اللوحة: الفنان السوري محمد غنوم
فواز خيّو

الهند، بلاد العجائب، تلك القارة المترامية الأطراف، والمترامية الأعراق والديانات، والقوميات واللغات. كلها تنصهر في لوحة واحدة، اسمها شبه القارة الهندية.
الهند وكل ذلك الشرق، لم يصله أنبياء ولا رسالات سماوية. لكن عندهم كنفوشيوس وبوذا، ولاحقا أوشو وساي بابا وآخرون، الذين نشروا قيم الحب والجمال. الهند وخاصة التيبت وجبال الهيملايا، منطقة أسرار الأسرار. حيث تصل بعض التعاليم والتأمل بأصحابها الى مرحلة التوحد مع الخالق، والانتقال بأجسادهم. وليس الإسراء والمعراج سوى تجسيد لهذه الحالات. الكتب السماوية، تحدثك عن معجزات الله. لكن من يدخل في علم الطاقة الحيوية؛ يرى بعينيه ما لا يراه الآخرون من معجزات الله. وأنا ممّن دخل هذا العلم، وإن كنت لم أصل مراحل متقدمة كالإسقاط النجمي أي الخروج من الجسد، أو التنقل كروّاد الفضاء، ووقفت عند العلاجات والتأمل..
كان حظ عمر أبي ريشة أن عُيّن سفيرا في الهند، وكانت من أغنى تجاربه الحياتية. حيث صادق الكبار الكبار، من مُعلّمي الطاقة الحيوية، ومن زعماء، نهرو العظيم، زعيم الهند. وابنته أنديرا وغيرهم. وكان يلتقي دائما مع نهرو.
كان عمر سفيرا لدولة الوحدة. وكانت تقارير المخابرات التي تصل لعبد الناصر تقول: إن عمر بلطجي، ولا يهاب أو يحترم أحدا. وذات مرة يقرأ عبد الناصر خبرا بأن نهرو يقيم حفل تكريم للسفير عمر أبي ريشة. يفاجأ عبد الناصر. من يُكرّم السفير عادة وزارة الخارجية. وأحيانا معاون الوزير. وها نهرو العظيم زعيم الهند يكرم عُمرا. أدرك عبد الناصر ضلال ضباط مخابراته.
حصل انفصال الوحدة. وبقي عمر سفيرا لسوريا هناك. وحين زار عبد الناصر الهند؛ كان عمر كسفير من بين المستقبلين.
قال عمر في هذا: حين سلم عبد الناصر عليّ؛ عرّفه نهرو وقال له: الأستاذ عمر أبو ريشة، سفير سوريا. حدّق عبد الناصر بي مطولا وقال: هذا الوجه وجه شهم. لماذا لم نلتق من قبل؟
فقلت له: شيئان منعاني من لقائك: عقلية ضباط المخابرات المصرية المتحجرة، وكبرياء عمر أبو ريشة. أعاد مصافحتي بحرارة.
كان أي زعيم عربي، اذا أراد كسب الود الشعبي؛ يذهب لزيارة عبد الناصر، ليأخذ صورة معه، وعمر أبو ريشة لا يسمح له كبرياؤه أن يطلب لقاء عبد الناصر.
يقول المتنبي:
واذا كانت النفوس كبارا
تعبتْ في مرادها الأجسام.
(مرة كنت في السفارة، وجاءني أناس من قبل ساي بابا في الثامنة صباحا. قالوا لي: المعلم يريد أن يراك الآن. قلت لهم: لدي اجتماع مهم في السفارة الساعة العاشرة. والمسافة للمعلم أكثر من 400 كم. قالوا لي: لا شأن لك بالمسافة. ستذهب وتجيء قبل الاجتماع. ركبنا في السيارة، وقطعنا تلك المسافة والتقيت مع المعلم، وعدنا قبل العاشرة).
عمر؛ إضافة لعلومه الواسعة، فهو رجل متديّن، وله قصيدة ملحمية في الرسول الكريم. وحين يقف مشدوها أمام هكذا ظواهر، فهي ليست تهويمات…
معبد كاجراو في الهند: من أهم معابدهم. فهو متحف للتماثيل، واللوحات التي تمثل أساليب عبادتهم، ويعتبر أهم وأبدع ما جادت به أصابع ومخيلات الفنانين الهنود.
وللشاعر عمر أبي ريشة قصيدة جميلة، في هذا المعبد. وقد كرّمتْ الهند شاعرنا، بأن أطلقت اسمه على أهم قاعة في هذا المعبد. قاعة الشاعر عمر أبي ريشة.
حين انتهت فترة الشاعر في الهند؛ ودّعه نهرو قائلا: إننا نودع اليوم القيم العظيمة للإنسان، في هذا الرجل.
بعد الهند تنقل سفيرا في عدة عواصم. الولايات المتحدة وتشيلي، وإسبانيا. و حين سألته عن نزار قباني؛ قال: كان عندي بالسفارة بمدريد.
في واشنطن: يقول عمر: العادة أن السفير حين يقدم أوراق اعتماده للرئيس، فإنه يقف أمام الرئيس، ويقرأ من الإضبارة. لكن أنا وقفت أمام الرئيس كندي، رميت الإضبارة على المنضدة، وتحدثتُ بشكل شفوي. غضب الرئيس، واعتبر الأمر خروجا عن البروتوكول، هذا إذا لم يعتبره تحديا. لكن أنا استدركت وبررتُ الموضوع بشكل شاعري، فصمت كندي، وبدأ يصغي باهتمام. وحين انتهيت سلّم علي ودعاني للجلوس، ولما تشعب حديثنا؛ أخبر مدير مكتبه بأنه لا يريد استقبال أحد. وطال لقاؤنا، تحدثنا في السياسة، والأدب والفن. وصار كلما كان الوقت مناسبا؛ يخبرني مدير مكتبه، فنلتقي لساعات في حديقة البيت الأبيض.
كُرّم الشاعر من عدة دول، ومنح عدة شهادات دكتوراه فخرية، والكثير من الأوسمة. ثماني لغات يتقنها الشاعر. فهو قاموس ضخم متنقّل. وفي اللغة العربية التي طوّعها كالعجين بين يديه، له صولات وجولات.
قال لي مرة: كنت ألقي محاضرة، فقلت فيها: ان صفة الرحمن غير مستقرة في الخالق. أي غير دائمة؛ فثار بعض الاسلاميين، فهدّأتُ من روعهم، وقلت لهم: كل صفة تنتهي بألف ونون، هي صفة مؤقتة. تعبان، بعد قليل ترتاح ويذهب التعب. بردان، عطشان.. رحمن هي صفة مؤقتة، بينما رحيم، صفة دائمة. وهنا صمتوا.
تكررت لقاءاتنا في منزل الدكتور ظافر فقد كان يخبرني بموعد قدومه.
أمضى سنواته الأخيرة في بيروت.
قال لي مرة: حين ترى وجه امرأة بديع؛ ألا تقول: سبحان الخالق؟ لا بد من مبدع وراء هذا الوجه. هكذا يقول عمر.
عرفتُ بك الله بعد الضلال فدلّ البديع على المبدع.
عمر عاشق للجمال، وقد كتب الكثير من قصائد الحب.
حين كان يدرس في لندن؛ أحب فتاة جميلة. جاء الى سوريا في الصيف، وأخذ موافقة أهله على الارتباط بها. عاد الى لندن، وإذ هي قد توفيت.
كتب قصيدة جميلة وحزينة، يصف وجهها وهي مُسجّاه:
زادك الموت فوق حسنك حسنا
وكساك ببردة من جلالِ
مثل ورد يرف بعد قطاف
وشهاب يشع اثر زوالِ.
عمر يؤمن بخلود الروح. الروح خالدة لا تموت. كرر هذه العبارة مرارا أمامي. وهو يحب مذهب التوحيد. وقال لي مرة: هناك ملايين في الهند تدين بهذا المذهب، ولكن لا يحملون نفس الاسم.
عن خلود الروح يقول، وهذه الأبيات على شاهدة قبره:
أن يسألوا عني وقد راعهم
أن أبصروا هيكلي الموصدا
لا تقلقي، لا تُطرقي خشعة
لا تسمحي للحزن أن يولدا
قولي لهم سافر، قولي لهم:
إنّ له في كوكب موعدا
عمر وثقافي السويداء:
مرة أردت تقديم هدية ثمينة للسويداء، و أخذت موافقته على أمسية. التقيت مع مدير المركز الثقافي آنذاك. قلت له: عمر أبو ريشة جاهز ليقدم أمسية هنا. قال: يشرفنا ذلك.
سألته: ما هي الاجراءات والتحضيرات التي ستقومون بها؟
قال: أولا يجب أن تُحضر القصائد التي سيلقيها.
وقع هذا الكلام علي كالصاعقة. وضعت يدي على جبيني للحظات، ولم أستوعب ما قال. حين خرجت من ذهولي؛ قلت له: عمر أبو ريشة يُطلب منه تقديم قصائده مسبقا؟
قال: هذه اجراءات، لا نستطيع تجاوزها.
خرجتُ كالملسوع. يا لهذه العقليات أين هي.
ومرت شهور، وليس لي قدرة على لقاء عمر بعد الذي حصل. ماذا أقول له؟
ذات يوم علمتُ بوجوده.. ذهبت دون موعد. كانت الساعة بعد الثالثة ظهرا. رحب بي الدكتور ظافر كعادته. سألته عن أبي شافع. قال: دخل لينام قبل قليل. لم أقبل أن يوقظه. ولا أستطيع أن ابقى حتى يستيقظ. قال لي الدكتور ظافر: باستطاعتنا أن نكسبك في الثامنة صباحا، لأنه سيسافر الى السعودية في التاسعة. سألته: وكم سيغيب؟ قال عشرة أيام. قلت له: ألتقيه حين يعود. ولا داعي لأربكه في الصباح، سيكون لديه توضيب أموره.
وذات مساء قاتم، كنت في المكتب في الجريدة. وأمامي ماكينة فرانس برس، وإذ بالخبر الباضع: رحيل الشاعر العربي الكبير عمر أبي ريشة. وبدأت الأخبار تنهمر من بقية الوكالات. أحسستُ وكأن قلبي توقف للحظات، والهواء انقطع. وقفتُ بصعوبة، توجهتُ نحو الشباك وفتحته لآخذ شيئا من الأوكسجين. كدّتُ أهوي من الشباك.
ثمة أناس، لو كنت تعرف أنهم فجأة سيحزمون قلوبهم وأرواحهم وأحلامهم، ويرحلون دون إشعار؛ ربما كنت ستعانقهم طويلا طويلا. وربما ترجوهم ألاّ يأخذوا معهم مساحة كبيرة منك.
قد لا تكون سيرتي، ولا حتى حياتي مهمة لي، وربما لا تعني أحدا. لكن ثمة لحظات وأناس مرّوا، وكلٌ يمتلك حكمة وجوده ورسالته. ومن حقها علينا أن تعيش. فربما هي جديرة بالحياة أكثر منا.
حين سمع القائد الصيني الكبير شوان لاي، نبأ وفاة عبد الناصر؛ اتصل بالمسؤولين المصريين، وصرخ بهم قائلا: كيف سمحتم أن يموت؟ تذكرتُ هذه العبارة التي تحمل فاجعة الفقدان.
لم أخرج في جنازته، ولا في جنازة الماغوط، لأني لا أحتمل رؤيتهما إلا شامخين.هل أحتمل رؤية أحدهما موضوعا في صندوق كأية إرسالية، وللعالم الآخر الغامض؟ ولأني لا أؤمن بالموت. وأنا شخصيا لن أموت. لقد متّ مقتولا في حياتي السابقة ولم أحمل معي سوى ملامح غامضة من وجه عروسي. المهم أني لن أموت ولا أؤمن بالموت. أؤمن بالانتقال، وستظل روحي تحلق فوق كل الذين أحببتهم، وربما أحبّوني.
كتبتُ دراسة مطولة عن الشاعر، ونشرتها في مجلة المعرفة، التابعة لوزارة الثقافة. بعد ثمانية أشهر، قبضت عليها ألف وخمسمئة ليرة. قلت لمحاسب المجلة: لماذا تأخر الاستكتاب؟
قال: لا يوجد مصاري. قلت له: حين تقيمون مهرجانا فنيّا؛ وتأتي راقصة تهّز خصرها لربع ساعة؛ تعطونها أربعمائة ألف ليرة فورا، وقبل أن تضم ساقيها لبعض. وكاتب ينهمك ويتعب في دراسة طويلة وعن شاعر كبير، وبعد أشهر طويلة حتى تعطوه هذا المبلغ.. هذه الصحراء الحارقة والقارسة في آن، يا لهذه (الأوطان).
في التجمع الأدبي في السويداء، خصّصنا سهرة لتكريم الشاعر. كانت السهرة في منزل الصديق الناقد محمد رضوان. حضر السهرة الدكتور ظافر وزوجته وبعض أقارب الشاعر. ألقيتُ الدراسة والقصيدة. وحين انتهيت؛ قال الدكتور ظافر: يشرّف عمر أن تكون تلميذه.
قلت له: أنا الذي يشرفني أن أكون تلميذه.
الله الله الله
إعجابإعجاب