قصتان: اعتذار – تداعيات في الذاكرة

قصتان: اعتذار – تداعيات في الذاكرة

اللوحة: الفنان الأميركي دانيال ريدجواي نايت

محمد محمود غدية

كاتب القصة لا يمكنه إخضاع شخصياتها لأفكار مسبقة، وغالبا ما تمضى القصة في اتجاهات غير متوقعة، دور الكاتب تدوينها دون زيادة أو نقصان.

– رجل وامرأة مغموران بوشاح المسرة يعصران الشهد من اللآلئ والنجوم والأقمار.. تذهلنا الحياة بمنطقها المعاكس وغير المتوقع، فقد تهدى إليك شيئاً تحبه في توقيت خطأ أو في مكان لا ترغبه، تماما مثلما حدث للرجل وامرأته الندية كالفجر والرقيقة كالنسيم، حين برزت لهما عينان أشبه بعيني الصقر، تتبعان الزوجة، وكأن جمالها يستفزه ويستدرجه إلى الجنون، يظل شاخصاً ببصره نحوها حتى وهي تغلق النافذة، لدرجة أنها أغلقت غرفة النوم خشية أن تتبعها عيناه الجريئتين التي أخافتها لابد وأن سطوة الوحدة قاهرة، تراه وحيداً طول الوقت عيناه توشك أن تقفز من محاجرهما، تمسك بها وتتدحرج على الأرض لتمسح كل ركن فى الشقة دون استئذان، يبدو أنه ساكن جديد لأن الشرفة التي يطل منها كانت مغلقة لسنوات.

ثلاثيني يحمل وجهاً بسيطاً به بعض الملاحة المكسوة بصمت متواطئ، هل تدهشه التفاصيل والجزئيات الخفية..؟ لابد وأن تخبر زوجها عن ذلك المتطفل الذي تربكها عيناه لدرجة التعثر، والذي لم يتراجع عن النظر إليها وبوقاحة تبدو مقصودة، إنها سعيدة في زواجها لديهما رصيد من الحب لا ينفذ، مشوق لها دوما كشوقه للشمس التي تشرق من وجنتيها.

– طرق الزوج باب الثلاثيني المتطفل الذي غاب بعض الوقت في فتح الباب، قرر الزوج أن يلقنه درساً في آداب الجيرة وأنه من الأفضل أن يتزوج بدلا من التحرش البصري بزوجات الآخرين، الوحدة مارد ينهش القلب!

– فتح الباب ليطل وجه مبتسم بعينين لوزتين فاحمتين منطفئتين! شحت بطارية الزوج الغاضب الذي داهمه الخجل المروع أمام الثلاثيني غير المبصر، دارت به الدنيا وثقلت خطواته، لا يدري ما يقول معتذراً: إنه أخطأ العنوان.

تداعيات في الذاكرة

يتطلع لبقايا سحب في السماء، عيناه أشبه بجمرتين تتوهجان وتنطفئان، ينتزع قدميه من الأرض انتزاعا، يمشي في غير اتجاه، وجهه ينم عن إجهاد وتبرم ليس مبعثه الطقس البارد والمطر، تدفقت كل الصور في لحظة وكأنها كانت محتجزة خلف سد إسمنتي أزيل فاندفعت تيارا لا يتوقف، صور الرفاق الذين تفرقت بهم السبل عبر تقلبات السنين! لا ينفع الاعتذار لأن الكل تقاعس وانشغل. 

استسلم لتلك الدقائق التي يختلسها الجسم من اليقظة ليلقي بنفسه في أحضان غفوة، هجرته ملامح الطفولة والوداعة، تركت بداخله شواظا من لهب، الغيوم المتكاثفة ترفض أن ترحل، كما أن المطر لا يتوقف، سيدخل كهفه حيث تتداعى الأفكار  المتصارعة في عراك لا يهدأ، الضجر والهم يطبقان على أنفاسه، يتابع نقر المطر فوق زجاج نافذته، يحدث صوتا صاخبا كقرع الطبول الأفريقية حين تنذر بخطر قادم، لم يقو على طرد الليل الذى طال مكوثه عنده بعد أن تمدد في زوايا الذاكرة وألقى بغطيس من السواد في حدقتيه، الوحدة قاتلة لامحالة، لابد أن يستمع لصوت العقل، فمنذ هاجرته قريته هاجره الدفء والمشاعر النبيلة، تتمزق كل الصور والتذكارات، لا يبصر في المدينة الصخرية غير الكآبة وكرات اللهب والرماد.. لابد من امرأة تفتح له نوافذ الصباح، وتعد له كوب الشاي المنعنع وتسافر في أوردته، تؤنس وحدته، تضمد جراحاته، تخلع عنه القشور الصلدة، ثم تطحنه دقيقا أبيض وتسويه على نار هادئة، ثم تلتهمه ساخنا وطازجا، بدل من أن تلتهمه الوحدة ودود الأرض.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.