لكل شيخ طريقة

لكل شيخ طريقة

اللوحة: الفنان الروسي ستانيسلاف بلوتينكو

دعاء صابر

التحقت بمدرسة جديدة بعد انتقال أسرتها إلى محافظة أخرى، في يومها الأول عبرت من البوابة وتجاوزت الطوابير في الساحة حتى وصلت لطابور صفها فوقفت فيه، بدأت فقرات الإذاعة المدرسية المعتادة، وأخيرا وبعد العديد من “هل تعلم” تقدم الشيخ رافع فأخذ زمام المايكروفون:

– الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اليوم هو يومكم الدراسي الأول في عامكم الجديد، أسأل الله عز وجل أن ييسره لكم ويوفقكم ويرزقكم من فضله الواسع.. بدا الكلام مكررا وذو رتابة، لكن بعد لحظات بدأ الرجل يردد أدعية وأناشيد لم تتبين كلماتها في البداية، لكن سرعان ما اكتشفت أنها أناشيد تمجد السيد البدوي وتتغزل في محاسنه! 

وقفت فاغرة فمها بينما زملاؤها يرددون خلف الشيخ الذي بدأ رأسه يتحرك يمينا ويسارا في نشوة فبدا وكأنه انفصل عن العالم بينما الطلبة يقلدونه فيما يبدو اعتياديا بالنسبة لهم، في تلك اللحظة تهيأ لها أنها تقف في حلقة ذكر بمقام السيد البدوي وليس في طابور صباح بمدرسة! 

بعد انتهاء الطابور صعدوا إلى الصفوف وبدأوا اليوم الدراسي كأن شيئا لم يكن

ظل بالها مشغولا طوال اليوم، كيف لمدرسة أن تصدر أفكارا كتلك إلى الطلاب؟ علمت من بعض الزملاء أن مدير المدرسة هو من أشد مريدي الشيخ البدوي، وأكثر الناس ترددا على مقامه؛ لذلك يقوم بتمجيد الشيخ البدوي في المدرسة منذ أنشأها بالاشتراك مع الشيخ رافع، رافعِ راية الشيخ البدوي وحاميها!

في اليوم التالي حضر ذات الشيخ ومعه طفلان يبدو عليهما الفقر، بعد انتهاء فقرة الإذاعة المدرسية بدأ الشيخ ما أسمته هي فيما بعد بفقرة “الشيخ البدوي” تناول الشيخ المايكروفون وبدأ بالصلاة والسلام على النبي وأتباعه والدعاء للشيخ البدوي وأتباعه، ثم بدأ يحكي لهم عن الطفلين الواقفين بجانبه، الطفلان أحدهما يعاني من مرض خطير في المخ وعلى وشك إجراء عملية جراحية، والآخر سيجري جراحة في عينيه على أمل أن يرتد إليه بصره، كادت تفكر في مدى سماحة الشيخ في أن يجمع لهذين الطفلين تبرعات تغطي تكاليف الجراحة لكن الشيخ لم يمهلها:

– لذلك دعونا نبتهل للشيخ البدوي أن تمر العمليتان بسلام ويُشفى هذين المسكينين. 

مر أسبوع واحد ذهبت بعده لوالدتها تعلن عدم قدرتها على الاستمرار في تلك المدرسة، بعد حوار حول الأسباب استجابت الأم لرغبة ابنتها وقامت بسحب الملف من المدرسة وإدراجها في مدرسة أخرى، وحرصت هذه المرة أن تسأل وكيلة المدرسة إذا كان مدير المدرسة من أتباع الشيخ البدوي! 

– الشيخ البدوي؟ هاهاها.. بالطبع لا، نحن لا نروج لأشياء كهذه!

أصبح يومها الدراسي الأول في المدرسة الجديدة هو فعليا اليوم العاشر في الدراسة ولكن لا بأس، المهم أنها تخلصت من السيد البدوي ومريديه.. بعد إتمام الفقرات الإذاعية بدأ المدرس المسئول عن التربية الدينية يردد أذكار الصباح والطلبة تردد خلفه، بعدها بدأ يدعو: 

– اللهم احفظ الوطن، ورجال الوطن، وأبناء الوطن، اللهم بارك لنا في حكومتنا واحفظ رئيسنا وأعنا على طاعتك فيه، اللهم قنا شر الخونة ومفرقي الأمة واقطع دابر ال.. ركضت بسرعة خارج الطابور فناداها أحد المدرسين:

– إلى أين أنتِ ذاهبة؟! 

قالت وهي متجهة نحو البوابة: إلى مدرسة الشيخ البدوي!

اترك رد