محمود الشاذلي
لقد أسعدتني الظروف بالمشاركة في مناقشة ديوان “دندنة” للشاعرة المصرية حنان عبد القادر، وما لفتني مقدمة الديوان التي كان قد كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم يراهن فيها على انتصار الشاعر داخل حنان عبد القادر على كل ما سواه من قناعات، الموروث منها والمكتسب، لأنه واثق وفصيح، وقوي عاشق صب لكل المحاسن في هذا الوجود، والمرأة التي تلد مثل الشاعر العاشق سوف تلد مشروعها الشعري ولادة طبيعية سلسة، ويومها سينضم للمعزوفة الشعرية المصرية، صوت عذب البوح، فصيح العشق، بديع النغم.
وأكد أحمد فؤاد نجم أيضا، أن حنان عبد القادر، تحمل كل متناقضات الواقع العربي، فهو هم الشاعرة الأول والأساس.
وأنا أضم صوتي لصوت نجم من مجرد استشرافي لهذا الديوان الذي قرأت، فكما أشار أيضا أنها تحمل في طيات روحها هم الواقع العربي، وهم الإنسان أيضا بإنسانيته السليبة، وروحه الحزينة الضائعة في واقع لا يحترم الإنسان ولا يعطيه حقه، فاستمع لها حين تخاطب الإنسان بإنسانيته وتقول:
أنا بعشقك موال أصيل أخضر
يسكن يخضَّر قلبنا الدبلان من الوحدة
وبعشقك سلسال براءة
ولحن بيحب الجراءة
وملاذ لكل المحرومين.
فكأنما اجتمعت كل الصفات في هذا الإنسان حتى صار وطنا تلوذ به من الظلم والوحدة.
وللشاعرة دواوين شعرية أخرى بالفصحى حتى أنها عرفت بشاعرة للفصحى، إلا أنها تؤكد أن العامية هي التي تلبستها أولا، وأنا أضم رهاني لرهان أحمد فؤاد نجم بعد اطلاعي على ما كتبت حنان عبد القادر، والقارئ للديوان سيرى ذلك من خلال قصائده.
وفي قصيدة من أهم القصائد الحبيبة لقلبي في هذا الديوان، وهي قصيدة “تنهيدة القلب الحزين” تقول:
ياقلبك المقسوم يمام
طاير يحوم فوق حيطان الشقيانين
ياصدرك المليان حنان
بتفرقه بسمة أمل للمحتاجين
من إمتى وانت بالسواد ملفوف؟
ولإمتى تفضل تنحني للويل؟
انفض حكاويك الحزينة عننا
واسمع غناوينا اللي طايرة بتناديك
يابحر كنا نعشقه فرح وأمان
ياكلمة للمحروم تبات تصبح مخاض
يافرحة القلب لحزين لحين ما يِكِلّ
هز الحكاوي المليانين بالضي
قلم عيدان المر المفرودين عتمة
ياصاحب البسمة
قلبي انكسر من طول لياليك البكا
طبطب على توبي المقصب بالحداد
يكفانا ذل
زلزل جدار الصمت فينا
خشنا بسمة وليد
صبنا جمار أمان
وابتكرنا من جديد.
هذه القصيدة تخاطب الشعر في أزمته، ومايقال عن انتهاء عصره، وانطماس آثاره، وللأسف يتبنى ذلك الكثير من النقاد والمتحدثين باسم الثقافة، ومنهم أستاذنا د. جابر عصفور، الذي يتنبأ بأن العصر القادم هو عصر الرواية، لكني أرد عليه بديوان عنوانه: “الشعر لسة ما ماتش” ردا على هذه المقولة.
والشيء الملفت أن الشاعرة حنان عبد القادر كتبت على لسان الشاعر وتناول ذلك النقاد ببيان كيف يمكن أن يناجي الشاعر محبوبته، لابد أن تكون المناجاة بهذا المستوى من الرقي والرقة فالجديد عندها استعارتها للسان حال الشاعر وكتابتها به.
وأنا إذ أحيي الشاعرة حنان عبد القادر على جمال أسلوبها، ورهافة حسها، وحسن تحليقها في سماء المشاعر الإنسانية الشفيفة، وأتمنى أن أرى لها أعمالا أخرى أكثر زخما، وأعمق تفتيشا في الذات وغوصا في عمق مشكلاتنا في عالمنا الذي نعيش فيه.
محمود الشاذلي شاعر غنائي مصري