الحَوَل العاطفي

الحَوَل العاطفي

اللوحة: الفنان الفرنسي ليون أوغستين ليرميت

فتاة جميلة ومثقفة هي ابنة المدينة، تتزوج ريفيا.. أقل تعليما وتهذيبا.. تُنْجِب منه فتاة جميلة مثل أمها.تدور الأحداث حول التَناقضات والمفارقات بين الزوجين؛ بين رومانسيتها وثقافتها وتهذيبها، وبين خُشونته وأميّته وجلافته.

زوجها شَهم ومكافح.. يُحبها بأسلوبه القروي، يُحبها بالعطاء والتَحمّل والكفاح، لكن كيف لابنة المدينة أن تتحمل الروائح نتاج الفِلاحة وتربية الماشية.

تعيش معه وهي تَسد أنفها، وتسد أيضا مَسام عواطفها، وتحيا في خيالها الحالم البعيد، تقابلها إغراءات كثيرة وقوية؛ أنْ تتملص من تلك الحياة بأن تَفِر إلى المدينة بصحبة المَدني الذي يُغويها ويَفهمها وهو ابن بيئتها. لكنها في النهاية.. تتغلب على الضَعف.

تتخلى عن أحلامها من أجل ابنتها وتلغي خطة الهرب في آخر لحظة، تمر السنون ثم تتكرر المأساة أمامها حين تكبر الابنة، وتحب ابنتها أحد القرويين، ابنتها التي نالت عِناية خاصة منها وادّخرتها لحلمها المَوْءود، فهي تشبهها في كل شيء، تنصحها الأم ألا تفعل ولا تكرر المأساة.

تقول لها الابنة: يا أمي لك قصتك ولي قصتي، أنت لم تتقبلي أبي ولا حياته منذ البداية، عشت على مَضَض.. وتلك هي المشكلة، لم تفتحي قلبك وتتعرفي على ما لدى أبي من مميزات وما في حياة الريف من سِحْر وجمال، أمَّا أنا فأحبه وأحب قريتي، فأنا ابنة القرية، وإنْ كان هناك فروقات بيني وبينه فسوف نتعامل معها معا وسوف يَصْهرنا الحب.

تزوجت البنت وعاشت في سعادة.

هذه هي غالب حياتنا وحياة معظم البشر، نُبتلى بالحَوَل العاطفي، نَشتاق إلى ما ليس بأيدينا أو بجانبنا، لا نتعرف على الحب حين يقترب ويرفرف، ولا نميِّز من يستحق الحب، وإن أحببنا لا نعرف أدوات ولغات الحب، نحلم بالحب.. ثم نطعن الأحباب.نريد من يضمّنا لصدره.. فإن فعل.. ركلناه بأقدامنا بينما هو آمن، نريد أن نمدح فنذم، نريد أن نعتذر فنهين، نريد الخير فينطلق منا الشر.

نحيا حياة الحَوَل حين تَضل المشاعر وتسيطر الأوهام على الخيال، نحلم بالمفقود ونتمرد على الموجود، وكما قال الحكيم: ربما الأزهار التي تحلم بها بين النجوم، هي التي تنمو تحت أقدامك وأنت لا تشعر.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.