حق 

حق 

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان الهولندي رامبرانت فان راين

صديقي..

هي واحدة من كثيرات تساوى عندهنّ القهر مع الحياة لكثرة الخيبات. رافق الألم حياتهن حتى أصبح مذاقا لكل شيء. أما قصة الخيبة والقهر عندها فهي تبدأ من النهايات, من كلمة كانت تعتقد أنها كانت تنتظرها، كلمة عودي.

استيقظ الجميع أما هي فلا؛ لأن حيرتها كانت أكبر من أن تجعل عينيها تغفوان 

فهي تكاد تكون مستيقظة على الدوام. يا الله كيف حدث هذا؟ لماذا لم تنتبه؟ لماذا لم تعدَّ العدّة؟ ولماذا لم تفكر بهذا من قبل؟ ها هي الكلمة قد جاءت, دون أن تستعد لها، كان هناك متسع من الوقت كي تستعد أما الآن فقد أصبحت عاجزة! لكن من أين جمع أحرف تلك المفردة؟ والتي تحمل في طياتها خيبة أمل لرجل خرج من باب الحياة ليلج باباً آخر للحياة، باحثاً عن حقٍ أقرّته الشرائع السماوية والاجتماعية؟ حقٌ أقرّه الجميع إلاَّ هي، أو لنقل طرق باب الحياة باحثاً عن حظٍ  أوفر فقالت له الحياة: حظ أوفر! كلمةُ تحمل في طياتها رغبة مكبوتة وشوقاً جريحاً.

من أين جمع أحرف فعل الأمر هذا والذي يحمل في طياته طلباً ورجاء؟ كما يحمل حنيناً ولهفة خجولة، ويحمل بقايا عفونة لرائحة خيانته للذين أخلصوا له، والغدر للذين كانوا يظنوه الجبل الذي يحميهم وقت النوائب، والظلم للذين يفدونه بأرواحهم؟ من أين للغة العربية أن تحتوي كلمة يُمكنها أن تختصر, وتلغي, وتكتب, وتمحي, وتعتقل ذاكرة, وترسل إلى المقصلة كلُّ من يحرّضها ويذكّر بما فعل؟ تماماً كما فعلت كلمة غيرها من قبل, وكانت تظنها الأقوى.

قال كلمته هذه دون أن يدرك المتاهات والزواريب التي قد تكون نهاياتها مغلقة، وعادت إلى زوايا نفسها المظلمة، إلى يوم خريفي ساعة الغروب كانت من الشرفة التي تطل على فناء البيت – تراقب ركض بعض الدجاجات اللواتي تأخرن عن المبيت، وفي الزاوية الأخرى هناك.. تحت شجرة التين التي خلعت بعضاً من أوراقها، كانا يضحكان ويبحثان عن بعض الثمار الناضجة.

لحظات.. كلمة.. كلمتان.. وتجهّم كلُّ منهما أكثر من الآخر، الكلمة الأولى ناداه باسمه, لكن ماهي الكلمة الثانية التي زلزلت كيانهما؟ بعد صمت قصير وضع إبراهيم يده على كتف سامر قائلاً: اعتمد عليك، ثم خرج على الفور دون أن ينطق أو يلتفت، ثم تبعه سامر قائلاً لها ودون أن ينظر إليها: لا تشغلي بالك

ساعة, ساعتان على خروجهما مرّتا كأنهما تلال من الساعات، بعدها دخلا معاً..

ابراهيم وقف جانباً لا يتكلم أبداً، أما سامر فأقترب منها متلعثماً بكلمات لم ينطقها، وكأن حمى أصابته فماذا يمكن أن يقول؟ وكيف يقول؟ ولماذا هو عليه أن يقول؟ ولكن من غيره يمكنه أن يقول؟ وأخيراً تشجّع بالكلام مختصراً عليها انتظارا وترقبا وحيرة، تشجع لكنه لف على الكلمة التي قيلت له وقال: إنه يريد ولداً! نظرت إليه مؤكدة إنها رغبتها هي أيضاً، وقبل أن تنطق عاجلها ببقية ما عنده

إذاً سأتزوج.. هي الكلمة الثانية التي قالها، بعد أن ناداه باسمه تحت شجرة التين، فردت بعينيها وبحركة من كتفيها فليفعل، ومن ذلك الوقت إلى الآن لم تكلمه ولا كلمه ولم تنظر إليه نظرة واحدة, ولو نظرة معاتبة ولم تثر ولم تغضب، وكأنها حشرت كلّ ما يذكّر به في علبة سوداء صغيرة ودفنتها في حجرة غير مضاءة من ذاكرتها ووارتها عن الناس, لا يعلم بها إلاّ هي, ولا يدخلها أحد إلا هي, وهي لا تخرج منها إلاّ لتدخلها على مدى أعوام ثلاث، أما الآن وقد اقتحم هذه الحجرة وأضاءها وجعلها ترى ما وارته هي عن نفسها، اقتحمها بكلمة واحدة كلمة أربكتها وحيّرتها، وجعلها ترى كم تحنّ إليه، وكم هي غاضبة منه لأنه أتخذ مثل هذا القرار، وكم هي غاضبة لأنه لم يشاركها بهذا القرار، هذه الكلمة.. جعلتها ترى أنها تحبه بنفس الشغف والقوة واللهفة، والتي كانت تظن أن هذا الحب قد انكسر من اللحظة التي كسرها.. هي تعرف طعم الانكسار والخيبة جيداً، فقد عانت من انكسار موت والدها وعرفت اليتم من الناس ونظراتهم قبل أن تعرف معناه، وعانت من الخيبة عندما تركتهما أمها بعهدة جدتهما، وانكسرت مجدداً بموت جدتها، وخابت مجدداً بتعاطي أمها معهما, حيث كانت تأتي مع جيش أولادها مبررة بأنهم صغار ولا تستطيع تركهم لوحدهم, وكانت تغادر دون تقديم أيّ عون, فيجب أن تعود مسرعة لإعداد الطعام لزوجها وأولادها، وكأنها لم تتركها وأخوها صغارا، ثم خيّبتها الحياة ولم تعطها, وهي التي أعطت كلاب الشوارع!

كانت تخشى من انكسار جديد وخيبة جديدة, ولم يخطر ببالها قط الذي حدث, بقيت طوال حياتها معه تخشى أن يأخذه الموت منها, وإذ بأخرى هي التي فعلت هذا, أو هو الذي أخذ نفسه منها لأخرى، استفاقت وخرجت من عوالم نفسها على صوتهما, وكانا يضحكان عند دخولهما لفناء بيت أهلها، لأنها رفضت البقاء في بيته مع تلك الغريبة، والتي استقدمها بلهفة الغريق لقارب النجاة، متناسيا لهفتها للنجاة، مضيفاً خيبة جديدة إلى خيباتها. دخلا وكانا متناسيان جراحها ونزيف روحها وكأن شيئاً لم يكن. وقف زوجها جانباً، أما أخوها فقد تقدم منها ببشاشة الذي يحمل هدية لها، ومتأكد من قبولها وفرحتها بها قائلاً: انتهى كل شيء، جاء ليأخذك, السيارة في الخارج, أحزمي أشياءك، لكنها لم تتحرك، فأردف: قال لي إنه قال لك عودي, وانت ترفضين ألم يحدث هذا؟ 

ودخلت عوالم نفسها من جديد، كم تتمنى أن تأخذه في حضنها وتمسح دمعة عينيه وتمحو عنه خيبة أمله، وكم تتمنى أن تخبره عن تلك الأيام التي عاشتها بعيدة عنه، وكم اشتاقت إليه، وكم اشتاقت أن يتشاجرا ثم يضحكا، وكم تشتاق أن يربت على كتفها, وأن يبتسم إليها ويمسح دمعتها، وكم.., وكم.. فكرر بتصميم ألم يحدث هذا؟ نظرت إليه وتابعت في عوالم نفسها: كم تتمنى أن تلقي برأسها على صدره وتبكي حتى تغفو، ها هو قد عاد وكلُّ أمانيها قاب قوسين أو أدنى، لكن يفسد ما يفسد وقت يشاء تحت مظلة أخيها ثم يصلحه وقت يشاء وأيضاً تحت مظلة أخيها، خرج بطلاً ويعود مهزوماً، يخرج رجلاً ويعود نصف رجلٍ مخذول.

فقدت صبرها وتضحيتها على أعتاب تلك الليالي الطويلة الباردة، فلأي شيء تعود؟ أتعود لغدره؟ وكم ساءها حبورهما.

تنبهت على يد توضع على رأسها بحنان، نظرت إليه وقالت: لو لم يخفق لما عاد و.. قاطعها مشجعاً هيّا، هناك متسعٌ من الوقت من أجل.. فقاطعته لكنني أريد ولداً! 

أحقاً لأنها تريد ولداً؟ أم أنها لم تستطع أن تختصر وتلغي, أو تمحو وتكتب، وربّما لم تعد تستطيع تحمّل خيبة أمل جديدة، أو لنقل أنها لم تعد تشعر بالأمان معه، أم لأنها لم تستطع أن تبني إبراهيم آخر جديد على أنقاض إبراهيمها، وأكتفت بحشرِهِ في كهف ذاكرتها، في زاوية لم يعد يدخلها حتى هي؟

رأيان على “حق 

  1. فقاطعته لكنني أريد ولداً! .. رد بارع ويجسد كل القصة .. هذه إرادتك وتخليت عنها مرغما.. ولم تلقي بالا لإرادة شريكة الحياة.. قصاصة رائعة.

    إعجاب

اترك تعليقًا على أيمن جبر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.