رمضان في بني مجد (8)

رمضان في بني مجد (8)

د. جمال عبد الرحمن

اللوحة: الفنانة المصرية تحية حليم

حلاقة العيد

لم يكن أهل القرية يسمونه حلّاقا، بل “مزين” بكسر الميم والزاي وتشديد الياء وكسرها، وكان الرجال وأطفالهم الذكور يذهبون إليه مرة في الشهر تقريبا، وكان يتقاضى أجره على مرتين في العام: يوم حصاد المحصول الشتوي، ويوم حصاد المحصول الصيفي. كانا أخوين: أحمد وعلى حافظ. أما عمى أحمد، رحمه الله، فكانت ملامحه توحى بالطيبة، لكننا معشر الأطفال لم نكن نكنّ له ذرة حب، إذ كنا نعلم أنه يوما ما سيأتي إلى بيوتنا ليجري لنا عملية الختان بدون تخدير. كان أخوه، عمى على، تكسو وجهه علامات الجد، وأمام الاختيار بين الأخوين، كنا نفضل عمى أحمد، فهو لم يكن يضربنا إذا تحركنا في أثناء الحلاقة. على أية حال فقد كانت زيارة الحلاق واجبا شهريا بغيضا، وكان علينا أن نذهب إليه قبل العيد بيومين، حتى لو كان شعرنا قصيرا.

رؤية هلال شوال

يتجمع الأطفال عند الجامع الوسطاني، بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من رمضان، ليستمعوا إلى “بيان” الشيخ سالم من فوق المئذنة، فإذا أعلن أن اليوم -التاسع والعشرين من شهر رمضان- هو آخر يوم في الشهر فإن الرجال يعودون إلى بيوتهم دون صلاة القيام، يسبقهم أبناؤهم الذين يخترقون طرقات القرية القديمة المتعرجة ركضا حيث تنتظرهم النساء في البيوت على أحر من الجمر. يصل الطفل إلى بيته ويخبر أمه أن العيد غدا، فتفهم أن عليها أن تحضّر الأواني اللازمة لكي يستحم أبناؤها الصغار، فهو حمّام العيد: حلة الماء الساخن، وحلة الماء البارد، والطشت، والصابون الرخيص، وليفة النخل. على الأطفال أن يناموا دون مناقشة حتى يستيقظوا في الصباح ويرافقوا آباءهم وأعمامهم إلى صلاة العيد، قبلى الجسر. أما إذا أعلن أن اليوم التالي هو المتمم لشهر رمضان فكان الرجال ينتظرون لكي يؤدوا صلاة القيام الأخيرة، وكان الأطفال يجوبون شوارع القرية وهم يغنون: ” يا رمان يا احمر يا جديد، بكرة الوقفة، وبعده العيد” وكان هذا يعنى للنساء أن عليهن طبخ اللحم الذي سيحضره أزواجهن، وخبيز “العيش الشمسي”.

يوم الوقفة

أما يوم الوقفة في بنى مجد فهو “عيد الشباب”، ولا يجوز أن يصوم الطفل فيه. أتصور أن أمهاتنا، رحمهن الله، قد اخترعن هذه التسمية لكي يتخلصن من إلحاح الأطفال، ويتفرغن لخبز “العيش الشمسي”. والعيش الشمسي رغيف سميك القوام يختمر على حرارة الشمس، ولا يخبزونه في بنى مجد إلا يوم الوقفة وفى المواسم: موسم رجب وموسم شعبان، وهو يؤكل ساخنا بعد غمسه في الطبيخ. وكانت النساء “يحمّصن” بعض الأرغفة الزائدة، بعد تقسيمها إلى شرائح حتى لا تفسد، فلم تكن في القرية ثلاجات تحفظ الطعام، وكان الأطفال في أثناء لعبهم يتسللون إلى الخزانة، ويحملون ما استطاعوا من شرائح العيش الشمسي المحمصة. أما كبار السن، ممن ضعفت أسنانهم، فكانوا يبللون العيش المحمص بالماء حتى يلين فيستطيعون مضغه.


رمضان في بنى مجد (1)

رمضان في بني مجد (2)

رمضان في بني مجد (3)

رمضان في بني مجد (4)

رمضان في بني مجد (5)

رمضان في بني مجد (6)

رمضان في بني مجد (7)

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.