اللوحة: الفنان الفرنسي بول سيزان
سليم الشيخلي

حين دَلفتَ الغرفةَ الصفراء ناولتك الممرضةُ قطعةً معدنيةً نقش عليها: «الصبر مفتاح الفرج» وعلى الوجه الثاني صورة امرأة عارية، بَدأتَ تَتفحص الوجوهَ، أمامك رؤوسٌ تتكئ، راح اليد كزهرات اللوتس، بحثتَ عن مجلة فلم…
أردتَ التدخين، تحركت يافطة «ممنوع التدخين» قبالتكَ، والانتظار، نردين بلا أرقام لوجود ممل، جحافل من النمل تدب داخلكَ، تخدركَ، يثقل رأسكَ والضوء المتدلي، لِتجدكَ تمتطي نمراً، تنطلق مخلفاً أنهاراً، جبالاً، مدناً وليلاً، الأفقُ الأزرق يحوطك بأسرار، خيمةٌ، تقترب إليها، تضاءُ الغرفة، الممرضة بثيابها الصفراء، الأعناق مشرئبة، يجيء صوتها كمطحنة عتيقة:
ـ ديك الجن.
قام شاب ريفي الوجع وسار خلفها، أسندتَ رأسكَ إلى الجدار فاصطدم بقماش الخيمة، أدْخلتَ كُلّكَ فيها فتقافزَ حولكَ صوت أن تقرأ السلام.. اقشعر بدنك فصحت دون تفكير: السلام عليكم.
ردته جمهرةٌ من الأصوات، تلألأَ خوفكَ، ارتعشت, صوت يأتي من كل الاتجاهات دون أفواه تلوكه، فصرتَ شجرة بلوط عتيقة، تَوجهتَ إلى الجهة اليسرى وجلستَ بتحفز مؤدب فالخيمة غارقة بفراغ.
ـ حياه الله، حياه الله.
أحسستَ بتعب ثقيل فأسندتَ رأسكَ الحائط.. الأصفرُ ينهض قليلاً، قليلاً والممرضة وسط الغرفة تهمسُ.
ـ أبو العز الأندلسي.
بحيادية تمايلتَ معها، قام رجل متكاً عصاه، نقش على رأسها الصدئ «لا غالب إلا الله» مدفوعاً بنظرات الجالسين، ينهض آخر ببدلته الداكنة:
ـ إخواني، أنا من مدينة آرك، فأرجو من صاحب الدور أن يتنازل لي.
قام شاب ذو عرج خفيف وقال متأتئاً: خذ دوري يا سيدي وأعطني عملاً.
ابتسم وكتب عنوانه على قميص الشاب.
ـ ولكني لا أملك ثمن التذكرة.
أخرج من جيبه ثلاثة دراهمٍ وتجول بين الوجوه الجامدة وهو يقول:
ـ خذ هذه الخمسة دراهم، وغمز بعينيه.
أحسستَ أنكَ تحترق فرميتَ رأسك للوراء، قماش الخيمة، انتعاش سري يلون عروقك، موقد بجمراته الشفيقة، الدفء برائحة القهوة، وجوه تحدق فيكَ كأنك من كوكب آخر.
ـ أهلاً مهدي، تركناك تنام لتمتلئ بالصفاء والسكون.
أحسستَ أن شيئاً أعدّ سلفاً فادعيتَ القوة بسؤالك: ماذا تريدون مني؟
أشار عسكري عن يسارك ليتحدث:
ـ لقد ورثنا نحن الإخوة السبعة عشر، ثماني عشرة طاقية إخفاء لا تعمل إلا بوجودك معنا، وبشرط خدمة الأمة العربية.
اتسع أفقكَ فرأيتَ بطاريق القطب الشمالي يتناسلن، الحقيقة أم إنها الحلم الذي تمناه جيلك بعد سلسلة هزائم وإخفاقات لم تنته.. طاقية إخفاء!
ـ أنا أنتمي لكم.
هكذا هتفتَ وسطهم، ورحتَ تسبح عند شواطئ يافا، تدخل سبتة بالملابس العربية، تمسح عن وجه عجوز في الإسكندرونة لم تتعلم اللغة التركية، خطوط الحزن.. تمنيتَ أن تقف وسط الخيمة وترقصَ حول النار كالهنود الحمر، لا، حاولتَ أن تمزج بين الدبكة وحركات زوربا.. هل ستنتهي حفلات الكرباج، الاختفاء؟ الأعداء القادمين من بين سطور توراة مزيفة والمختبئين خلف أقنعة ثورية؟ تركوك لبرهة تمتطي حصاناً أبيض تخترق به المسافة بين طنجة وبوبيان، يلتفتُ إليك الثامن عن يسارك:
ـ عفواً مهدي، من أجل أن نبدأ العمل نريد تقريراً مختصراً عن حال الأمة بعد سقوط آل عثمان.
تسمرت العيون حولك، كانت فجأةُ السؤال صرخةً توقظ رائحة العنف، وأنت ترى الوجوه المدماة، الأيادي المغلولة، أفواهاً متيبسةً تأخذ شكل الوطن، وتجيء إليك كرة من نار تتأجج داخل غابة دخان، شلالات من الرمال القرمزية تتساقط موالاً بثقوب سوداء واستغاثات هلامية.. إنه الأمل ينمو مع طاقية الإخفاء هذه المرة، يجب أن تكونَ قوياً وأن تقدم تقريركَ المصبوغ بالهزائم، لم تخيبْ ظنكَ فرحتَ تُشدّدُ على أحرف الكلمات وأنت تتقيأ حزنك.. ساد وجوم شرس ودهشة حاقدة وبدأت الأنامل تحك الذقون، البعض ينتف من شعر لحيته، قلتَ: نجحتُ في إثارتهم وإن ساعة العمل الثوري أزفت.
أومأ محامي بعباءة مرقطة عن يمينك بحركة كتلك التي يستخدمها مدربو كرة السلة فسكت الجميع.
ـ واعرباه، قاع المستنقع ودون حراك، أيها الرفاق من أين نبدأ؟
ـ من مصر، قالها بلياتشو عن يسارك، فهي قلب الأمة العربية وقد ذكرها الله تعالى خمس مرات في القرآن الكريم.
ـ كلا، البداية من أفغانستان لتلقين الأعداء درساً في..
ـ اعترض، صاح أحدهم: إنه هروب من الواقع إلى المستجد، البداية أمريكا رأس الأفعى.
هراء، لم تتبين شكله، لكنك توجست مخاوفك العتيقة، بدأت الخيمة تهتز قليلاً، والجمل تتطاير حشرات ليلية حول ضياء محطة مهملة.
ـ نظام.. رجاء، أعتقد من قلب الجزيرة العربية كأجدادنا الفاتحين.
– يدفعه أحدهم أرضاً ويهتف: نظرية كنس، من الشرق إلى الغرب، مكنسة تبدأ من جمهوريات المرحوم الاتحاد السوفيتي مروراً بالمهراجات والآيات حتى فندق الشمس في بلاد الأندلس.
ـ نقلب الأرض عاليها سافلها.
ـ لا.. قلتها أنت بحجم المعاناة، نبدأ من فلسطين الجرح الغائر في أعماق كرامتنا
ـ صه.
أثار الرد حفيظتك، صرخت عمودياً لتقاطع أفقيتهم، الخيمة، الشروخ، الأيادي تتشابك، يمسك أحدهم رقبتك، تدنو منه وتسأله الحل، يأتيك الجواب ضربة تطرحك أرضاً والشرر يتطاير يأخذ شكل عصافير ووجوه، ناجي العلي، حليب، دير ياسين، أجساد مصلوبة تهزك، يلبس خطوك الضباب من جديد دون إرادتك تصطدم بجدار الغرفة الصفراء لتسقط الأماني لوحات تجريدية، الأيادي متشابكة، الكلمات صدئة، العنف يصدمك بالأجساد المتوترة.
يخرج الطبيب بكامل أناقته من باب آخر.
ـ لماذا تركته يخرج؟
ـ ألم تسمع الممرضة تقول إن اليوم عيد ميلاد ابنته.
ـ ورسوم الكشف؟
ـ سندفعها من جديد للكشف القادم.
تشتبك الأيادي من جديد، ضربة تطرحك أرضاً والزمن ضائع بينها وبين نظرتك حائطاً مشروخاً، بقعا سوداء. لوحات قميئة مستسلمة للتلف إحداها للدجال.
كف ضخمة خرافية تهزك:
ـ اصحَ أستاذ أحمد، أكمل نومك في بيتك.
وقفت بصعوبة متكئا على ساعده الرخامي، توجهت للمغسلة، مسحت وجهك ببطانة المعطف:
ـ ألم تك خمرة اليوم مغشوشة؟
ـ إنها خمرة كل يوم.
أوصلك الباب، وبدأت تجرجر أقدامك لتشربها المدينة!