الإنسان مغامر رغم أنفه

الإنسان مغامر رغم أنفه

أيمن جبر

اللوحة: الفنانة الأميركية جوانا بارنوم

عندما أختار توصيفا واقعيا ودقيقا لحياة البشر؛ لا أجد سوى “المغامرة المستمرة”، ولكني لا أجد أحدا يتفق معي في هذا الوصف، بل يعارضونه قائلين: “إن أندر الناس هو من يغامر بضع مرات في حياته، بينما الغالبية يُحجمون عن أية مغامرة، فالناس يؤثرون السلامة وطَهارة الثوب عن الانغماس في ما يُعَرضه للاتساخ أو التمزق”.

ولكن ما هو الذي في حياة الإنسان ولا يُسمى مُغامرة؟

الزواج في حد ذاته أكبر مغامرة في حياة الإنسان، إن فشلت؛ يعيش الزوجان حياتهما بكدرٍ ويشقيان بها وفيها، وما أكثر التعساء.

 وأيضا ما أكثر السعداء!، ورغم كل شيء يندر من يُحجم أو يدعو الناس للإحجام عن الزواج. 

من الكلمات الإنجليزية التي لفتت انتباهي كلمة “vulnerable” أي “عُرضة للانجراح بَدنيا أو عاطفيا”؛ يقصد بالتعبير “الطفل أو الشيخ الهَرِم”؛ فكلاهما يسهل إصابته ويحتاج عناية خارجية وانتباها كل الوقت، ولكني لا أحصر هذا الوصف في الطفل والشيخ الهرم؛ بل في كل بني آدم.

إن مجرد الخروج اليومي للعمل أو الدراسة يُعتبر مغامرة كُبرى، ركوب المواصلات يَحمل في كل ثانية مخاطر عديدة، الأخبار التي تأتي عَمن أصابته سِهام القدر بِجراح أو اغتيال لا تُعد ولا تُحصى، ولكنها أخبار بعيدة عن الخاطر بسبب الاعتياد وكثرة الناجين؛ ولا تُعقل ولا تُستوعب ولا تُتقبل إلا بعد أن تُصيبنا أو تُصيب أحباءنا سهامُها.

فلان غرق في مصيف، يُفجع الجميع!، لقد اختاره القدر من بين كافة الأولاد المُصيفين!، كلهم غامروا ونَجو ولكنه كان خَيار القدر.

هل السائر في الشارع آمن؟ هل الكامن في بيته آمن؟

مئات الاحتمالات والسيناريوهات مطروحة وتَكرر حدوثها لآخرين، ومع ذلك أكثرنا يَعود سالما وأكثرنا يَبيت سالما…أكثرنا وليس كلنا!

فكم من شباب ناموا نومتهم الأخيرة دون مقدمات أو إنذار!

هناك أمر آخر، لو تقبلنا فكرة أن الإنسان بشخصه في مغامرة مستمرة، فلا بد أن نتقبل أيضا أن الإنسان في مغامرة مستمرة بفلذات أكباده وأحبائه!

الأم وهي جالسة في بيتها – تُعِد لأسرتها غذاء شهيا تستقبلهم به حين عودتهم – تخاطر بكل أفراد أسرتها حين غادروا البيت لشؤون حياتهم، كل الاحتمالات مفتوحة للجميع بسيناريوهات لا تُعد ولا تُحصى، فكلهم يغامر بنفسه وهي تغامر بهم جميعا، وفي المساء تَحمد اللهَ أن اجتمعت الأسرة سالمة.

من يشعر هذا الشعور دوما فليحمد الله أن انتهى اليوم على خير! 

كانت أمي تُكثر من دعاء “ربنا يقينا شر المستخبي على غفلة” وتقول “أكثر ما يموت الشباب”.. وهذه هي الحقيقة.

مغامرة في كل حال؛ ومع ذلك نخاطر ولا نحجم عن مسيرة الحياة لأن هذه المغامرة هي سنة الحياة، فمن لم يغامر لم يحيَ!

محاولتك لتجنب مغامرة ما؛ لا معنى لها لأنك سواء غامرت أم لم تغامر، فأنت تسبح في بحور بلا شاطئ وبلا قاع من المغامرة في أمورك اليومية، لكننا – ولسبب ما – لا نشعر بالمفارقة في أننا نُحجم عن المخاطرة فيما هو أقل خطرا من تلك الأمور وأولى بالمواجهة.

ذهب فتى إلى المأمون، الخليفة العباسي، وقال له: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”، وظل الفتى يسب المأمون في وجهه، وينعته بالظلم والطغيان، فأمر المأمون بقتل الرجل.

هذه هي المغامرات المجانية الطائشة والتي لا يفعلها إلا الأحمق الذي يئس من الحياة ويريد لها ثمنا في الآخرة، للأسف الذي يمنعنا من المغامرة هو تخيل مثل هذا السيناريو، فالكل يضع في روعه أن المغامرة تعني أن يرمي بنفسه إلى التهلكة، ولكن مغامرة الحياة تعلمنا أن أي خطوات قليلة نسيرها يكون احتمال السلامة فيها هو الأقرب والأغلب ويكاد يكون الأصل، وليس الأذى.

لم يستطع العلماء تفسير ظاهرة غريبة؛ بعد حرب أكتوبر، عدد من يتوفى سنويا بسبب حوادث السيارات والأمراض وبسبب ظروف أخرى يَفوق من استشهد في الحرب، وهذا المعدل يتزايد سنويا، هذه الوفيات لم تكن زمن الحرب بهذا القدر، وكأن هناك راتب من المتوفين لا بد أن يحصده القدر وسوف يتسلمه سواء بالحرب أم بالسلم!، واليوم من يُتوفى في نفس الظروف أو بأمراض مزمنة لا يعد ولا يحصى.

الله لا يتركنا بلا ضابط ولا رابط في كل الأحوال وهو يصلح ما تفسده مغامراتنا.

فعقب الحرب العالمية الثانية، كانت نسبة الإناث إلى الذكور في روسيا وألمانيا وبقية أوروبا متفاوتة لدرجة مذهلة، ذَكر واحد مقابل عشرة أو عشرين أو خمسين أنثى، الغريب أن النسبة في أقل من عشرين عاما أصبحت متساوية تقريبا فاقترب عدد الذكور من عدد الإناث! وهذا هو التدخل الإلهي في ضبط الميزان حين يختل بسبب حماقة البشر.

عندما يدخل بيتك مقتحم وأنت تسمع وقع خطواته ولا تجد الشجاعة لمواجهته فتظل مغمورا بالغطاء مدعيا النوم، فأنت أمام خيارين، إما أن تستمر في التظاهر بالنوم وتدعه يفعل ببيتك وأهلك ما يشاء، وإما أن تُحدث بعض أصوات الخَشْخشة كي لا ينعم المقتحم بالأمان التام، فقد يَرحل وقد يَقتصد فيما يسرق وينهب، ولكن أن توفر له المناخ “الرومانسي” المناسب للسطو والاعتداء، فهذه مبالغة في الحرص على الحياة.

في وسائل التواصل الإلكترونية – نظرا لمعرفة الناس بأن هناك رقابة دقيقة – نجد النُكتة يتفاعل معها العشرات؛ بينما الكلمة الجادة تَمر على الرقيب الخاص لكل فرد -“ضَميره الأمني”- فيظن أن التعليق أو إبداء الإعجاب مغامرة فيحجم عن ذلك، هذه مبالغة وشَطح في الاستسلام للخوف!.

فعندما نحجم جميعا عن التعبير عن رغبتنا في الحرية والعدل؛ تظن السلطة المتجاوزة أننا تحت الغطاء نغط في نوم عميق، فيزيد الاعتداء وتطالنا المهانة والاستهانة، ونصبح مفعولا به دوما بلا مقاومة وبلا اعتراض وبلا ثمن.

أثناء سير أحدهم بسيارته في طريق عام حدث عطل بالسيارة، توقف بسيارته على جانب الطريق وقام بجلب حجر كبير ووضعه خلف السيارة بحيث يراه الناس فيتحولون عن سيارته ولا يصطدمون بها، بعدما فرغ من إصلاحها انطلق بسيارته.. تاركا الحجر في مكانه! ظلت السيارات تتجنب هذا الحجر دون أن يخطر ببال آلاف السائقين أن يتوقف أحدهم ليزيل هذا الحجر، ثم جاء الليل وحل الظلام ووقع المحظور فتعثرت سيارة في الحَجر وانقلبت وأحدثت تصادمات مع السيارات المارة بجانبها، فتناثر القتلى والجرحى في وسط الطريق في خضم الظلام الحالك.

كم من حجر يمر أمامنا يوميا ونُصوت على الموافقة على وجوده كأداة قتل محتملة، بتركه في مكانه؟ حجر “الرشوة، الفساد، الظلم، الانحلال” نراه ولا ننكره، ويكون السكوت هو عين الموافقة على أن تكون تلك الأحجار هي الأصل.

لقد كان هذا الحجر اختبارا لضمير الآلاف الذين مروا عليه وتركوه، وكانت الحادثة التي قتلت وجرحت الأبرياء عبارة عن قتل متعمد، وشركاء الجريمة هم واضع الحجر ومعه الآلاف الذين لم يتوقفوا ليزيحوا الحجر عن مكانه.

الأمر هنا ليس إحجام عن مغامرة خوفا من العاقبة!، بل وصف يصعب تسميته ولكنه يبرر كل ما نحن فيه من بلوى، فما وقع أحد في بلادنا تحت ظلم أو قهر أو ابتزاز إلا لسلوك من مجموع الناس يشبه ترك هذا الحجر.

في لقاء جمع الجالية المسلمة في أحد البلاد الأوروبية لمناقشة مشاكلهم في الغربة، قال لهم رئيس الجلسة: نحن المتسببون فيما يحدث لنا، فنحن لسنا منبوذين منهم.. بل نحن من نبذنا أنفسنا بسبب حرصنا على عدم الانخراط في مجتمعهم فلم ننسجم معهم ولم نتعامل كمواطنين مثلهم حاصلين على الجنسية.

ثم سألهم سؤالا مفاجئا ليبرهن على قوله:

من منكم عندما يدخل أي مؤسسة ويجد فيها خَللا أو مُخالفة يتطوع بكتابة شكوى توضح ما حدث ويضعها في صندوق الشكاوى أو يُسلمها رسميا للإدارة؟.. وكانت المفاجأة أن لم يرفع أحد يده إلا فرد أو اثنان!

فقال لهم: تلك هي المشكلة، أنتم تتعاملون “كنزلاء في فندق”!. بينما اليهود مثلا يتعاملون كمواطنين مثلهم، فأصبحوا منهم.

السؤال المطروح هنا:

هل نحن نعيش في بلادنا “نزلاء في فندق”؟ مع انتشار الفاسد والسارق والغشاش والمؤذي والخائن وإخوانهم؛ ما هو موقفك الشخصي وقد أصبحوا لا يستترون ولا يستحون؟ هل تبتسم في وجوههم؟ 

هل تضرب لهم تعظيم سلام؟ هل تعامل الشريف مثل الخائن؟

لا أفترض أنك تغامر بالتصدي لهم فَتُطحن تحت أقدامهم؛ لكن هل تغامر بتجاهلهم أو العبوس في وجههم؟

هل تغامر وتحتقرهم في قلبلك أو تنكر – في سِرك – عليهم شرهم؟ هل تتطهر فتُخرج إعجابك بهم من قلبك؟

نحن نحتاج خطوات يسيرة من المغامرة حتى يُشجع بعضنا بعضا. وكلما تساندت تلك الخطوات كلما اقتربنا من النقطة الحرجة للتغيير. فمن يتطوع برفع حجر كبير قد يتلف جسده تحت ثِقل الحجر، لكن حين يتكاتف الناس لرفع الحجر سيكون خفيفا وبسيطا في أيديهم.


أيمن جبر، كاتب مصري مواليد ١٩٦١، يعمل مهندس كهرباء، صدر له أربعة كتب هي: «فيروس الدروشة» مقالات – 2020.«أخلاق الأتوبيسات» مقالات في التنمية البشرية – 2020. «إكرام الأرملة دفنها» قصص – 2020. «دوائر بلا أسنان» خواطر إنسانية – 2022. بالإضافة إلى العديد من المقالات المنشورة في صحف ومجلات مختلفة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s