مع عمر أبي ريشة – 1

مع عمر أبي ريشة – 1

اللوحة: الفنان السوري محمد غنوم

فواز خيّو

كتلميذ، أحاول أن أفي معلمي الأكبر، شاعر العربية، شاعر المجد والكبرياء، بعض حقه.. عمر أبو ريشة، هو من بقايا سلالة الشعراء العباسيين.. من سلالة المتنبي وأبي تمام والبحتري. 

بالمناسبة، هو والبحتري من منبج. هذه المدينة التي تكالبت عليها كل الكلاب المسعورة أثناء المحنة السورية. 

عمر الذي رفع الشعراء إلى مراتب الرؤساء. من خلال علاقاته ولقاءاته وصداقاته مع أكبر زعماء العالم؛ مثل جون كندي، وجمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو والملك فيصل، وغيرهم.. أنت رئيس جمهورية، وأنا رئيس جمهورية الشعر.. لم يكن كبرياؤه يقف عند حد.. كان سيّد المنابر، جحيما على المتآمرين. 

بعد ما سمي بالنكبة وضياع فلسطين، وقف على مدرّج جامعة دمشق، وألقى قصيدته التاريخية «أمتي»

أمتي كم صنم مجدّته

لم يكن يحمل طهر الصنم

لا يُلام الذئب في عدوانه

إن يك الراعي عدوّ الغنم

إن أرحام السبايا لم تلد

مجرما في شكل هذا المردم

يقصد جميل مردم بك. رئيس الحكومة آنذاك. وكان حاضرا في المدرّج. فأمر مردم العسكر باعتقال الشاعر. فتابع الشاعر: 

أيها الجندي يا كبش الفدا 

يا شعاع الأمل المبتسم 

فانفضّ الجند، ودخلت الوساطات على الخط، وأبعد عمر سفيرا ثم وزيرا مفوضا، ليمثل الثقافة العربية، في الكثير من البلدان، وليتقن ثمان لغات.. بقي ربع قرن حتى سُمح له بزيارة سوريا. 

في حفل تنصيب بشارة الخوري أميرا للشعر العربي؛ ألقى قصيدة مبدعة، مما جعل طه حسين وبصوت عال يقول: هي لك، يقصد الإمارة.

حين تحبّ شخصا؛ فأنت تُحبه إما لأنه يشبهك، أو لأنه ينقصك. أي تجد فيه ما تفتقده، فيكملك. ولأننا في هذا الشرق، مزيج من الغربة والتشرد والضياع، نعيش على أمجاد كاذبة، يورثها جيل لجيل. ولم تمتلك النخبة، لا الثقاقية ولا السياسية ولا الدينية الجرأة لفتح سفر التاريخ ومراجعته.. نولد ولدينا جوع للكبرياء الحقيقي والمجد الحقيقي.. لهذا وجدتُ في تشرد الماغوط وتمرّده، وكبرياء عمر ونسفه لكل الأقنعة، انعكاسا في شخصيتي قيد التشكل. 

كان عمر كنسر عريق غريب، لا تعرف متى يطير، وعلى أي قمة يحط.. وكنت وقتها في العسكرية؛ أي لا أمتلك القدرة على الحركة. 

وذات صباح من أيام عام 1984 قرأت في الجريدة أن الشاعر الكبير سيلقي غدا أمسية في حلب، على مدرج كلية الطب.. لقد بللني هذا الخبر.. فأخذت إجازة وذهبت صباح الغد الى حلب التي أحببتها.. وصلت عند الظهيرة، ذهبت الى الحديقة العامة لأزور صديقي الجميل، القرد سعيد، وأقضي الوقت ريثما تحين الأمسية.. دخلت مبكرا لأحتل كرسيّا قريبا من المنصة.. وقبل أن يصل الشاعر، كانت المنطقة المحيطة بالمدرج تغصّ بالناس، بينما يكتظ المدرج بنا. 

إنها حلب، تستقبل شاعرها المبهر، بعد غياب نصفه تغييب.. وكان مديرا لدار الكتب الوطنية فيها، في الأربعينيات. 

كانت غيمة من الرهبة تخيم على المكان.. وفجأة دخل بقامته المنتصبة، كعامود تدمري عتيق مهيب، تعب وأبدع فيه صانعه.. رجل من زمن غابر، يُطلّ عليك كالحلم.. لم يكن يعنيني ما سيقول. كان يعنيني أن أراه. 

كان الدكتور عمر دقاق، مدير المركز الثقافي، هو مقدم الأمسية. لم يكن الدقاق أمام ضيف اعتيادي؛ كان يجهد ليكون التقديم بحجم اللحظة. 

ومما قاله الدقاق: لقد انتظرت حلب ألف سنة بعد البحتري، ليأتيها شاعر كعمر أبي ريشة. 

ألقى الشاعر قصائد جميلة، والحضور طالب ببعض القصائد، فلبّى.. وحين انتهت الأمسية، هرع الجمهور نحوه.

وصلتُ اليه، سلمت عليه وقلت له: أنا شاعر شاب ووعسكري، جئت من دمشق لأراك. أريد أن التقيك، ابتسم بمحبة، وسط اكتظاظ الحضور حوله، وقال لي: بعد غد في دمشق، في العاشرة صباحا، في منزل الدكتور مدني الخيمي – وزير الصحة الأسبق – وأعطاني العنوان. 

كانت تربطه علاقة مصاهرة بالوزير. وهو لا يملك بيتا في دمشق. 

صباح الموعد، توجهت الى اللقاء، تحيط بي هالة من الرهبة.. لم أكن أشعر بالرهبة من الجنرالات في القطعة العسكرية.. كان قائد القطعة، حين يقوم بجولة، يتقافز الضباط الى مكاتبهم. كنت اقف في مكاني، وحين يمر كنت أحييه. وأحيانا كان يتقدم ويسلم علي.. لكن تنتابني الرّهبه حين أدخل قاعة محكمة، أو جامع عريق أو كاتدرائيه، أو حين ألتقي من أحب. 

مرة جاءت امرأة إلى بودلير ومعها ابنها الشاب الذي يقضم الشعر.. سألته: هل يمكن أن يصبح هذا الشاب شاعرا؟ نظر الى الشاب، وقال لها: لا.. فقالت له: شاعر فرنسا العظيم، يحكم على شاب من نظرة؟ فقال لها: من لا يشعر بالرهبة في حضرة شاعر فرنسا العظيم؛ لا يمكن أن يصبح شاعرا. 

وقفتُ أمام الباب، ضغطتُ على الجرس.. ففتحت الباب سيدة ستينيّة أنيقة. سلمت عليها، وقلت لها: لدي موعد مع الأستاذ عمر.. فرحّبت بي، ورافقتني الى الداخل، وأنا تكسوني قشعريرة غامضة. دخلت الى الصالون. كان جالسا، ينظر الى ساعته. فنظر الي بودّ ونهض، سلّمتُ عليه بحرارة وجلست. 

لاحظ ارتباكي، ولمح علبة الدخان في جيبي، فحمل القداحة واقترب مني ليشعل لي السيجارة. فخطفت القداحة من يده، ورجوته أن يجلس.. أشعلت سيجارتي، وبدأ اللقاء. 

 حين أشعلت سيجارتي، استعدت رباطة جأشي. وبعد الاطمئنان على صحته، وسؤاله عني وعن السويداء التي يحبها، طلب أن أسمعه شيئا من شعري.. أسمعته بعض القصائد. كانت نظرات الود والابتسامة، تشحذني بمزيد من الطاقة. 

عمر أبو ريشة، ذلك الكبير، والذي يخشاه قادة العرب، ويحترمه كبار قادة العالم، يقول لي: ما رأيك لو تُقدّم هذا البيت على ذاك؟ أليس أفضل برأيك؟

ما هذه الدوّامة التي أدخلني فيها؟ 

لم يُنصّب نفسه أستاذا، ولم يحاول فرض رأيه، وهو الذي يحقّ له الأستذة.. ورأيه يُفرض، لأنني أريد رأيه وأطلبه. 

بينما تُصادف شخصا من أشباه المثقفين، ولمجرد أنه نشر في الجريدة مرة أو أكثر؛ فتراه يرخي لحيته وشعره منكوشا. أي ليس لديه وقت لترتيب نفسه. ويقول: يجب كذا وكذا. صار أستاذا، وعليك التسليم بآرائه..

دخلت تلك السيدة الأنيقة ومعها القهوة.. قدمت لنا القهوة بكل احترام، وخرجت وأغلقت الباب وراءها.

كنت مهتمّا بسماع الكثير منه. حدثني عن علاقته بالملك فيصل. حيث اقام سنوات في السعودية. وكانت علاقته معه شبه يومية. الملك فيصل، كانت له وقفته الكبيرة أثناء حرب تشرين. حيث قطع النفط عن الغرب، وأطلق مقولة “أموال النفط للتسليح”.. هذا الكلام أقلق الغرب وقتها. فجاء كيسنجر لمقابلة الملك فيصل. 

قال لي عمر: لقد حضرتُ اللقاء. كان متوترا جدا. وحين وقف كيسنجر ليغادر قال له الملك: بلغ رئيسك أنه هذا هو موقفنا. كان كيسنجر متجهم الوجه، هز برأسه. وحين مد يده لمصافحة الملك. لم يمدّ الملك يده. وبعد انتظار؛ لفّ الملك يده بالعباءة وصافحه.. غادر كيسنجر، وهومحتقنا من الغضب. 

قلت له: يا جلالة الملك، هذا كيسنجر، ولن يسكت هو وإدارته على هذه الاهانة.. فحرّك الملك يده بشكل عصبي، وكأنه يقول: لجهنم. 

بعد عشرين يوما تم اغتيال الملك، على يد شاب قريبه، دخل القصر ولم يفتش لأنه من الأسرة الحاكمة. واتهم وقتها بأنه مختل عقليّا. 

يتابع الشاعر: رغم علاقتي الوطيدة مع الملك فيصل؛ فلم أتملقه ولم أمدحه.. وذات مرة كان لديهم مناسبة دينية كبرى، فقال لي يجب أن تحضر وسنكون مسرورين إذا ألقيت قصيدة. فقلت له: ولكن أنا لا أمدح.. فقال لي: قل ما تشاء، واليوم يومك يا عمر. 

حضرت وألقيت قصيدة، كان لها أثر جميل في الحفل. 

حتى بعد وفاة الملك فيصل وإلى الآن؛ بقي القادة السعوديون يستضيفونني في قصر الملك فيصل، حين أزور السعودية، احتراما لعلاقتي معه. 

أدركتُ أن الشاعر لم يرتبط بموعد، واعتقدت أني لم أكن ثقيلا.، فطلبت منه أن يحدثني عن علاقته بنهرو. والموقف الذي حصل بينه وبين عبد الناصر في الهند فحدّثني. 

حين هممتُ بالمغادرة ؛ قال لي: أنا عادة حين أجيء الى سوريا؛ أنزل عند اخي الدكتور ظافر. هذا رقم هاتفه وهذا عنوانه.. ورافقني الى المدخل الخارجي، رغم رجائي له. 

خرجت وفي روحي كنز جميل، أنني لم ألتق هذا الشاعر الكبير فقط؛ بل حظيتُ بصداقته. 

رأي واحد على “مع عمر أبي ريشة – 1

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.