من يوميات امرأة 

من يوميات امرأة 

اللوحة: الفنان الإيطالي جيوفاني باتيستا توريجليا

نهلاء توفيق

عندما أكبر

لن أتزوج زواجاً تقليدياً، ولن أرضى بمن دقت أمه بابنا قبل أن يراني، لن أترك وظيفتي من أجل الأطفال، ولن آكل بقايا طعامهم ونتفات خبزهم، لا، ولن أضع لحمةً أخرى لأبيهم، بل سأقسمها للجميع. 

لن أرضى بثوبٍ بالٍ عتيقٍ حتى يبدو هو والأولاد بأفضل حال، ولن أرقعه بل سأمسح به الأرض يوم الخميس.. لن أنام مبكرةً من التعب؛ بل سأشترط عليه يوماً هو يتعب في البيت، يوماً أنا.

عندما أكبر، سأحب نفسي وأدللها، ولن أوثر أحداً عليها، وسأسيرُ على مبدأ المساواة في كل شيء. سألعب الرياضة، وأعتني بنفسي وصحتي، لن آكل الخبز والرز، ولن أوفرٌ لأحدٍ على حساب صحتي، سأخرج، وسأحب الصديقات المرحات اللواتي يفرحنني، لا الصديقات الكئيبات اللواتي يرمين بهمومهنّ كلها في حضني. 

سأكوّن شخصيتي، وأفرض شروطاً وأؤكد حقوقاً، ولن أسمح ولا حتى لطرفةٍ من عينه إهانتي. لن أسمح لأهله بالتدخل بحياتنا، وسأقضي على معنى مفردة الكنّة المعروفة عندهم. سأضعُ رجلاً على رجلٍ حين الحديث. 

عندما أكبر، لدي الكثير الكثير الذي يستوجب التغيير لأكون حرةً مع نفسي وذاتي، كلّي شوقٌ للتمتع بسنيني الآتيات عندما أكبر، وكلّي اصرارٌ لتنفيذ قراراتي.. أنا الآن أمارسُ طفولتي!

امرأة تبحث عن زوج 

تلقيت خبر وظيفتي كسكرتيرة بفرحة شديدة؛ فربما حلمي سيتحقق وأحظى بزوجٍ راقٍ وبمرتب عال.. رنّ الجرس؛ قفزت: 

– نعم أستاذ

– قهوة

– حاضر

نعم أستاذ.. بريد.. حاضر. نعم أستاذ.. نادي الفرّاش.. حاضر. نعم، نعم، نعم،

رنّ الجرس فقفزت

– نعم

– أريد أن أقول… نسيت! 

– تذكر أرجوك

– آه تذكرت…تمنيتُ لو تساعدين والدتي في ترتيبات حفل العرس وسأجزل لك العطاء. لقد أخبرتُها أن سكرتيرتي خدومة وصبورة. 

– هل أخبرتها أنها جميلة؟ هل أخبرتها أنها تبحث عن زوج؟ هل أخبرتها أنها رقيقة ورومانسية؟

لا تصدقوا آخر ما قلته، فقد كنتُ أحدث به نفسي وأنا أرد ب: نعم.

هو.. وهي

هو كريم، لا يبخل عليها بشيء، متقنٌ لعمله بإخلاص، وظيفته راقية ومرتبه جيد يُؤّمنُ لها كل احتياجاتها، وحتى آنه يساعدها في وقت فراغه ولا يدعها تتعب في تحمل أية مسؤولية. 

هي تؤدي حقوق الزوجية على أسلم وجه، تحترمه فيحترمها، تقول بمسؤولياتها في البيت على أكمل وجه، تدعه يرتاح بعد العمل فلا تزعجه ولا تثرثر كعامة الزوجات المتعبات.. لديهما ثلاثة أطفال رائعين، مجتهدين ومطيعين، هو وهي مربيان ناجحان ومتفقان. 

هي، تنام فتحلم بذلك الفارس الذي يراقصها كل يوم، يأخذها من مضجعها ولا يدعها تبيت فيه، يتبادلان القبل والشعر وقصائد الحب، تراه بطلها ونجمها المفقود، وسارق قلبها في عالمٍ ليس بموجود. تبقى مبتسمةً دامت راقدة، تحضنُ وسادتها فيعاشرها الحلم وتعاشره. تبقى الابتسامة مطبوعةً على شفتيها حتى الصباح؛ فتملؤها بنشاطها الصباحيّ. 

هو، قبل أن يغمض عينيه تشير له حبيبته؛ فتقوده لعالمٍ أخر، تكون فيه أمته ولصيقته، لا تملّ من عرض موجبات إسعاده ولا يمل من القبول. ينتشي بسحرها وغنجها ودلالها ورقتها وعذوبة شفتيها، وسحر كلماتها وهي تناديه بمولاي. يتشبع جسده بالحب والهمس والحنان؛ فيصحو نشيطاً مبتسماً مقبلاً زوجته قبلة الصباح المفروضة. 

هناك، في زاويةِ الغرفة يقبع عصفورٌ في قفص، يبدأ تغريده منذ الصباح الباكر، هو يشهد هذا كل ليلة، فيُخرجه زقزقةً عذبةً بترانيم عشقٍ وهيام. يتعجبان منه كل ليلة ويتساءلان عن سرّ هذا وهو وحيد.. العصفور يتساءل كل يوم: لماذا لا يفعلان هذا سويةً، ويستغنيان عن الحلم!

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد