الاغتراب في فكر وأدب السوري حليم بركات – 2

الاغتراب في فكر وأدب السوري حليم بركات – 2

اللوحة: الفنان الإنجليزي لنكولن سيليجمان

جاء في الجزء الأول من دراسة الكاتب صالح الرزوق حول الاغتراب في فكر وأدب عالم الاجتماع والروائي حليم بركات: مجتمعاتنا بحالة اختناق لأننا نتعايش مع أوهام تتطور من رغبات وطموحات مكبوتة.. وكل مواطن يحتل مرتبة إله أعمى ولا يرى إلا نفسه، وهذه حالة اغترابية تنجم عن الوضع المتدهور القائم على مبدأ القوة والنزاع وليس التضامن والتعايش.. كما أن الاغتراب مزدوج أو مركب لأن الأنظمة متورطة بتحالفات دولية، والأفراد متورطون بميثاق مع أنظمتهم.. والمواطن عاجز أمام استبداد نظامه، والأنظمة الضعيفة بدورها عاجزة أمام دكتاتورية واستبداد الدول القوية. ولا يمكن أن تطلب من نظام زئبقي تطبيق دساتير وضعية.. وترتب على ذلك كما يقول الدكتور بركات اتباع أحد الاحتمالات التالية: القطيعة والانسحاب كالهجرة أو اللجوء، ويسمي الخطاب الرسمي هذه الظاهرة بهجرة العقول والكفاءات. أو الرضوخ للأمر الواقع والتعاون مع السلطات تحت مبررات وطنية.. أو رفع راية الإصلاح والمناداة بالتجديد، أو إعلان التمرد والثورة وهو ما يترافق معه حلول دموية ليس لها أي مبرر شرعي وبالأخص أن ما حصل في روسيا وقبلها فرنسا كان نتيجة لظروف صناعية وتجارية. ونحن حتى هذه الساعة دون أي تحول صناعي ملموس، وكل ما لدينا مجرد حطام الكارتلات الاستعمارية متعددة الجنسيات..

الدولة العربية تؤمن بالسيف وليس بالقلم كما يعتقد بركات مع عبد الله العروي؛ فكوادرها بشكل عام محرومة من الثقافة، وهي تتبع نظام الحفظ والاستعادة وليس أسلوب التفكير التجريبي الذي كان سائدا في العصر الوسيط حينما استورد الفلاسفة العرب مصطلحات الإغريق وأعادوا تأهيلها بما يخدم ثقافتهم التوحيدية.. 

يرثي الدكتور بركات هذا التوجه بعد “تآزر الدين مع العائلة لخنق مشروع الحداثة” الإسلامي الذي كان أساسه مركنتيليا وكومبرادوريا. ولكن أيضا أعتقد أن العصر العربي الوسيط شهد روابط متينة وضعت الدين في خدمة العائلة. والحقيقة أن كل الشرق الأوسط يدين لحكومات عائلية. وبدأ هذا التقليد مباشرة بعد سقوط دولة ثاني الخلفاء الراشدين، عمر بن الخطاب. وبوفاته تشكل خطان كلاهما يدور حول محور العائلة وإن اختلفت المبررات بين كفاءة الولاء وكرامات القرابة. وإذا تتبعنا هذا المنطق إلى العصر الراهن سنلاحظ أن مختلف الأحزاب – الغربية والتقدمية تورث قياداتها، وساعدت الأزمة اللبنانية على ملاحظة هذه الحقيقة. ولكن هذا يجب أن لا يصرف انتباهنا عن شكلين من أشكال الاغتراب الديني. الأول يكون بتنامي الشعور بلا معقوليته وشدته وصرامة تعاليمه التي تحتاج لإعادة تأهيل كي تقترب من روح المرحلة، والثاني يساعد على تنويم المؤمن مغناطيسيا وتغريبه عن نفسه حتى يتخلى عن إدارة أموره ويضع كل شيء بيد مؤسسة أسطورية لها وجود اجتماعي ومعرفي كالطائفة أو المذهب أو الشيخ (أحد نواب الإله في التصورات الساذجة للدين – ويؤيد هذا الرأي كل من طيب تيزيني والعروي). وربما استدل منه الاثنان على ضعف أو تدهور الحس التاريخي عند العرب وبداية مرحلة الركود الحضاري. ودائما المقدمات تفضي بنا إلى النتائج، ولا يجوز أن نتوقع ولادة حركة تحديث وتجديد ولدتها ظروف استبدادية أو غزو استعماري. حتى أن الخطوط الحديدية التي أنشأها السلطان عبد الحميد كانت تهدف لنقل الجنود إلى مناطق الثورات. بمعنى أن الغاية كانت هي خنق ووأد حركات التمرد وليس تسهيل نقل المعرفة والصناعة. وقد أدت سياسته دورها في تأخير الاستقلال. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن مصر. فغزوة نابليون لم تهدف لاستعمار مصر ولكن لاحتلالها. ويوجد فرق بين مدافع الاستعمار الفرنسي في سوريا ومدافع نابليون في مصر. أول حالة أسست لنهضة عمرانية وتعليمية حتى لو دفع السوريون ثمنها من دم أبنائهم، لكن بالنتيجة ذهب الفرنسيون وبقيت المدارس والمصحات ودور القضاء والخطوط الحديدية. أما ثاني حالة لم تستمر إلا ثلاث سنوات وكان هدفها عرقلة وصول الإنكليز إلى الهند. وما يقال عن دخول المطابع والبارود لا يؤشر لنهضة أو وعي استباقي. وإن شئت الحقيقة سبقت الأسلحة النارية التي طورها المماليك نابليون (وأول من طور ملح البارود هو نجم الدين حسن الرماح – المتوفى عام 1295 كما أن المماليك أنشأوا أكثر من 40 مركزا لصناعة القنابل المضيئة والحارقة).

 أدب المنفى للمدللين الذين ترعاهم مؤسسات توسعية.. #غائب_طعمة_فرمان لقي الدعم والإشهار في موسكو ولقي #الطيب_صالح الدعم والترويج في لندن فالإمبريالية تعرف كيف تصنع من كاتب رمزا وطنيا، بينما لا يشتهر أدباء الداخل إلا إذا مروا بتجربة مؤلمة مع السلطة أو ماتوا تحت التعذيب. #صالح_الرزوق

أفضلية الرواية لتمثيل مشاعر الاغتراب

ولا يوجد ما هو أفضل من الرواية – السرد بشكل عام – المتخيل أو أدب السيرة والمذكرات – لتمثيل مشاعر التناقض مع الذات أو الاغتراب والجنوح. ولذلك يختم حليم بركات كتابه بشهادة عن أدب الغربة والمنفى، ويصنفه بعدة أشكال منها الترحال بين عدة بلدان عربية، ومنها الهجرة والاستقرار في ميتروبول أو مركز استعماري مثل أمريكا. وتنطبق هذه الحالة على بركات ذاته. ولكن يفوته أن يشير لمسألتين بغاية الأهمية.

الأولى هو بروز جيل جديد من الأدباء ولا سيما في الخليج العربي، وبالأخص في سلطنة عمان والمملكة السعودية. وتناول أفراد هذا الجيل مشكلة الاغتراب الاجتماعي والحضاري من أوسع أبوابها، وتسجيلهم لشهادة قيامية عن تحويل المجتمع من التقاليد إلى العصر الراهن، ولا أستطيع أن أقول إلى الحداثة. فتفاوت الأساليب لا يترك لنا مجالا لتحديد الاتجاه سوى أنها تشترك بالحنين للماضي البريء وتعبر عن خوف مشروع وطبيعي من موت الأب وولادة أب مستعار، أو غرينغو، إن استعرنا مصطلحات أمريكا اللاتينية. والغرينغو الخليجي هو شركات التتقيب العملاقة والشركات العقارية والأسواق التي تضيف لتاريخ المنطقة تاريخا مزيفا ومستعارا. ولذلك “يتلازم مع الإحساس بالغربة صراع مألوف بين الهوية والحداثة” أو ببن هوية ذات وهوية نفس.

المسألة الثانية هي ما لحق برواية المهاجر من تبدل عميق. وإذا أخذنا مثال جبران وأمين الريحاني نستطيع أن نجد صوتا عدميا يقرأ الداخل بلغة غريبة عليه. بمعنى أن البنية ملحمية وتدميرية، وتتعامل مع الذات مثل تعامل الشاعر الجاهلي مع الأطلال. فجبران دائما في موقع الرثاء والتشكي والتنقيب عن بقايا تحت رماد العادات. ولذلك أنظر لأعماله على أنها أعمال مقاومة اجتماعية، فهو لم يكن يريد تحديث بنية العقل العربي ولكن كان يطالب بالعدالة لنفسه، إن لم يكن يطلب درء المظالم عنه. ومهما ألحقنا به من صفات نيتشوية، يبقى جبران واحدا من زمرة مؤمنة بالجمال للجميع والحرية للذات.

ولكن أعمال الدكتور بركات على سوية واحدة مع روايات الدكتور سنان أنطون. وتبدو لي أنها نضالية، ووراءها هم يحدوه وعي قوماني، وما توهَّمه بركات عن شمولية المجتمع العربي وكليته وعدم تصدعه إذا رأيته من الخارج، يعكس قصور نظر المستعمر وعدم قدرته على ملاحظة الفوارق الجزئية بين حوض حضاري مشرقي وآخر، بالضبط مثلنا حين ننظر لمجتمعات جنوب وشرق آسيا. نرى التشابه ولا نلاحظ الفوارق. والتعميم صفة سلوكية في الشركات متعددة الجنسيات. فهي تبحث عن استثماراتها وما تدره عليها من أرباح أو عائد مادي، ولا تهتم بالبيئة النوعية. ولذلك أول ما يلفت النظر في أعمال بركات وأنطون وهذا الرعيل – شريحة أساتذة الجامعات – هو المقاربة الفنية وليس الموضوع القومي أو الاغترابي.

ويتفرع عن هذه الحقيقة جدلية متعاكسة بين الخطاب وأطروحته. فخطاب الهوية يأتي غالبا بشكل ذاكرة مغيبة، وأحفورية، ونعمل على إعادة اكتشافها بشيء غير قليل من النوستالجيا إن لم يكن الاغتراب الروحي. ونحن نتعامل مع التعبير الهوياتي باعتبار أنه مكون نائم، أو مدفون تحت مسافة عميقة من المعاناة. ولا يختلف واقع هذا الحال عن التعمية المتعمدة على الذاكرة (بما يرادف معنى النزيف – أو الزهايمر الاجتماعي والوجداني). فبقدر ما تمنحنا الذاكرة معنى تزيد من وعينا بالعجز والنقصان. بعكس سياسة الخطاب (وبالأخص بعد الكولونيالي – وأفضل أن أسميه خطاب الاستقلال أو التحرير)، فهو يحول الإشكال لخدمة السلطة، أو لصناعة سلطة بديلة، ويهدد الحقيقة الروحية والحضارية (ولفهم هذه المشكلة يمكن مقارنة ثنائية غينوا أتشيبي: تداعي الأشياء، ومضى عهد الراحة – الجزء الأول تعريف واكتشاف للروح، والثاني مقايضة عليها بصور باردة). وللتوضيح: الأول أقرب للأعمال القلقة والملحمية التي عبر بها ديفو عن معضلة الإنسان وهو يصارع الطبيعة ويروض نفسه، والثاني يكرر لغة المطابخ والصالونات على طريقة جين أوستن.

أدب المنفى للكتاب المدللين

ولا بد من إضافة نقطة ثالثة بشكل استطراد على الموضوع. أدب المنفى هو لفئة من المدللين الذين ترعاهم مؤسسات توسعية ذات أطماع في بلادنا. ومثلما لقي غائب طعمة فرمان الدعم والإشهار في موسكو لقي الطيب صالح الدعم والترويج في لندن. وبوجيز العبارة تعرف الإمبريالية كيف تصنع من كاتب رمزا وطنيا، بينما لا يشتهر أدباء الداخل إلا إذا مروا بتجربة مؤلمة مع السلطات، وربما إذا ماتوا تحت التعذيب. ولذلك لا توجد علاقة بين مضمون أدباء المنفى وذيوع أسمائهم. ومثلما كان جبران حداثيا ورائدا، لتوفيق يوسف عواد يد بيضاء على الرواية اللبنانية. لكنه لم يشتهر مثل جبران. وبقيت روايته الهامة “طواحين بيروت” في إضبارة مغمورة، مع أن موضوعها هو حصار مدينة براقة مثل بيروت لبنت ريفية صغيرة. وهذه علامة تؤشر لنوايا مجهضة بالهجرة وإلى بنية انتقالية تضع الحدس جنبا إلى جنب مع مرارة التجريب ومصاعبه. ويمكنني تعميم نفس المنطق على أدب الأرض المحتلة. فالنماذج التي تصلنا من هناك تعبر عن وعي مزدوج بالغربة، فهي مكتوبة في حدود حائرة، الذاكرة عربية والواقع إسرائيلي. ويتخللها مغامرات فنية أشبه بالخدع الفنية في السينما. فهي تستعمل لغة عربية لتعبر عن بلد بحالة انتظار، ليس له حدود واضحة ولا سلطة معروفة، ويحكمه الشارع – الاجتماعي مثلما تحكمه سلطة بيروقراطية تعمل في المكاتب. ولا نستبعد في هذه الحالة انفجار الخيال عن لغة استثنائية تدمج الأساطير بالخرافات الشعبية بقالب خيال نخبوي يغلفه الغموض والاحتمالات (انظر كتابات ناجي ظاهر وعلاء حليحل وحسين فاعور الساعدي). إلا أن مواقف وخيال بركات (ومثله هاني الراهب وسنان أنطون) تتقاطع مع القضية بالموضوع، بينما يعزل الأسلوب نفسه وراء ستارة من الاستعارات والرموز ومكياج الحداثة. فأنطون يركز على تفكير تومائي جديد يضع الغابة وجها لوجه أمام بيت العبادة – المكان الذي يستريح فيه الرب. والاستلاب الذي يتعرض له الطرفان يكون بنتيجة اعتداء مبيت على الغابة وتعويم الإله – بتعبير آخر نتيجة سياسة تأزيم غير درامي. أو بلغة أبسط هي حصيلة ترقية للإله من الجانب الوظيفي على الأرض إلى الجانب اللاهوتي في السماء، تمهيدا لصناعة تاريخ من القهر الطبقي الذي نظر إليه بركات نظرة حضارية. وإصراره على التفسير الحضاري يجنب التاريخ من دمويته وتعنته، ويحقنه بروح رواقية هادئة وسائلة. حتى أنه يقر في شهادته عن رواياته أن الماء هو بداية ونهاية الحياة. وإذا كان كل شيء يحترق إن الماء يتفكك ويتصاعد ويتطور مثل روح الإله الشفافة التي لا تحجب منافذ الخلاص عن مؤمن. وربما كان في ذهنه الرسالة الحضارية التي كان يبيعها الفينيقيون للعالم وهم يجوبون المحيطات بسفن يتقدمها رمز تمثيلي لطائر أحمر يدل على خصوبة شواطئ المتوسط وعلى لونها القرمزي الذي يشبه دم الحياة. وإذا ساعدت هذه التصورات الجانب الفني على تحرير نفسه لم تساعد الجانب الموضوعي على الشفاء من شعور باهظ بالاغتراب والعزلة. وكما ورد في ختام شهادة حليم بركات عن أعماله إن الواقع الاجتماعي الثقيل الذي يهبط ويجر أفكارنا معه إلى الأسفل لا يؤهل أحدا لتحقيق “وعي متوازن بالذات والعالم”. ولذلك لم يبق أمامنا غير التعبير عن “اشتداد الأزمة في علاقة العرب بالغرب”، وتفاقم حالة هدر الفرص والإمكانيات. حتى أن الهجرة التي مثلت طوف نجاة أصبحت احتمالا إضافيا يقود إلى جحيم دائم نحمله معنا. وما تخيلنا أنه حلم ثبت لنا أنه واقع جائر لكن له شكل آخر.


حليم بركات (1933- 23 يونيو 2023) عالم اجتماع وروائي سوري. حصل على شهادة البكالوريوس والماجستير في علم الاجتماع من الجامعة الاميركية في بيروت ثم دكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة 1966.. عمل أستاذا جامعيا في جامعات أميركية ونشر العديد من الكتب والمقالات عن المجتمع والثقافة العربية الحديثة، ومن أعماله: «المجتمع العربي المعاصر» (1984)، «المجتمع العربي في القرن العشرين» (1999)، «الهوية وأزمة الحداثة والوعي التقليدي» (2004)، «الاغتراب في الثقافة العربية» (2006) – ومن رواياته: ستة أيام (1961)، عودة الطائر إلى البحر (1969)، الرحيل بين السهم والوتر (1979)، طائر الحوم (1988)، المدينة الملونة (2006).


الاغتراب في فكر وأدب السوري حليم بركات – 1

اترك رد