قراءة في لوحة «الملحمة الثامنة» لعبد الرحمن النشار

قراءة في لوحة «الملحمة الثامنة» لعبد الرحمن النشار

ياسر جاد

لوحة «الملحمة الثامنة توحد المكان والزمان» من مقتنيات متحف النشار، خامات متنوعة على خشب إنتاج 1997، عمل مكون من تسعة أجزاء بقياس 75سم × 75سم للجزء الواحد بإجمالي قياس 225سم × 225سم لكامل العمل

الملحمة كلمة ترتبط في أذهاننا ارتباطا وثيق بمعاني البطولة والجسارة، واللتان غالبا ما تقعان في الفهم بدلالات ذات ارتباط بالحالات الحربية الكبرى. والملحمة هي حالة ذات ارتباط وثيق بالبشر وأفعالهم ومجتمعاتهم وعقائدهم وحضاراتهم وفعلهم المميز والظاهر والمؤثر فيما يليه. ويأتي الاختلاف بينها وبين الأسطورة اختلافا جوهريا من زاوية أبطالها. فالبطولة في الملحمة للبشر والمخلوقين وقد تخرج أفعالهم فيها عن حدود المنطق والعقلانية من باب التمجيد للفعل والتأكيد على أهميته ويمكن أن تكون الملحمة جزءا من الأسطورة. أما الأسطورة فكامل ما فيها يخص ما فوق البشر من آلهة وأفعال أحداثها تخرج عن حدود ما يقبله العقل والحساب وما يجعلنا نتعامل معه هو ذلك الشق الروحي الخاص بالعقيدة. والأسطورة يمكن أن تتخللها عددا من الملاحم. ولكن تبقى الملحمة قيمة إنسانية هامة تتأرجح بين النموذجية في الفعل والنتيجة، وبين المحفز الدافع لتحقيق وإيجاد التأصيل لمنحى بشرى يعد مرجعا، وإن كانت الملحمة في صنوفها سواء الأدبية أو الشعرية تنتقل عبر البشر بشكل السرد الشفوي. وتحمل سمة الرتابة في صوتياتها وموسيقاها. وتحمل أشكالا من المبالغات والاستعارات وبعض الخروجات الطفيفة عن قوالب الحقيقة الواقعة من باب الحبكة. وتصنف في صنفان، الأول: ابتدائي (شعبي). والثاني: ثانوي (أدبي).

ويأتي عمل الفنان عبد الرحمن النشار. (الملحمة الثامنة توحد المكان والزمان) واحدا من استثناءات الأعمال التشكيلية والتي تحمل خصوصية مميزة. ويستمد هذا العمل تميزه وخصوصيته من مبدعه ذاته الفنان الكبير عبد الرحمن النشار. والذي نستطيع أن نطلق عليه (تحوت) التشكيل المصري. فهو من خلال ملاحمه الأربعة عشر والتي نتناول منها الملحمة الثامنة، فيقع في فهمي من ملاحمه ما يوجد إسقاطا مباشرا على مسطحه التصويري، يعكس فيه بنوّته الروحية لهذا الرمز المصري المثقف والفيلسوف. رب الحساب والمنطق والحكمة. مجيد القراءة والكتابة وأول من خط بالقلم. ووزير رع والمشير عليه. والمحكم بين الآلهة بما لديه من حكمة وثقافة وعلم، ومؤلف كتاب الموتى المقدس. فعبد الرحمن النشار في إجابته البليغة عن سؤال افتراضي يرد ويجيب – رب سائل يقول: إلى أين يتجه الطريق؟ ويسترسل السائل: أما زال هناك تحديث بعد الكشف عن العالم الحديث؟ ثم يسهب السائل فيقول: أما زال للطريق بقية؟، ويرد النشار في إجابة جامعة عميقة. وببلاغة سهلة بسيطة فيقول: «إنني فنان أتجه بأدواتي من الخطوط والألوان، في دأب وتبجيل، أصلي لله وأستعين بالصبر والمثابرة وبالمجاهدة والرجاء، وإيماني بالخالق الواحد الأحد، أن أنطلق من حيث انتهيت نحو أبعاد من التجريب لإضافة مزيد من تحديث حضارة العصر مضافا إليه نبرات وجدان، وجدان فنان من الشرق». هنا تنتهي إجابة النشار البليغة والمتواضعة على هذا السؤال المركب الاستفاضة. لم يذهب في إجابته إلى فلسفة ومغالاة. ولم يتفاخر على السائل بمعرفة وثقافة وتحصيل. ليضرب مثلا في قيمة الجد ونتيجة الاجتهاد ونصح بالتجريب ليحصل التحديث. وأقر بذات الله لتحصل له الإعانة، ومكن الكد والعمل والعلم والمثابرة والتصميم من مكانتهم في ذاته ونفسه وفلسفته. وأقر قاعدة ونظرية وطبقها على نفسه قبل أن يطالب غيره بها. وبشر بإدراك النجاح إذا ما حدث الالتزام المدعوم بإيمان الداخل وما بها من ذات. 

وبالاقتراب من ملحمة النشار الثامنة أجدني مجبرا على تطبيق ما استعرضته من مقدمة على هذا العمل. وما ألمحت إليه فيها من إسقاط. 

أولاً: الملحمة في صنفيها إما أن تكون (ابتدائية) كتلك التي تروى على شفاه الرواة والمنشدين وغيرهم من الرواة، وإما أن تكون (ثانوية) كتلك التي تصاغ بمتون الأدباء المبدعين وما تنظم في ترتيب ونظام. أما ملحمة النشار فقد أتت (بصرية) صاغها بتنوع مشهدي يعج بعشرات المشاهد التي ترادف تلك المعارك في الحروب. فالحرب واحدة والمعارك متعددة فيها. فهكذا حقق أول اشتراطات الملحمة. 

ثانيا: أن الملحمة في موسيقى سردها الصوتي أو نظمها الشعرى تعتمد على الرتابة التي تمنح المتلقي التركيز مع الأحداث وعدم الانسياق خلف النقلات الصوتية والموسيقية من سجع وخلافه. فيغرم المتلقي بالإيقاع على حساب المضمون. ولكن تلك الرتابة يجب أن تكون منتقاة غير مملة حتى لا يحدث العزوف عن المضمون من جراء رتابة السر. وقد حقق النشار تلك السمة. فملحمته جاءت مجزئة ومقسمة إلى أجزاء تسعة متساوية ومكررة القياس والبعد الهندسي من حيث محيد رقعتها. كما أتت زخارفها من قطع المعدن المطلي بالمينا الملونة لتصنع نوعا من التوازن بين أجزائها التسعة سواء منفصلة أو متصلة. كما أنها أدت دور الرتابة البصرية والتي كسرها بمحتوى كل جزء من مشاهد ملحمته ودراميتها المتنوعة، تلك الدراما التي تناولت موضوعات شتى مثلت متنه البصري الملحمي.

ثالثا: تعج الملحمة بتلك الدسامة في الأحداث والكثرة في النقلات الدرامية. كما تضم العديد من المحطات والتحولات المحركة للأحداث، كما تموج بكثير من التناولات المتلاحقة سواء للشخوص والمجاميع ومحفزات الأفعال ومحركات الأحداث، وهو ما أستطاع الفنان الكبير عبد الرحمن النشار من إيجاده في عمله الرخيم، فهو يعج بالعشرات من المشاهد والتناولات لحالات بشرية وصراعات ثقافية، ومرجعيات حضارية متنوعة ومختلفة ومتباينة الأزمان والعصور. وكذلك التنوع في خلفيات الرسوم وتقنيات الرسم والتصوير المختلفة. 

رابعا: تحمل الملحمة نزعة في خلق تنوعا بين الحقيقة الحاصلة مسبقا والمسلم بحدوثها أو فرضية الحقيقة ذات الاحتمال في الحدوث. ويتخلل ذلك بعض المسحات والجوانب الأسطورية لزوم التفخيم وتفعيل القيمة والثراء في أحداثها. وقد حقق النشار هذا الشرط في ملحمته بأن تناول جانبا تصويريا يمثل مشاهد تعبر عن تنوع وثير لحضارات بشرية نمت وكافحت وتطورت وتميزت بمفردات دالة، ومناظر معبرة عن صور الحياة الخاصة بشعوبها على اختلاف تلك الصور والمشاهد التي تعكس جوانب دينية وحضارية وسلوكية ومعمارية، .إلخ من تلك الموروثات الخاصة بكل منها، فنجد لديه ما يعبر عن إنسان الكهوف وما قبل معرفي الكتابة مرورا بالتجمعات البشرية المهذبة والمستقرة نسبيا ووصولا إلى الحضارات الممتدة من بعد معرفة الكتابة وحتى الحضارة الإسلامية وأنماط التطور الحديثة، بل ولم يغفل ذلك الجانب الشعبي والذي يصنع في عمله الملحمي صفة الشمولية والامتداد. 

خامسا: تستند الملحمة على حبكة الراوي في سرده، وما يضيفه من صور جمالية وبلاغات في السجع والقافية وحبكات النثر وترابطه، كما تتميز بالمبالغات الجاذبة والمحركة للخيال والمكثفة للأحداث والمبهرة في السياق السردي، ولفظات الترصيع التي تميز جنبات الأحداث. وقد حقق الفنان عبد الرحمن النشار حبكته في سرده البصري من خلال فخامة المبالغة في مساحة المشهد الجامع لأرضية ملحمته مستعينا بخطوطه وألوانه وتنوع خاماته وأرضيات المشاهد الذهبية والفضية، تلك الخلفيات التي وزعها على كامل المساحة بصورة عبرت عن خصوبة الرقعة الضامة لكامل الملحمة. كما أتت قطع المينا الملونة والمختلفة الأبعاد والأشكال الهندسية. جاءت تلك القطع الملونة بمثابة فواصل الترصيع المزينة للمشاهد والفاصلة بين الأحداث والمنظمة لتراتبيتها ربما على سبيل التراتبية المكانية أو على مستوى التراتبية الزمنية.

 وهكذا نرى كيف استطاع هذا الفنان الكبير تناول المفهوم الخاص بملحمته في إطار المعايير الحاكمة لمفهوم الملحمة بشكل عام. وأتى بالمتن البصري في موازاة لخصائصها وسماتها المميزة. ولكنه في إطار ذلك لم يغفل بصمته الفنية وتراكمية خبرته وأسلوبه الذي طوعه لصياغة فكره عن الملحمة. فنجد أن الملحمة البصرية لديه أتت في طاعة لتدخل في سياق نهر أسلوبه الذي يجرى بين ضفتين أشتهر بحدهما لأعماله. وهما ضفة الهندسيات التي كان يحترم قوانينها ويرى جماليات العلاقة بين أشكالها وأسرار زواياها وأقواسها وانكسارات أضلاعها وتوازيات خطوطها والتي منحته تصميمات ما يسمى (وحدات المالانهاية) والتي ميزت الاساليب الزخرفية في العديد من الحضارات ولكنها تطورت ونمت وازدهرت في الحضارة الإسلامية. أما الضفة الثانية فهي تلك التناولات العضوية والتي أستعرض فيها مجريات الملحمة وتصاوير أحداثها والتفاصيل الرامزة لعصورها والعناصر العضوية الدالة على جغرافيتها. وأستطاع من خلالها القفز بين الحقب الزمنية والأبعاد المكانية من خلال مشاهد تحمل دلالة مقروءة سهلة التفسير فظهرت لديه مشاهد عتيقة ضاربة في جذور الزمان تدل على اجتماعيات بدائية، وفى مقابلها أتت بعض المشاهد حاملة ما يعبر عن شعبيات تعود لسنوات قريبة. كما أتت التناولات العضوية بتصوير مناظر دالة على مفاهيم اجتماعية ومرجعيات عقائدية وسلوكيات إنسانية وطقوس مجتمعية وميثولوجيات ترسخت لدى أفراد المجتمعات وتناقلت مع أجيالها. 

وقد إستطاع النشار أن يوجد تلك المعادلة الصعبة المرادفة لمزج الماء بالزيت (العضوي بالهندسي) وأخرج لنا خليطا مستساغا ومقبولا يتناسب مع إطار الملحمة الذي اختار صياغة فلسفته عن الحياة من خلاله. وأبدا لم يقم بذلك في إطار تجريد عشوائي. بل احترم علم الحساب وطرق العيار ونظريات التنظيم. وكأنه بتلك الأجزاء التسعة المكونة لملحمته الثامنة قد قسمها إلى فصول مترابطة، بينها قواسم مشتركة تدل على اتصال جملته الفكرية، ولم يكتفى بذلك بل ذهب إلى افتعال المناسيب (البارز والغائر) في رقعاته الخشبية الحاملة لمزيجه من الهندسيات والعضويات، والتي وقعت في فهمي حلال رائعا لإشعاري بالفواصل المكانية بين أحداث الملحمة وكأنها بلدان متجاورة بينها حدود ولكنها ذات تأثير في مجريات الاحداث، والتي تتوافق مع المعايير الخاصة بالملاحم. كما أشعرني فيها أيضا بالفواصل الزمنية وكأن أكثرها غورا في المسطح تعبر عن حقبة زمنية سحيقة وأكثرها بروزا تعبر عن حقبة أحدث. كما يمكن أن يقصد بالبروز أهمية حدث أو مشهد عن الأخر، وبالغور عادية المشهد وربما جاء وجوده في العمل من أجل السياق الدرامي للمشهد البصري الصاخب. وقد يرى غيرى في التكوينات الهندسية المطلية بالمينا الملونة حالة من الزخرفة في الشكل. ولكنى أرى فيها دلالة وعلاقة بين الشكل واللون. فالشكل فيها أره معبرا عن أنماط العمارة المميزة لبعض المجتمعات والحضارات. وكذلك بعض دور العبادة والأديان. أما الألوان فوقع في فهمي وانطباعي من ألوان الأزرق فيها ما يدل على أحداث في أرض تطل على بحر أو نهر أو جزيرة أو طقس بارد. وما أتى على لون أخضر يدل على بلد زراعي أو أرض مطيرة وارفة. أو غابة أو أجمة متشابكة. وما جاء من درجات بلون أحمر ما يدل على كونها بقاع ساخنة الأحداث أو حارة المناخ.. إلخ. ولا أدعى قصدية الفنان الكبير عبد الرحمن النشار ذلك. ومن المؤكد أن له قصدياته ولوغاريتماته الخاصة به في ملاحمه الأربعة عشر بشكل عام. أو في الملحمة الثامنة التي نحن بصددها بشكل خاص.

إن هذا العمل المميز والاستثنائي لهو واحد من الأعمال التي تستحق القراءة والتنظير والبحث على عدة مستويات تشكيلية كانت أو تاريخية أو فلسفية. فهو من الأعمال التي تعكس مدى فهم ووعى هذا الفنان الكبير بما كان يطرحه، وما كان يعلمه لتلاميذه. فهو أبدا لم يكن يستعرض تكوينا تشكيليا ذو انعكاس جمالي. بل كان يطرح فصلا في موسوعة ملاحمه البصرية. والتي تعكس جوانب كثيرة من شخصيته. فانفعاله بعمله الفني والتشكيلي أبدا لم ينسيه صياغة فلسفته وفكره بما يناسب أسس التصميم في طرحه. ولم يثنيه عن إدراج عضوية الطرح المفسرة لثقافته البصرية والتاريخية والفلسفية والتي زاوجها مع هندسياته في تناغم، لقد طرح في ملحمته الحكيمة وأستعرض فيها تقيمه لفكرة الحياة الإنسانية بشكل عام فأستعرض البدايات والنشأة والنمو والتطور. استعرض الصعود والهبوط للمؤشرات الدالة على التحضر والتمدن. استعرض الأصالة بما فيها من مرجعيات. وأستعرض المعاصرة والتحديث بما أوجده على مسطحه من سياق. وقد لا تتناسب مثل تلك القراءة مع قيمة هذا الطرح الدسم لهذا الفنان الكبير الذي ما زال يحيا في أثاره وما خلفه من منجز أكاديمي رسخ في عقل وثقافة تلامذته. ومنجز فني يرصع متحفه الذي يعد مرجعا للمتلقي المثقف والدارس الواعي.

فتحية لروح هذا الرجل المثقف والفيلسوف والناسك. وتحية لهذا الفنان الواعي والمدرك لما يطرح. وتحية لهذا المدرس الذي ترك إرثا قيما لتلامذته، تحية إلى روح (تحوت التشكيل) الفنان الكبير عبد الرحمن النشار.


عبد الرحمن النشار (١٩٣٢ – ١٩٩٩) فنان تشكيلي مصيري، حاصل على دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة 1970 في بودابست، ودرجة دكتوراه الفلسفة في التربية الفنية (تصوير) جامعة حلوان 1978. عمل أستاذاً للتصوير بكلية التربية الفنية في جامعة حلوان، ورئيس قسم التعبير الفني ووكيل الكلية للدراسات العليا. أقام العديد من المعارض الخاصة كان الأول في العام ١٩٦٠، والأخير في العام ٢٠١٦، إضافة إلى المعارض الجماعية المحلية والدولية، حصل على جائزة التصوير الأولى (صالون القاهرة 1968)، وجائزة الدولة التشجيعية في التصوير ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى 1980. والجائزة الأولى في التصوير – بينالي القاهرة الدولي 1994.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s