التلاميذ والزلعة

التلاميذ والزلعة

اللوحة: الفنانة المغربية فاطمة طهوري

لو تَذكَّرنا الفتاة الرِيفية منذ ما يقرب من قَرْن، لتَخيَّلنا مجموعة من الفَتَيات يَسْتيقِظن مُبكرا ثم يَخرجن في جماعات، كل واحدة منهنَّ تَحمل فَوق رأسِها الزَلْعَة، يقْطَعن عِدَّةْ كيلو مترات حتى يَصلن إلى صنبور المياه الوحيد بالقرية أو شَط الترعة، وتَقوم كل فتاة بملء الزَلْعَة بالماء ثم وضعها على رأسها، يَرجعن معا بهذا الحِمْل الثقيل وهنَّ يتبادَلن الضَحِكات والحِكَايات، قد تتكرر هذه الرحلة مرة أو مرتين في اليوم ولا شَكْوَى ولا مَلل، لم نسمع عن أي فتاة خَطَر ببالها التَخَلي أو التَمرّد على هذه الرحلة اليومية، بل ربما هي فُرصة المَرَح الصَباحية التي تَتلهّين بها وتتنفّسن حكايات البنات بِحُرِّية، لأن المجتمع قام ببرمجة الجميع بحيث يَجري هذا النشاط تِلقائيا وبلا تَردد أو إعادة تفكير.

ولو استيقظت إحدى بنات العصر الحديث صباح اليوم، ووجدت المياه مقطوعة، وأخبرها الوالد أنَّ عليها أنْ تَقوم بنفس الرحلة القَديمة لتجْلب المياه للبيت، لن تتخَيَّل البنت هذا العمل أبدا، وسَتجده ثَقيلا وسَخيفا وخياليا وخُرافيَّا، بل ويُميِت من الضَحِك، وسوف تُعلنها صَراحة بأنَّ الموتَ عَطَشا أرحم عندها من هذا العمل.

الفرق بين الأمس واليوم هو طبيعة المجتمع والحياة، فالمجتمع في عملية متواصلة من التخلي عن برنامج قديم ليحل محله برامج أخرى، يُقحمها في حياتنا تَغَيّر الزمان أو المكان، ونتعلم من هذه القصة أنَّ المجتمع يَستطيع أن يَفْرِض على أفراده أعمالا صَعْبة ومُجْهِدة وشاقة، ولا يَشْعر الأفراد بمشقَّة هذا المجهود؛ ولا يخطر بالبال الكَفَّ عنه أو التمرد عليه، بل يفْعلوه مثلما يَتَنَفَّسون.

أكبر مثال اليوم يتطابق مع قصة الزَلعَة وفي نفس الوقت يَخلو من أي هَدَفِيَّة ويكاد يكون مثالا مُضْحكا ومُستَغْرَبا أنْ نَنْغمس فيه حتى اليوم؛ هو مثال: الدُروس الخُصوصية، اليوم من المَقبول والمُبرمج إجتماعيا أنَّ أغلب التلاميذ يَتلقَّون دروساً خُصوصية في كل المواد، بل هناك من يلتحق في المادة الواحدة بأكثر من مُدَرِّس خاص، وهناك من يَنْضم لمجموعة للشرح بالإضافة إلى أخرى للمراجعة.

في الجانب الآخر من اللوحة هناك ما يُعْتبر أعجب العجائب في التاريخ، أولا: المدارس والمُدرِّس والنظام الدراسي واقعا لم يُلغَى، ومع ذلك يَشتكي الناس من تراجُع العملية التعليمية داخل المدرسة ومن قِلة الجَدْوى منها، ولكن السؤال المحيِّر هو: ما هو الأسهل؟ أنْ يقوم أولياء الأمور بالجانب الرِقابي الذي يُعيد المدرسة لسابق وظيفتها ورسالتها؟ أم الاستسلام للدروس الخصوصية التي تستنزف كل شيء وتُنَكِّد حياة الأسر وتستنزفها؟ لماذا يَسْكت الناس على تَدهور العملية التعليمية؟ الأمر يحتاج إلى تكاتُف في الرفض وإصرار عليه، فلماذا هذه السلبية المثيرة للدهشة؟

ثانيا: كل المواد مُتاحة مجانا على اليوتيوب، ويقوم بشرحها مدرِّسون كثيرون ومن بلاد مختلفة، وهذا يعني أنّ أي طالب يستطيع أن يَجلس أمام الشاشة ويُشاهد مجَّانا شَرْحا مَرْئِيَّا، وله حرية اختيار الشارح وإيقاف الشرح وإعادته ليَكتب ويَفهم، بل هناك في الشبكة العَنكبوتية برامج تقوم بحل المسائل مقابل مَبْلغ زهيد وهناك كُتُب مجانية بلا عدد. ولا أحد في المجتمع يَسْتغرب أو يندهش أو يتحسّر على المال والوقت المَهدر في نشاط الدروس الخصوصية الضال والأحمق وغير الهَدفي.

هذا يذكرني بالمطبعة التي تأخَّرت عدة قرون عن الدخول للدولة العثمانية والدول الخاضعة لها؛ وكان المُبرّر فَتوى العلماء بأن الحِبر النَجس لا يجوز أن يَكتب الآيات القرآنية المُقَدسة الطاهرة، ووراء تلك الفتوى كان أكل العيش المُهَدَّد، حيث كان الناسخون والخطَّاطون بأعداد ضخمة ولهم مَكانة خاصة في المجتمع ووراءهم تِجارة وصناعة ومصالح هائلة، فكانت ماكينة واحدة أو عدة ماكينات تعمل عمل كل هؤلاء النَسَّاخين، فكان السكوت عن هذا السَفَه وراءه المَصلحة الشخصية لفئة من المجتمع  فَوَّتَت على الأمة خيرا هائلا كان سيعم الجميع، ونحن ندرك أثر المطبعة على أوربا في إحداث النهضة.

حين نقارن بين قصة الزَلْعَة والدروس الخصوصية سوف نَتَخيل مشهدا لا معقولا، بنات إحدى القرى ولديهنّ في كل بيت عِدَّة صنابير للمياه بمختلف أنواعها وأحْجامها ودرجة حرارتها، ولكنَّ المَحْبس الرئيسي للمياه  مُغلق، وبدلا من الإصرار على فتح المَحْبس، تُجْبَر كل فتاة أنْ تَتجاهل كل هذه الوفرة من المياه وراء المحبس الرئيسي، وتَحْمل الزلعة وتذهب كيلو مترات للترعة أو النهر لتَغرف منه ثم تعود حاملة للزَلْعَة على رأسها، وبالمثل نجد الطَلبة اليوم، لديهم مدارس وفيديوهات شرح وكتب مجانية ومصادر علم وتعلم بلا عدد، ومع ذلك ينالون دروسا في كل المواد، مشهد مضحك ولكنه الواقع.

وكما قال المتنبي:

         وَكم ذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ … وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكا       

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.