من قلق عليّ.

فأنبأته من فوري: لا يزال القلق يلازمني كقريني منذ مولدي، سيصحبني إلى قبري. في بدايات حياتي كنت أمقت الملل، أراه آفة الحياة الدنيا، غير أن العمر مضى كالبرق، مع جريانه المتدفق أيقنت أن سر الحياة في التبدّل والتغيّر، أن المداومة موات.

 كما وقر بقلبي أن الماء إن توقف عن اندفاعه آسن وتعطّن.. سكتُّ عن الكلام، نظرت إليه، فوجدته يصغي بجوارحه، تعلو قسماته بسمة صافية فآمنت أنه يوافقني فيما ذهبت من رأي، و زدتُ بقولي: غير أنها حالة فريدة تنتابني كلما رأيتها، هي خروج عن مألوف أدمنته منذ فترة غير قريبة، هي استثناء من موت القلب، ثورة على العقل لفترة، ثم تهب رياح المنطق من جديد، كموجة صاخبة تعصف بما بنيته من قصور على الرمال.

أوقفني عن استرسالي، ربت على كتفي، ثم أحكم لفّ “كوفيته” حول رقبته، عَدل وضع منظاره الطبي على عينيه، لوّح بيده مودّعًا بعدما همس ليّ: الناس فيما يعشقون مذاهب.

فقلت: هل أخطأت يا سيدي؟!

فأجابني: لا تثريب عليك، فكن من شئت.

ملابسي القديمة

خمسون عامًا تضيع بلحظة، تتبخَّر كنقطة ماء تسقط بصحراء يقتلها الظمأ، هي سنوات كثيرة تضيع عند رؤيتها ثم تعود بذهابها، كأنما تأتيني وفي ركابها تتكسّر عقارب الزمن، أو تعود مسرعة للخلف، أراني من قريب كأنني أصغر سنة بعد أخرى، تتوالى السنوات في الأفول، أنفض عن كاهلي غبار العمر، تتلاشى التجاعيد التي تملأ روحي من قديم ، كل ذلك يحدث فجأة عند قدومها من بعيد.

لم أحسب أنني أصبحت هكذا، إلاّ حينما ألتقيها وأنظر بعينيها. فأجدني أرتد طفلًا بالخامسة من العمر، يفرح حتى يضحك وتطفر الدموع من عينيه وبنهاية ضحكته الصاخبة تنساب شهقة حزينة، حينما تغيب الشمس من جديد.

 أعشق اللهو، غير أن أذني تبقى معها، رهن إشارتها لربما تناديني. حتى يحدث هذا أنشغل بلعبة “الحجلة” على أقرب رصيف أقابله، فإن انتهى اللقاء، أسرع وأبحث عن رداء العمر، أرتديه ملابسي القديمة، أفرد على وجهي نظرة “بلاستيكية” مرنة لكنها كوردة صناعية لا حياة فيها.

وعندما يكتمل هندامي الزمني، أقول لنفسي كل مرة: لن تقوم الساعة إلاّ حينما يشيخ الطفل.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.