العزف تحت التهديد

العزف تحت التهديد

اللوحة: الفنان النمساوي رودولف إرنست

  • كيف أعزف على قيثارتي وأنا مشغول بالدفاع عنها؟

كل شخص له قيثارته “الهَويَّة. الهواية. الدين… وقيثارات أخرى متنوعة“، حين تُهَدَّد القيثارة يتخلل المرء نفسية تَجعله يلجأ دائما للوسائل الاحتجاجية، ويهمل أو يستهين بالوسائل الحججية المنطقية، والفرق بينهما كبير، وهذه مشكلة كل طوائف العرب.. الشعور بالتهديد، تقمّص نفسيّة المُدافع عن الهّوِيّة التي تتعرض لخطر الفناء، وبهذا يصبح الصراع وكأنه من أجل البقاء ودفاعا عن المصير المهدَّد.

في القرآن الكريم: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) محمد – (38) لم يقل إن تتولوا يَضيع الدين أو يُجْرَح الدين أو يُنال من الدين، بل سيأتي غيركم، الذين هم بإيمان مختلف وثَبات مختلف وعقلية مختلفة، وهذه الآية تُعَرّفنا أن لا خَطر على الدين مهما كان الاعتداء, وأنَّ الدين يدافع عن نفسه.

الخَطر هو مشاعر الخَطر، فالأب الذي يُبالغ في الخوف على بناته ويستسلم لمشاعر خَوف انحرافهن أو وقوعهن ضَحية الاعتداء؛ يدفعه هذا الخوف إلى إشعار بناته بالطوارئ طوال الوقت، وهذه المشاعر غالبا تؤدي لعكس ما كان يريده، وربما تدفعهم لما يَحذره ويخشاه.

مشكلة العرب بكافة درجاتهم العلمية والثقافية، أنهم مغمورون بمشاعر التهديد في الهوية، متربّصون ومتحفزون ومتوجّسون وحَذرون، وهذه هي أول المشاعر السيئة التي لا بد أن ننتبه لها، ومن يقرأ القرآن يعزف على قيثارته بسلام، القرآن حين يخاطب الرسول والمؤمنين يبث في نفسيتهم مشاعر السلام وليس الخطر، لست عليهم بحفيظ، بمسيطر، بوكيل، إنما أنت منذر.(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس (99)

الفخ الذي يُنكّد علينا إيماننا وعلاقاتنا أننا متوتّرون، وإيماننا ببضاعتنا من الدين قليل، لو كنَّا مؤمنين حقا لما تصرَّفنا جميعا استجابة لخيالنا الضعيف، وكأن الله تعالى يخوض انتخابات في الأرض ونحن مناديب الدعاية ونخوض تلك المعركة الانتخابية نيابة عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

الله تعالى لا يخوض معركة ولا انتخابات مع الناس، إيمان الناس وكفرهم وعبادتهم لا يصل إلى الله منها نَفع ولا ضر، أنت تؤمن لنفسك وتنفع نفسك وتضر نفسك. اهدأ وانزع التوتر.. اعزل نفسك شعوريا عن كل ضعفاء اليقين والإيمان، دعهم يتعاملون وكأنهم في ساحة قتال صنعها خيالهم، واعزف أنت على قيثارتك.

الحقيقة هي أنّك في مسرح الحياة وفي يدك القيثارة وعليك العزف، فماذا ستقدم للناس في معزوفة الحياة قبل أن تغادر خشبة المسرح؟ هل ستغادر خشبة المسرح بعزف نَغْمَةٌ نَشَاز مثلهم؟

رأي واحد على “العزف تحت التهديد

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.