اللوحة: الفنان المكسيكي دييجو ريفيرا
عندما يُهاجر سِرب الإوز إلى المناطق الأكثر دفئا؛ يطير في تشكيل على شكل رقم ثمانية أفقية مثل مُقدمةالصاروخ.. دَرَسَ العلماء هذا الأسلوب في الطيران الجَماعي الذي أمْلته الغريزة على الطيور، واكتشفوا أنَّ فعاليةالطيران تَزيد بنسبة 71% مقارنة بطيران كل طائر وحده، حيث تتصدى الطيور التي في المقدمة وعلى الأطرافلأكبر كمية من دفع الهواء، ويوفِّر هذا للطيور خلفهم جهدا كبيرا، لو غادرت إوزة سِرْبَها؛ سيُجبرها ضغط الهواءأنْ ترْتدَّ للسِرب، وإنْ تعبت الإوزة القائدة التي في الأمام؛ تتراجع لنهاية السرب وتحل محلها أخرى في القيادة، فالقيادة عندهم مَغْرَم لا مَغْنم، لهذا يحدث التبادل تلقائيا، فمن استنفذ طاقته يتراجع ويأتي غيره ليقود.
لو تخيلنا الطيور التي تهتدي بالغريزة الربانية؛ تُقَلِّد إنسانَ اليوم الذي يَميل للسير في رحلة الحياة وحده أو مع أسرته فقط، فتطير فرادى، أو تطير كل أسرة من الطيور وحدها في مجموعات، فلا يَتعدى عدد أفراد الأسرة أصابعاليد الواحدة، كم حجم الإنجاز؟ وكم حجم الفَقْد في عدد الطير الذي يَهلك أثناء الطيران؟ أليس في هذه الغرائزالعَبْقرية والمُلهمة ما يُنير الطريق ويرشدنا في رحلة الحياة، فَنُسَبِّح بحمد خالقها ونهتدي بالرسائل التي أودعها اللهتعالى في مخلوقاته التي سَخَّرها لخليفته في الأرض؟ لماذا نجد الغريزة التي أودعها الله تعالى في المخلوقات غيرالعاقلة دائما أقرب للكمال؟
منح الله الإنسانَ نعمة العقل والحرية، يفكر بعقله ويختار بحريته، لكل إنسان نَصيبه من الموهبتين، ويتضاعف قدراستفادة الإنسان من الموهبتين حين يَتشارَك مع غيره فيهما، فتتعاون العقول، وتتشارك الحريات، فيَنْتج الخليفةالذي أراده الله لعِمارة الارض ويَسود فيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وإنْ لم يتعاون الناس ويتشاركوا فسوف يُصبحون تُروسا ملساء ودوائرَ بلا أسنان وإوز يطير فرادى، فالغريزة في الحيوانات هي برنامج يوضع فيهاويساعدها على خَوْض غِمار الحياة فيتحقق الغَرض الذي خُلِقت له وتنجوا من الفناء! ألا تكون فضيحة بِجلاجل أنْيَفْنى الجِنس البشري الذي فَضَّلَه الله بالعقل والروح والحرية، وينجوا الإوز!
الساعة في بداية ابتكارها عندما كانت تعتمد في جوهرها على حركة التروس، هي عمل بديع ومُفيد، بِفَضْل التناغموالعبقرية في تجميع حركة التروس المختلفة في أقطارها ودِقة وقوة أسنانها وسرعة دورانها، تتعاون ولا تتصادم،ولا يَنعزل كلُ ترس بحركته وطاقته.. لو كانت الساعة بنفس التركيب العَبْقري؛ ثم نُزِع من التروس أسنانها،وانعزلت وأصبحت مجرد دوائر ملساء تدور حول محورها الخاص؛ ما هي النتيجة؟
بعض الدوائر حسب حظها سوف تدور حول محور ثري ونَشِط، وأخرى سوف تدور حسب حظها بطيئة وفقيرةوهي أقرب للسكون، وتتفاوت الحياة داخل الساعة، فتصبح حركة ونشاط بلا ثمرة، ومظهر حياة بلا حياة حقيقية، ولا يمكن أنْ تُسمَّى ساعة ولا يَحْصل منها وظيفة.
لو أسْقطنا اليوم هذا الوصْف على مجتمعنا، لوجدناه مطابقا لحال تلك الساعة ذات التروس الملساء، يعيش الناسفي دوائر بلا أسنان، قد تكون دائرة تحتوي فردًا واحدًا يمسك بهاتف ويعيش حياته داخل تلك الشاشة، قد تكوندائرة تحتوي على أسرة تعيش حياتها داخل كوكبها المعزول، تصب كل جهدها في نفسها، شعار حالها: ما يحتاجهالبيت يحرم على الجامع، وكلٌ مشغولٌ بنفسه.
أسر تحمل هَمَّ نفسِها وتحاول أنْ تَزيد من نصيبها في دائرتها، لا يَهمها الدوائر حولها، مُكتفية بنفسها، وتَظن أنهافي وضعها المثالي الذي لا أفضل منه، وتَتجاهل أو تَتعامَى عما يَنْقصها من الحياة الحقيقية المنتِجة التي يَعُمّ خيرُهاعلى الجميع والتي تَدْفع أمراض الحياة عن الجميع.
هذا هو مرض المجتمع المصري والعربي ، ولو تم مواجهته وعلاجه لزال التخلف الذي أنتج الفارق الرهيب بينالمجتمع الغربي والمجتمع المصري والعربي، وجعلهما وكأنهما قَصر الباشا وعزبة الصفيح، قصر الباشا الذي ينعم سكانه بثروة تروسهم الرشيقة والصلبة، وعزبة الصفيح المُستهلِكة والتي تعاني منْ شقاء فَقر طاقتها ودوائرهاالمَلساء، الجزر المنعزلة في دوائر بلا أسنان لابد أن تَقترب وتُنَمِّي أسنانها لتلتحم الدوائر معا، تدور معا.. ترتقيمعا.. تفكر معا.. تقرر معا.. تنجو معا.. تعيش الحياة معا بحلوها ومرها، فلا يتألم أحد وحده بما يفوق طاقته، ولايتنَعَّم أحد وحده بما يزيد عن طاقته.
في مقال للدكتور) محمد حامد الأحمري) يقول: (إنَّ سياسة العرب عَزف منفرد لشخص واحد، كما هي موسيقاهمأيضا، موسيقى منفردة ولا تنجح، ولا تَبْقى إلا ضعيفة منفردة، فلم يَنجح عند العرب إلاَّ الرَبابة المُنفردة في البادية،والناي المُنفرد في المدن، فهي آلات بسيطة تَنسجم مع عقل عازفها وأدواته الثقافية، ولهذا لم تَنْضج عند العرب،الموسيقى الهارمونية أي المؤتلفة في توافق ووئام ، والمُنَسِّقة بين عدد كبير من الآلات والعازفين، لأن الوئام يَنِمعن قدرة ثقافية جماعية خُلُقية وعَقْلية تُجْبر على التنازل ومُطاوعة بعضهم لبعض للوصول إلى مُنتج جميل شامليُنتجه أكبر عدد، ويَسعد به أكبر عدد، ويعتز به ويقتدي القادمون).
لماذا اختار الشعب المصري والعربي العَزْفَ المنفرد عبر تاريخه؟ شخص يعزف على الربابة في المقاهي ويرويقصصا شعبية مثل أدهم الشرقاوي وأبي زيد الهِلالي والزناتي خليفة، مُطرب ومطربة ووراءهما تَخْت، فيطربالسامعون وتتعلق قلوبهم وأبصارهم وجَوارحهم بهم.
الشخصيات التاريخية العربية عبر قرون والتي تُجسِّد البطولة أو الطُغْيان فردية، حتى الشَعيرة الدينية المُتمثلة فيخطبة الجمعة أو مَوعِظة القِدِّيس، هي نموذج أداء فرد يتحدث أمام جمهور يَستمع ويُنصت، ولا قُدرة على الرد أوالمقاطعة وإلا فَسَدت الشعيرة، كما في الحديث: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» رغم أنّ الصحابة كانوا لا ينْصتون في كل الأحوال؛ بل يقاطعون الخطبة حين يَسمَعون ما لا يتماشى مع ما تَعلموهمن الرسول، ولكن قامت أحاديث بمهمة إسكات الجميع وتعويدهم على السكوت طَمَعا في الأجْر الكامل، وبهذا أصبحللخطبة مسار في اتجاه واحد، من الخطيب للمصلين.
وتنفرد بلادنا دون بلاد العالم بالرقص الشرقي الذي يُسمَّى (هز الوسط أو رقْصَة البطن)، وهو أيضا عزف منفرد، لانَفْخر به ولكنَّه ملتصق بتراثنا وتاريخنا، وتمتلئ الأفلام المصرية القديمة بمشاهد منه، وجاء زمن كان لا يقام حفل لصاحب السرايا في القرية دون استئجار راقصة تُرَفِّه عن الفلاحين، وبهذا لم تُبْدع بلادنا في الاحتفالات والأفراح طريقة تجمع بين الرقص الجماعي والحِشْمة بحيث يمرح الجميع في تناغم وبراءة.
نحن لم نتعود إلا العزْف المنفرد، وحين ننادي بعزف جماعي نفشل لأننا كاذبون من الداخل، وهَوانا كُله مع العزْفالمُنفرد، والأحلام التي يَكْتنزها كل فرد هي أحلام العَزْف المُنفرد، فالعربي لا يَخضع للعربي إلا في حالة واحدة وهي حين يُظِلهما الدين، وهذا كلام بن خلدون، مستشهدا بسيرة الإسلام حين تآخى الأوس والخزرج والمهاجرون وذابت الطائفية مع حرارة الرسالة، فأكثرنا نبلا لا يفكر إلا في العزف المنفرد ولا يحلم إلا بعازف منفرد يُحَقِّق حلمه.
نحن نحلم بعودة فرد من التاريخ مثل عمر بن الخطاب، صلاح الدين الأيوبي، سيف الدين قطز، محمد الفاتح.. لا بدأن تتغير الثقافة، ويجب أن نَفهم أنَّ هناك علاقة بين نَهضة أوربا وتَطور السيمفونيات والفِرَق الموسيقية التي كانتتَحشد عشرات الموسيقيين ليَعزفوا معا لحنا واحدا.
نحن مَسْجونون في فِكرة الأداء الفردي ولهذا فأول واجب هو أن نَرْكلها بأقدامنا بعيدا ونستبدلها بثقافة وروح التعاون والفريق، تعظم عندنا البطولة الفردية، فالبطولة والمجد والنصر يتمثل في رجل فرد، بل لا توجد في البطولةأنثى، لا يوجد أبطال جماعة.. ملايين العرب لم يستوعبوا هذا الخبر: أن تُعْطَى جائزة نوبل للسلام إلى الاتحادالأوربي، ويذهب زعماء الاتحاد للاحتفال، ويتسلموا الجائزة.. هذا لا يفهمه العربي، لأنَّ البطل في خيالنا: (نبي،ولي، إمام، قائد عسكري، قائد سياسي) ولهذا دائما ننادي :أين أنت يا صلاح الدين؟
عقب نهاية محاضرة عن الوعي المجتمعي؛ سألت فتاة المحاضر: ما دور النُخبة في عملية النهضة؟ قال المحاضر:نحن النخبة، أنا وأنت النخبة! سوف أحكي قصة حدثت في مدينة في كوكب بعيد عن الأرض: في شوارع إحدىالمدن فَتحات للصرف الصحي، مفتوحة وتسبب حوادث مميتة، خاصة في ظلام الليل، أصبحت تلك الفتحات مصايدللأبرياء، وقف أحدهم في وسط الميدان يُحذّر الناس ويستدعي وعيهم ويدعوهم لعمل جماعي لإغلاق كل تلكالفتحات، والناس حوله يسيرون إلى وجهتهم ولا يلتفتون إليه، في اليوم التالي بزر شخص آخر ووقف في نفسالمكان وحاول تنبيه الناس، وتكرر المشهد ولم يلتفت إليه أحد وسار كلٌ في طريقه، ولكن المُدهش أنّ الشخصالذي وقف بالأمس يُنَبِّه الناس، كان مارا في الميدان ورآه وسمعه، ومع ذلك تَجاهله ومَضى في طريقه.. وفي اليومالثالث قام شخص آخر وقال نفس القَوْل ونال نفس النتيجة، والمدهش أيضا أنَّ الاثنين اللذين خطبا منفردين فيالناس في اليومين السابقين رأوه وسمعوه وتجاهلوه! هل من تفسير لما يحدث في تلك المدينة؟ هل هناك أمل فيإنقاذ تلك المدينة؟ فالذي يمتلك وعيا لا يريد إلا أنْ يكون رأسا وقائدا في الناس، يريد أنْ يكون وحده قناة الإصلاحوأنْ يُحسب له شرف لقب رسول الإصلاح.. مدينة عجيبة ونخبة غريبة، تنتفخ أوداجهم وهم يُحَذّرون فرادى ولكنلا يتعاونون.. ما الشبه بين هذه المدينة ومدينتنا؟ ويا تَرى أنت فين يا مرزوق!
سألت شيخ قريتنا عن الكبائر، قال: يا بني، هناك كبيرة لكل عصر، ولكل مصر، فقرية بلا طبيب كبيرة.. قرية بلامهندس كبيرة.. قرية بلا خبز نِتاج أرضها كبيرة.. التخلف العلمي والفكري والاجتماعي كبيرة.. القرية التي يلعبشبابها في الطين وعلى القهاوي، بينما شباب القرى الأخرى يتسابقون إلى الفضاء، هي قرية الكبيرة والجريمة.. القرية العالة هي أكبر كبيرة.
