الطريق الثالث

الطريق الثالث

اللوحة: الفنانة الإسبانية أنابيل أندروز

في سيارة الشركة وهم متجهون إلى العمل، قال الموظف للسائق:

– أين كنت أول أمس؟ لقد بحثت عنك ولم أجدك!

قال السائق بحماس:

– ألم يصلك آخر الآخبار؟

– ماذا حدث؟

– جاءت شكوى “بدون توقيع” في حق أمين المخازن بالشركة، وعلم المدير عن طريق رجاله في المؤسسة أنه سوف تأتي لجنة مفاجئة للتفتيش، فما كان من المدير إلا أن جنَّد كل طواقم السائقين بالشركة للبحث في كل مكان بالمنشآت المتناثرة بالمحافظات عما نقص من عهدة أمين المخازن؛ وقد كنت أبحث مثلهم بالسيارة، وبالفعل تم استكمال العهدة قبل وصول اللجنة المفاجئة، ومر الأمر بسلام.

فقاطعه قائلا:

– ولماذا يهرع المدير لاستكمال العهدة؟ هذا لا يوجد له تفسير سوى أنه شريك لأمين المخازن، وبهذا فهو لص!

– وهل هذه معلومة جديدة، الكل يعرف أنهم لصوص!

غادرت اللجنة الشركة بعد أن تأكدت من مطابقة العهدة في المخازن، ثم بدأ الجَد وحان وقت الحساب، تم الإستعانة بشرلوك هولمز؛ للعثور على هذا الوغد الذي تجرأ وأرسل تلك الشكوى التي فضحت معلومات دقيقة، لم يتطابق الخط مع أحد، لا بد أنه كَتب الشكوى باليد اليسرى أو كتبها أحد معارفه خارج الشركة، ومع ذلك تم حصر المتهمين ومحاصرتهم والتضييق عليهم حتى وقع “سامي” أخيرا في الفخ واعترف.

سامي مهندس يمتلك وعيا وضميرا، ربما حبه للقراءة سبب هذا الضمير الحساس، عندما عُين بالشركة برزت مواهبه ومهاراته مبكرا، كان يتصدى لأي عطل ويعالجه سريعا، وفي البداية أزعج زملاءه الذين اشتعلت في قلوبهم الغيرة، وفي يوم جاءه أحد هؤلاء الحاسدين وهو مسرور، قال له:

– لا شك يا سامي أنك ماهر وذكي بدرجة كبيرة؛ ولكن لست “إدارجي”!

فكَّرَ “سامي” في معنى كلمة إدارجي وعلم أنها تعني؛ النفاق المستمر طالما تتنفس، وأن تعرف طباع المدراء وكل ذي سلطة في المصلحة، تقول وتفعل ما يعجبهم وتبتعد عما يزعجهم، تفتش فيهم عن حب (المدح.. المال.. النساء.. الأهلي أو الزمالك.. المخدرات.. الخ)، وحين تُشبع هذه الثغرات، تكون أديت ما عليك، فلا سوق أو قيمة للمهارة أو العلم أو الالتزام.

الغريب أنه كان على صواب، ونجح في قراءة سيرة “سامي” الوظيفية، فقد ظل سامي مكانه بينما ترقى الآخرون بسهولة، كان يتعجب من سلبية مئات الموظفين بالشركة، لا يُخفى عليهم ما يقع من ظلم وفساد وتفاوت في العلاوات والمكافآت، كل هذا يمر تحت أعينهم ولا يجرؤ أحد أو يخطر بباله أن يكتب شكوى ولو بدون توقيع؟

كان “سامي” يفكر كثيرا في مأساة تلك الفنانة الجميلة التي تنبأ لها الجميع بأن تكون سيدة الشاشة، ثم رغب فيها الثري العربي الذي يتحكم في كل وسائل الإعلام، أراد أن يتذوقها ثم يفتح لها طريق المجد، فرفضت، فصدمته وأغضبته عِفّتها، وقال لها: سأغلق عليك كل الأبواب. وظلت طوال حياتها القصيرة في الظل، ونَسِيها الناس، ونَسِيها زملاؤها في صناعة الفن، فالذي يتعاطف معها محكوم عليه بنفس مصيرها، فصمت الجميع وتخلوا عنها، وأكلوا عيش بمواهبهم الفنية، فالموهبة وحدها لا تكفي دون تنازل.

هذا بالضبط هو شعور سامي حين اكتشفوا أنه صاحب الشكوى، وحينها خلت الشركة من الأحياء، لم يعد يرى سوى التمثال الثلاثي للقرود التي لا ترى، لا تسمع، لا تتكلم؛ في عالم الموظفين يرون ويسمعون وفق حسابات يستحيل النطق بها علنا، وحين بدأ الرؤساء في محاولة تأديب وقهر سامي، فوجئ بالصمت التام أمامه، وبالثرثرة عنه من وراء ظهره، تزوغ عنه العيون وتتجمد أمامه وتفقد بريقها، حين يدخل عليهم وهم منغمسون في حديث ساخن، ولا شك أنهم يتحدثون عنه، فيصمت الجميع، الكل يتحدث عنه وليس معه، أغلبهم مقيد بعلاوة أو خوف من تَقَصّد أو انتقام، وقلة الحيلة هي صبغتهم وشراب قلوبهم.

قام رؤساؤه بتقصده وإهانته معنويا، سلطوا عليه بعض الموظفين المنافقين والسفهاء ليهينوه ماديا وليحاولوا أن يخرجوه عن وعيه فتنفلت منه أخطاء قد تدخله في دوامة شِكايات إدارية بينه وبينهم، ولكنه كان يقظا ولم يقع في الفخ، تحمل كل هذا بصبر، وزاد على ذلك أن أرسل بالشكاوى بإسمه إلى كل مكان، وتصاعد التوتر خوفا من أن تصل تلك الشكاوى إلى جهات عليا لا سلطة لهم عليها.

كان الصراع قاسيا على جسد وأعصاب “سامي”، ولم تتركه المعاناة حتى في منامه، كانت تأتيه كوابيس مذهلة في دقة التعبير عن حاله، في أحد الكوابيس المتكررة، أحاط به الزملاء وأمسك كل منهم بيده وقدمه وأوثقوه تماما، بينما الآخر قبض على رأسه وقام بجذبها لأسفل لتهيئة رقبته للذبح، والمدير يتقدم ويقول: “بسم الله، الله أكبر، صبرك الله على ما بلاك” ثم يهم بذبحه.

وفي يوم اقترب منه زميل يعرفه من رائحته، يضع دائما عطرً ثقيل، ثقيل بقدر سُمْعته الشريرة، فهو يلعب على كل الحبال، قال له هامسا: لو لم تكف عن الشكوى سوف يرسل شخص ما شكوى تتهمك بالإرهاب، وأنت تعرف ما أقصد، ونحن أيدينا طويلة ولنا معارفنا عندهم.

عاد سامي إلى بيته وهو يشعر بالانهيار التام، إلى متى يتحمل كل هذا وحده، لقد أصبح في الشركة مثل الحيوان الأجرب، الكل يبتعد عنه ويتركه وحيدا في معاركه.

وفي تلك الأيام تصادف أن نشرت وسائل الإعلام تلك الحادثة التي هزَّت الرأي العام، حين ألقى موظف بنفسه من أعلى مبنى جريدة شهيرة، وتساءل الجميع عن السبب، ولكن سامي علم السبب بداهة، فالذي انتحر سبقه بخطوة، موظف ينتحر وسط زملائه، يعني أنه عاين قهرا من رؤسائه وتجاهلا وسلبية من زملائه، فمرض باليأس فتصرف تصرف اليائسين.

كانت كلمات التهديد الأخيرة ضربة قاضية، لا أمل في المقاومة.

ظل خيال سامي يتأرجح بين مصير الفنانة التي قهرت فماتت في الظل، والموظف الذي انتحر، وبعد استغراق عميق في التفكير والمشاعر السيئة، قال لنفسه: لا بد من التفكير بطريق آخر، لا بد من الهروب من سحر مشاعر اليأس وأفكار الإنهيار.

في اليوم التالي؛ دخل على المدير وقدم استقالته ثم انصرف إلى أرض الله يبحث عن عمل في مكان آخر وليحيا حياة أخرى.. انصرف إلى أرض الله الواسعة يهاجر إليها.

رأيان على “الطريق الثالث

اترك تعليقًا على أحمد دوام إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.