«البهيجي» لمصطفى البلكي رواية تعج بأنفاس بشرية تتألم

«البهيجي» لمصطفى البلكي رواية تعج بأنفاس بشرية تتألم

كارينا أبو نعيم

أعادنا الروائي مصطفى البلكي من خلال روايته «البهيجي» الى الحقبة الزمنية التي حكم فيها محمد علي باشا مصر منذ العام 1805 وأستمر حكم أسرة محمد باشا للعام 1953.

اعتلى محمد علي باشا عرش مصر بعد أن بايعه أعيان البلاد ليكون والياً عليها وبعد أن ثار الشعب على سلفه خورشيد باشا.

يرصد مصطفى البلكي في روايته الفترة التي كان فيها التجنيد إجباري. وذلك بزريعة أن محمد علي باشا يحتاج الى جنود في حملاته وحروبه الداخلية والخارجية. لم يكن يرحم أحد الجميع مجبر ومن يتمنع عن الالتحاق بالتجنيد يلقى حتفه.

إن الحقبة التاريخية المذكورة كإطار لأحداث الرواية هي بحد ذاتها تحمل الكثير من الدلالات الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة من حكم السلطنة العثمانية.

ما بين قرية «بهيج»و«القاهرة«، نعيش مع أبطال الرواية أخبار حقبة مظلمة من تاريخ السلطنة العثمانية ومن الظلم الذي ألحقه العثمانيون بالشعوب التي حكموها والفساد الذي كان مسيطراً في ولايات السلطنة كافة، ومن القمع والترهيب والسخرة والتجنيد الإجباري ووضع اليد على أرزاق الناس، وأراضيهم وغيرها من الآفات الاجتماعية التي كانت في تلك الحقبة، الى جانب ما كانت تنغل به البلاد من مجموعات معادية او مناهضة للسلطنة والتي كانت تنشأ عبر المكائد والدسائس وعالم الجواسيس المنتشرين في كل الرواية والفرق الخارجة عن طوع السلطنة وحكامها.

حاول الروائي مصطفى البلكي عبر شخصيات روايته أن يشير الى النسيج الوطني الذي تميز فيه المجتمع المصري، والذي ضم أبناء الأرض الواحدة بكافة اختلافاتهم الاجتماعية والدينية. 

وإن أردنا أن نكون أكثر إنصافاً، لا يمكن المرور على هذه الرواية فقط من منظور أنها تقع في خانة الرواية التاريخية. ففي كل صفحة من أوراق «البهيجي» أنفاس بشرية تتكلم، تصرخ، تتألم، تضحك، تفرح وتبكي وتثور وتخضع. تحمل في طياتها الكثير من النزاعات والصراعات النفسية والكثير من ألم المحبين والعشاق والمنفيين والهاربين والخاضعين.

رصد البلكي في روايته مجموعة متناقضة من الشخصيات، وفي الواقع، لم يكن السياق التاريخي هو الهم الوحيد الذي صوب عليه الكاتب، لكنه هرب من الانسياق وراء تفاصيل التاريخ وصوب نحو النفس البشرية، وكل ما يعتريها من صراعات وتقلبات وأحاسيس ومشاعر، خاصة حين تقع تحت ضغوطات تفرض عليها الخيار بين الموت أو الحياة. 

تناسى «الباشا»حاكم البلاد أنه زوج وأب، وانساق وراء شهوة السلطة ونداء الدم، رغم أنه خسر حياة والديه، لكنه تابع مسيرة حروبه ومؤامراته وبطشه ضارباً عرض الحائط بالحقيقة التي أصبحت واضحة كالشمس: خسر نفسه وشعبه وعائلته. 

كانت «شهيرة» جاسوسة السلطنة وصاحبة الخان، وبائعة الهوى وجامعة المال وصاحبة التقارير اليومية للوالي، والعين والأذن الساهرة على مصالح الوالي وعلى مصالحها الشخصية. 

إن الهانم زوجة «الباشا» التي أحبت زوجها وانتظرت الاجتماع به بعد غياب سنوات، قد اكتشفت بعد سنوات غياب عنه أن الرجل الذي عشقته وأحبها لم يعد هو نفسه؛ فاعتزلت حياتهما المشتركة، ونفته من حياتها. 

محمد الترجمان، ابن قرية «بهيج»المحاصرة من قبل جيش الوالي والمطالبة بالخضوع له، هو منفي من قريته «بهيج»وزوجته فاطمة ضائعة وحائرة تنتظر عودته بشوق وحنين. 

الشاب «فرح» عنوان صارخ للإنسان المتردد الخائف والتائه، عجز عن مواجهة أبيه ولم يستطع الدفاع عن الفتاة التي أحبها حد الجنون. 

شخصيات جاذبة تحتاج الى تحليل نفسي.. لم يتركنا البلكي نرتاح، لا بل كان يدفع لنا في كل مرحلة جديدة من الرواية بشخصيات كأمثال «جرجس»، ابن المنطقة، ورفيق «فرح». كان أنموذج الرجل الخاضع لشهوة المال، حتى لو كان الثمن الذل والمهانة.

 في الواقع، من غير المنصف أن نمر على تلك الشخصيات دون إخضاعها الى تحليل عميق، كل الشخصيات غنية جداً بالتجارب الإنسانية، وتعصف فيها الصراعات النفسية، وتحتاج الى من يحضنها ويسمع وجعها ويحاول أن يساعدها.

ذكرتني تلك الشخصيات بأبطال روايات الكاتب الروسي «دوستوفسكي» وما اختزنته من ألم وما عاشته من تناقضات كبيرة.

رحلة «البهيجي» مثقلة بالمعاني الانسانية لا يمكن أن تختصر داخل أسطر معدودة، ولا يمكن التنصل من رشاقة اللغة وغنى التعابير وغزارة الحوارات الداخلية عند كل شخصية. إنها مجموعة مشاعر متراكمة ومتناقضة تسرح معها لتكتشف في النهاية أنه مهما علا شأن الانسان، ومهما استبدت به أطماعه وشهوته للسلطة والمال والنفوذ، يبقى أمام حقيقة واحدة سيعترف بها مهما طال الزمن حقيقة تثبت أنه ضعيف أمام قلبه الذي يقوده إما الى الشقاء وإما الى السعادة.

لم تخرج الرواية عن الواقعية. فتلك الشخصيات التي صادف وخودها في «البهيجي» نلتقي بها في كل زمان ومكان، ويبقى السؤال الذي تخرج منه في نهاية الرواية: من هو البهيجي؟ هل هو محمد، جرجس، فرح، أم إنه الأرض، الانتماء، الوطن أو الهوية؟

سؤال مفتوح أمام القارئ لا أحد يستطيع الإجابة عنه إلا بعد أن يقرأ الرواية، ويتعرف على شخصياتها، ويحاول أن يحلل كل شخصية بمختلف تناقضاتها وقوتها وضعفها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s