مراكز الأبحاث والدراسات في العالم العربي – إطلالة موجزة على الواقع الراهن 

مراكز الأبحاث والدراسات في العالم العربي – إطلالة موجزة على الواقع الراهن 

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان السوري خالد الساعي

نالت مراكز الأبحاث والدراسات فى العقود الأخيرة من القرن الماضي اهتماماً ملحوظاً، انعكس في سيل من الكتابات الأكاديمية التى تناولتها باعتبارها ظاهرة علمية برزت على الساحة فى عديد من الدول فى الشرق والغرب وبدرجات متفاوتة في الأهمية والعمق، لا سيما بعد أن تجلى دورها المهم فى مساعدة صانع القرار على التعاطي مع القضايا الصعبة أو المعقدة والمشكلات ذات الطابع الاستراتيجي، بما يخلق إمكانية واقعية للتعامل معها ومواجهتها بأساليب علمية ومنهجية توفر لصناع القرار حلولاً متعددة، وطرح البدائل الممكنة في آن.

ويلاحظ أن مراكز الأبحاث اتخذت مسميات وتعريفات مختلفة؛ ويذكر خالد وليد محمود المتخصص في دراسة مراكز الأبحاث والدراسات بأن بعضها قد يتخذ اسم “مؤسسة” Foundation والبعض الآخر قد يصف نفسه بـ “معهد” Institute، ومراكز أخرى تأتي تحت مسمى “الصندوق” Fund، وفى حالات أخرى تقرن نفسها باصطلاح “الوقف” Endowment لكنها بصرف النظر عن المسمى تتبع جميعها قطاع “مراكز الأبحاث والدراسات”. 

وفيما يتعلق بالتعريفات المتعلقة بدور مراكز الأبحاث والدراسات؛ فهناك من ينظر إليها على أنها منظمة بحثية مدنية غير ربحية، تنهض بإجراء الأبحاث والدراسات للمشكلات والقضايا العامة (في مجال التعليم والصحة والبيئة والتنمية الاقتصادية…إلخ) بقصد تحليلها وتقديم المقترحات لمعالجتها بشكل علمي دقيق، وأن دورها يكاد ينحصر داخل السياق الأكاديمي الذي يستهدف نشر الوعي بفحوى القضايا والمشكلات المعقدة وكشف أبعادها وتأثيراتها على الواقع الراهن. وثمة من يرى أن دور بعض تلك المراكز تجاوز ما هو علمي استقصائي معرفي إلى لعب دور الهيئات الاستشارية فى الدولة: فهي تشكل مراكز حيوية تعمل على تقديم الاستشارات العلمية المستندة إلى رأي خبراء أكاديميين ومتخصصين، ما يُمكن صناع القرار من الاستضاءة بآرائهم وتحليلاتهم ورؤاهم الواقعية فى رسم السياسات العامة وترشيد عملية اتخاذ القرار. إضافة إلى ذلك هناك عدد من المراكز البحثية يضطلع بدور هام فى مجال المستقبليات أو ما يعرف بالدراسات الاستشرافية التى تطرح تصوراتها وتوقعاتها لتطور القضايا الهامة، ما يساعد المسئولين عن التخطيط الاستراتيجي في بلورة وبناء تقاريرها بصورة علمية دقيقة. 

التخصص سمة مراكز الأبحاث في الغرب

الحقيقة أن مراكز الأبحاث والدراسات فى الغرب المتقدم كانت قد تطورت وحققت طفرات نوعية فى الآداء سمحت بدقة فى تحديد دوائر التخصص ومجالات البحث، ما جعلها تتسم بدرجة دقيقة فى التخصص والأهداف، ويخدم بعضها على الآخر، لتبدو وكأنها تعمل وفق شبكة أو منظومة متراسة تتبادل النتائج والخبرة المعرفية ما ينعكس فى النهاية على درجة عمق التحليل. 

لقد صارت فكرة التخصص الدقيق هي السمة السائدة، ونتيجة لذلك انتشرت مراكز تُعنى بالأبحاث السياسية وأخرى بالأبحاث الأمنية وثالثة بالاقتصادية ورابعة بالأبحاث التاريخية، كما انتشر وجود مراكز يُحدد مجالها البحثى والاستقصائي بحسب المناطق الجغرافية الهامة؛ كمنطقة الشرق الأوسط التي خصصت لها أمريكا على سبيل المثال فى العام 1948 مركزاً كبيراً عرف بـ” معهد دراسات الشرق الأوسط “، وهناك مراكز اهتمت بقضايا نوعية محددة كالسلام وسبل تحقيقه على نحو ما نجد فى دولة السويد التي أنشأت فى عام 1966 “معهد استوكهلم لأبحاث السلام”، وثمة مراكز بحثية تهتم بالسياسة الخارجية والشئون الدولية، وأخرى تهتم بالشئون المحلية، وبعضها يعد مراكز شبه حكومية غير ربحية لكنها جمعت مصادر تمويلها بين ما هو حكومي وما هو مدنى أو غير رسمي، وعلاوة على ذلك ثمة مراكز أخرى لا ترتبط بالدولة أو القطاع الحكومى مما يمكن وصفها بالمراكز الخاصة المستقلة، ويغلب عليها الطابع الأكاديمى الحر تقدم دراسات رصينة وانتاج معرفي أصيل، يستهدف إشاعة المعرفة والتنوير وتنمية ثقافة الفرد والمجتمع بقضاياه الحيوية والمركزية التى تحتل أولوية خاصة أو بغيرها مما يتصل بالمجال المعرفي والتراثي والثقافي بشكل عام، وتستمد مصادر تمويلها من مشاريعها البحثية التى تتعاقد فيها مع منظمات مانحة أو رجال أعمال أو هيئات داعمة للبحث العلمي أو الوقف المالي، وهذا النوع الأخير ينتشر بصورة ملحوظة في عالمنا العربي. 

وهكذا ازدادت ظاهرة التخصص الرأسي المحدد للمجال البحثي والمعرفي، وهذا ما يفسر زيادة عدد المراكز على مستوى الدولة الواحدة: ففي الولايات المتحدة وحدها – وفقاً لإحصائية 2011 – نرصد 1815 مركزاً بحثياً من إجمالى 6480 مركزا متخصصاً فى مجالات متعددة على مستوى العالم. لقد بدا واضحاً، لاسيما في دول العالم المتقدم، أن الدول لم تعد تعتمد على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية التابعة لها وحدها فحسب، وإنما تولدت نزعة قوية تميل إلى الاعتماد على ما تنتجه مئات بل آلاف المراكز البحثية التى لا تنشغل سوى بالبحث والتقصى فى دراسة القضايا والمشكلات المطروحة التى تتصل بمجالها القومي والاستراتيجي. 

مراكز الأبحاث في العالم العربي

 لم يكن عالمنا العربي بعيداً عن المساهمة في هذه الظاهرة؛ فقد واكبها وإن بخطوات محدودة: فمن المعروف أن مراكز الأبحاث والدراسات أصبحت منتشرة في ربوع العالم العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وبرزت على الساحة العربية بشكل واضح منذ تسعينيات القرن الماضي. وكانت مصر فى طليعة البلاد العربية التى تنبهت إلى أهمية الإفادة من هذه المؤسسات: فمنذ باكورة عقد الخمسينات من القرن الماضي، وتحديداً في أعقاب قيام الثورة المصرية (عام 1952)، جرى إنشاء “معهد البحوث والدراسات العربية” في القاهرة، ثم جاءت الخطوة الأوسع مع إنشاء “المعهد القومي للبحوث” في عام 1956، ثم انعكست ثقافة إنشاء المراكز البحثية على مؤسسات أخرى مهمة مثل “جريدة الأهرام المصرية” التي عنت بإنشاء ” مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ” في عام 1968 (وضم 35 خبيراً وباحثاً) لتكثف الاهتمام الأكاديمي والواقعي بدراسة العدو الصهيوني، وتحليل أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى دراسة القضايا الدولية ذات الصلة والتأثير على منطقتنا العربية، وإثراء المكتبة العربية بالدراسات الأصيلة والموثقة ونشر ترجمات رصينة وموضوعية للدراسات المتعلقة بالمنطقة وملاحقة ما يجرى على ساحتها من تطورات مختلفة. وبسبب النشاط الموسع لهذا المركز الحيوي (حيث صدر عنه 148 كتاباً) في تلك الفترة، بات يعد من أهم مراكز الأبحاث المتخصصة في شئون الشرق الأوسط وقضايا العالم العربي المعاصر. وتدعم هذا التوجه بعيد ذلك بسنوات قلائل، وتحديداً في عام 1975؛ حيث جرى إنشاء “مركز دراسات الوحدة العربية” معنياً بالدرجة الأولى بقضايا أمتنا العربية وفى القلب قضيتها المركزية “فلسطين”. 

وسرعان ما انتشرت خلال عقد السبعينيات والثمانينيات، مراكز الأبحاث والدراسات العربية، التي عملت على تطوير ثقافة البحث والحياة المعرفية فى الوسط العربى العام. وقد بدا نشاطها ملموساً فى نشر الكتب والمجلات والدوريات العلمية المحكمة التى تناولت قضايا تهم الرأي العام العربي بقدر ما تهم صانع القرار فى الدوائر السياسية المختلفة. وجدير بالذكر أن من بين أهم الوسائل الكاشفة لدور تلك المراكز البحثية واتساع نشاطها اهتمامها بعمل ورش عمل وندوات ومؤتمرات علمية، علاوة على إصدار دراسات خاصة لمعالجة مشكلة ما ووضع الاقتراحات والتوصيات لها، وإجراء دراسات استطلاع الرأي التى تهم صانع القرار أو الجهة المانحة بقدر ما تهم الرأى العام العربي. 

ضعف الدور ومحدودية التأثير

بيد أن محصلة تجربة مراكز الأبحاث والدراسات فى عالمنا العربي خلال ما يزيد قليلا على نصف قرن، تشير إلى ضعف دورها ومحدودية تأثيرها، وأن أية مقاربة مع نظائرها فى العالم الغربي (أوربا / الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى الشرق الأقصى المتقدم (كما فى اليابان والصين والهند وغيرها)، تؤشر بجلاء على دور غير مؤثر وضعيف، وهو ما ترجعه الدراسات المتخصصة إلى محدودية الإنفاق على البحث العلمي واتساع الفجوة بين صناع القرار ومراكز الدراسات العربية، وإهمال المفكرين والمبدعين، وعدم رعايتهم الرعاية الكافية بالشكل الذي ساعد على استفحال ظاهرة ” هجرة العقول العربية” والتى بلغت – وفقاً لأحصائيات صادرة عن جامعة الدول العربية ومنظمة العمل الدولية واليونسكو ومؤسسسات عربية ودولية – حوالى 100 الف عالم وطبيب ومهندس يغادرون من الدول العربية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأن 70 % منهم لا يعودون إلى بلدانهم الأم !. علاوة على أسباب أخرى تعزوها الدراسات إلى بعض الأنظمة العربية نفسها ذات الطابع المهيمن والرقابي المركزي، والذي يحد من الابداع وحرية الرأي والمعالجة الموضوعية خارج سياق الايديولوجيات المعلنة، وبعيدا أيضاً عن السير فى ركاب السلطة أو تبرير أفعالها وقراراتها السياسية والأمنية، وفى كلمة موجزة يصبح السؤال كيف يمكن جعل مراكز الأبحاث حرة مستقلة لا تخضع لأية أشكال الرقابة أوالوصاية الفكرية.

 لقد بات يغلب على دور كثير من مراكز الأبحاث والدراسات العربية إعداد التقارير الأمنية والاستخبارية البعيدة عما يخدم البحث العلمي والمعرفي قدر بعده عما يخدم قطاع التنمية والتطوير بشكل عام. كذا يعزى تخلف المراكز البحثية العربية إلى المناخ الاستبدادى وعدم توفر البيئة العلمية المناسبة؛ كنتيجة لخضوع الكثير منها للرقابة المركزية من قبل السلطات الأمنية والمخابراتية، والتي تبذل قصارى جهدها فى تضيق الخناق على تلك المراكز إذا ما فشلت فى ترويضها أو بالأحرى في ” تسيسها”، ما يفقدها موضوعتها العلمية، كما تعمل على محاصرة مصادر تمويلها وغل يد الجهات المانحة، لتعاني قلة الامكانيات المادية، وهو ما تسبب فى النهاية فى عجزها عن توفير الكفاءات والكوادر البحثية المؤهلة وعدم القدرة على تغطية النفقات الضرورية للبحث والدراسة.

إشكالية التمويل وتحكم السلطة

 تفضح الأرقام والاحصاءات المتوفرة عن نسبة التمويل العربي للبحث العلمي مدى عمق المشكلة التى تعانيها مراكز الأبحاث العربية؛ فترصد الأرقام الواردة في احصاءات اليونسكو وتقارير التنمية الانسانية العربية صورة غير مبهجة لكيفية تعاطي العالم العربي مع مراكز الأبحاث: فنسبة التمويل العربي للبحث العلمي تتراوح بين 0.1 % – 0.3 % لمجمل العالم العربي وتدخل ضمنها النفقات الادارية! فيما تصل في السويد وفرنسا مثلاً الى 3 % من الموازنات العامة. أما في اسرائيل، فتصل نسبة الإنفاق على الابحاث العلمية الى ما يوازي 4.7 % من الموازنة العامة للدولة، وما يوازي 30 % من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي. وفيما يخص الانتاج المنشور سنوياً، فإن مجموع الابحاث في الوطن العربي لا يتعدى 15 ألف بحث، فيما عدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والمعاهد العليا يصل الى حوالي 55 ألف استاذ؛ أاي أن معدل الانتاجية هو في حدود 0.3 %، بينما يبلغ معدل الانتاجية في الدول المتقدمة حوالى 10 %. وكل هذا فى الأخير يوضح – على حد وصف الأستاذ خالد غزال – الوضع “المزري” لانتاج المعرفة عبر مراكز الأبحاث العربية.

ولا يمكن الخروج من هذه الحال سوى يإشاعة حرية التعبير والرأي وفك الارتباط الإداري والتنظيمي مع السلطة، ومنح مراكز الأبحاث هامشا واسعا من الحرية والاستقلالية والحركة، وتمكينها من الحصول على المعلومات بقدر تسهيل مهمة الوصول إليها، وتوفير مصادر التمويل الكافية والمستقلة للبحث والدراسة، ومن جانب أخر ضرورة قيام المراكز البحثية بدورها فى مواكبة التغيرات المتلاحقة والحرص على متابعة تطور أدوات العمل البحثي ومناهجه الحديثة، واستقطاب أفضل العقول البشرية ورعايتها، وفتح نافذة تواصل بين المؤسسات البحثية في العالم العربي،، إلى جانب الحرص على السعي نحو التخصص الذي عليه رهان التميز والمنافسة، وأخيرا توفير شبكة ترعى تحت مظلتها تأسيس شراكة عربية للبحث العلمي تسمح بتبادل المعرفة والخبرات بين مراكز الأبحاث والدراسات فى العالم العربي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s