بعضهم يعلم

بعضهم يعلم

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان العراقي سيروان باران

صديقي، أتذكر الذي كنت تحدثني عنه, وكنت تشتري الجريدة التي كانت تحمل اسمه, وتقول لن أرضى لنفسي شأناً أقل من شأنه؟ أليك آخر أخباره:

كان قد رفع الكأس عن شفتيه ليتلقف بهما شفتيها ماداً يده ليلتقط عنقها قبل أن يجيب على جواله قائلاً: انا في مهمة, سأعود لكن بوقت متأخر, انتبهي على نفسك وعلى الأولاد. أغلق جواله ورماه بعصبية على الأريكة التي كانت بجانبه حيث كانا يتوسدان الأرض المغطاة بسجادة فقط، وهذه الأخرى مغطاة معظمها بالجرائد التي تحمل هموم الوطن، وهي بدورها مغطاة بصحون وكؤوس ومنافض وعلب سجائر ومشروبات، وبكل ما يخطر ولا يخطر على البال.. التقط الكأس مرة أخرى وأخد منها رشفة بعد أن نفث دخان سيجارته، مبتسماً حنوناً حانياً عليها, ومنتفخا كديك قائلاً: 

أعمالي كثيرة. دقائق, ساعات، لا يدري كم مرّ من الوقت ولا يهم، المهم أن تكون أعصابه هادئة, فمهامه جسام، وبعد أن أفرغ كل رعونته البدائية خرج، خرج لا كمن أحتل القلعة, ولكن كمن تعود على هذا السلوك، مبرراً لنفسه، بأن هذه الأمور تهدّئ الأعصاب وتعيد للنفس توازنها حتى ولو كانت أمورا غير متوازنة، (وداوها بالتي كانت هي الداء) إضافة لذلك هي خيارات شخصية, وخاصة أنه لا يعتدي ولا يظلم, وكلّه بثمن، حتى إنه لا يزعج ولا يكره أحد، على العكس تماماً فهو يؤدي خدماته لكل الناس ويقوم بعمله كاملاً عدا عن ذلك فهو متحدث لبق وثقافته عالية، وكريم أيضاً، فدائماً للفقراء والمساكين حصة في أمواله التي مّن الله عليه فيها، أكل هذه الصفات الحسنة، لا تغفر سيئة واحدة؟ واحدة فقط! واحدة يا الله، أيضاً ما قيمة الذي يفعله أمام ما يفعله الآخرون المنافقون الدّجالون؟ ويستكين لهذا الأخير، فمقارنة بغيره يكاد يكون قديسا، نعم قديس.. إضافة لذلك، أن الله غفور رحيم، فليرحمنا الله ويهدنا على ما هو خير

تجاوز الدرجات الثلاث الأخيرة دفعة واحدة وأعطى الأوامر لمن معه بالتحرك وكان جديّاً بصورة كبيرة لم يعتد عليها كل من رافق هذا الرجل الرزين طيلة سنين.. انطلق الجميع دون أيّ كلام أو توجيه فالطريق معروفة والمهمة محددة، وبجدية أكثر من جديته كانت هناك مجموعة تترقبه وقد أنهكها الانتظار الطويل على قارعة الطريق في العراء والبرد، ونال منها الجوع, لكن لا يهم مهمتهم شاقة وخطيرة، وبجدية أكثر من جدية الترقب فجروه ومن معه، حامدين الله على توفيقه، وشاكريه على نعمة ورفاهية سيتمتعون بها لقاء مهمتهم هذه، انطلقوا بسيارتهم مبتعدين عن مكان الحدث, ريثما تأتيهم التعليمات, بكيفية التحرك وانهاء الصفقة، انتظروا قليلاً كثيراً لا يهم المهم أن صبرهم قد نفذ، تشجع أحدهم وأتصل بالرقم الوحيد المعطى لهم للتواصل في حال حدوث أيّ طارئ، وجاءه الرد مختصراً. وعندما سأله من معه، ماذا هناك؟ أجابهم لا تقلقوا نتعامل معهم منذ زمن, ولم يخلفوا وعداً، هم بحاجتنا ثم أن أسرارهم عندنا، علينا أن نعود إلى المكان الذي انطلقنا منه, سنجد سيارة أجرة فيها بعض الحقائب والأمتعة وبعض الخضار والفاكهة. يجب أن نظهر كركاب عاديين، إنهم يحرصون على سلامتنا, حتى لاينكشف أمرنا وأمرهم، نركب السيارة وننطلق حسب تعليمات تكون على ورقة في أحد الأكياس مخبأة بين أوراق الخسة الكبيرة، والمال سيكون بحقيبة أخرى سنعرفها من الورقة الموجودة بالخسّة، وفعلاً وصلوا إلى المكان المحدد وكانت الأمور دقيقة دقة متناهية، استقلوا السيارة, ووجدوا التعليمات، و كلّ أخذ نصيبه، لكن لم يتحدث أيّ منهم عن أيّ شيء, لا عن الورقة ولا عما فيها، لماذا؟ لأن الحصص كانت واضحة ومقسمة جهاراً، كلٍّ أخذ قطعة أو قطعتين ومن كان حظه أوفر أخذ قطعا عديدة، والذي أخذ النصيب الأكبر هو من كان يجلس فوق الهدية المكافأة وانفجرت العبوة في مؤخرته. احترقت السيارة بمن فيها وبقي جزء من الورقة مكتوب عليه انتهى دوركم نشكركم ونشهد بأنكم اخلصتم.

أذيع خبر الانفجار الثاني على المحطات بأن سيارة أجرة يستقلها مواطنون مجهولو الهوية, عائدين إلى منازلهم, انفجرت بهم السيارة دون معرفة الأسباب, وقد نُقل جميع من كان يستقلها إلى المشفى.. يرجى من الأهالي التوجه إلى مشفى المنطقة للتعرف على ذويهم واستلام الجثث.. واستقرت الصورة على حبتين من البطاطا وحبة بندورة. 

أما الانفجار الأول فكان على الشكل التالي: 

أصابع الغدر طالت الشهيد البطل ومن معه وهو متوجه إلى مهمة لحفظ الأمن والأمان، لكن الذي لم يذكره أحد هو أن كلا الانفجارين بنفس الأسلوب وكذلك المواد المستخدمة نفسها وبفارق زمني يصل إلى خمس وثلاثون دقيقة، ولحساسية الوضع والمرحلة ولحساسية موقعه لفّ بعلم الوطن وكذلك من معه، وقالوا: أيدي آثمة حرمت البلاد والعالم منهم فهم شهداء.

في يوم التشييع وقفت زوجته وكان يهمها شهيدها، كانت تُلقى كلمات التأبين والتي تُبين مناقب الفقيد, ولم ينسوا أن يقولوا ورفاقه بين الحين والآخر، نظرت إلى الأعناق المشرئبة وإلى العيون السارقة النظر التي ترقب ما تفعله زوجة الشهيد، إلى بعض الكاميرات التي أخذت بعض الصور لها وأصحابها يأملون ببضع كلمات تتوجه بها الزوجة من على منابرهم، غير أنها رفضت الحديث، وفكّرت، ما الذي عليها أن تفعله أو تقوله؟ وهل يعلمون ما تعلم؟ هل يعلمون أنه خان ثلاث, باتجاهات ثلاث، خائن نفسه باتجاه أسرته فلم يحافظ على حياته لأجله ولأجلهم، خائن وطنه بتقصيره وتقديم ما يخصه على ما يخص الوطن، خائن لها تتلق أخباره وريحه وهو يتلقف ما يتلقف من القاذورات، لكنه أخذ شرعية الشهادة من علم الوطن! وتساءلت: هل قتل ببعض السلاح الذي أدخل؟ وماذا لو علموا ما تعلم؟ 

تعالت الأصوات تنادي للشهيد، إلاّ أن هناك أصوات أخرى همست: كلب نفق.. فكّرت، إذاً لعلهم يعلمون ما أعلم، على الأقل بعضهم يعلم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.