اللوحة: الفنان الإنجليزي توماس رولاندسون
فواز خيّو

التجمع الأدبي في السويداء:
لا أذكر من هو صاحب الفكرة الأولى لنشأة التجمع الادبي في السويداء، وكنتُ ممن حضر سهراته الأولى منتصف عام 1985 تقريبا. كان من ضمن الأسماء الأدباء والنقاد فوزي معروف و محمد رضوان وعادل عبيد وفوزات رزق وعادل رزق وممدوح عزام وفؤاد كحل وحسين ورور وغيرهم، وتحول إلى جامع رائع للحركة الثقافية في السويداء، نسهر كل ليلة إثنين، حيث يمتلئ المكان بعشرات المثقفين لمناقشة رواية، أو ديوان شعر او سماع قصائد لشاعر ومناقشتها، واستضاف الكثير من أدباء البلد، وشكّل حالة ثقافية مضيئة على مستوى أدباء البلد، فقد كانوا يلبّون الدعوة بكل حماس و محبة لأنهم سيلتقون مع مثقفين حقيقيين.
كان بعض الحضور يحضر ببدلته ووقاره، وحين أحكي طرفة أو أعلّق تعليقا طريفا على قضية تسمع ضحكهم إلى الشارع، وينكسر وقارهم وترى الكرافات تتراقص على أكتافهم.
كم أمقت الوجوم والرسميات والوقار المصطنع. كنت أكسر هذه المظاهر بطرفة.
وتلاشى التجمع في السنوات الاخيرة مع تلاشي تفاصيل الحياة.
****
كم أشعر بالحزن حين أقول: أيها الشرق الأزلي، أيها اللاوطن الأزلي.. كم من الأحلام والجثث ابتلعت.. وكم من أنهار مضت، ترفدها دموع أجيال وأجيال، لتصب في جحيم الذاكرة، و لتترك رواسبها على جدران القلب والرئتين. وبقينا نحبّك غصبا عنا، لأننا لا نملك إلا الحب والحلم.
والأخرون، من لصوص وانتهازيين وتجار وطن، يملكون كل شيء، ويملكوننا كأي شيء.
أنا لم اكتب عن أبي ريشة والماغوط. أنا كتبت عن نفسي، وعن المساحة التى احتلّاها بي وأخذاها مني. وكتابتي عنهما، لا يمكن أن تكون وفاء كاملا لهما.
الوفاء الحقيقي لهذه القامات؛ هو أن توضع نصوصهم في المناهج. ليتعرف الشباب جيدا على شيء، يطلق عليه اسم وطن..
يا أبا شام.. سيظل سعالك المبحوح، وحشرجة صوتك إحدى ملامح المرحلة.
****
بعيد مطلع الألفية، وكنا نمر في مرحلة صعبة ماديا، أصرت علي هيلانة أن آخذ خاتمها وأبيعه، وبعد رفض مني وإصرار منها أخذته.
نزلتُ من السرفيس في الفحامة وهممت نحو الصاغة، وقع الخاتم من يدي، ورغم أن الطريق مسطّح، وربع ساعة لم أعثر عليه، وكأن الشياطين ابتلعته. عدت إلى مدينة عدرا ولم أكمل إلى الجريدة.
في تلك الأثناء كنت أكتب وأنظّر في / كلنا شركاء / حول كيف يمكن أن نضع البلد على سكة الاقلاع، حيث كان مشروع الاصلاح الشغل الشاغل للناس من كافة المشارب. وقتها وجهت رسالة للمعارضة لمنح الرئيس مدة سنة ليضع برنامجه موضع التنفيذ، حتى لا يُقال بأن أي شيء ينفذه هو استجابة للضغوط. كان لدي قناعة بأن الرئيس ومعه جناح يريدان الاصلاح،
ولكن ثمة من لن يسمح للاصلاح بأن ينطلق، لأن الاصلاح قد يقذفه بعيدا.
في تلك الأثناء كنا أنا وبعض الصحفيين على اتصال شبه دائم مع أعلى المسؤولين، تحضيرا لانطلاق مشروع الاصلاح المزمع. في تلك الأثناء والتي كان يأتيني أدسم الملفات والتي أصحابها جاهزون ليدفعوا أي شيء كي لا أنشر، وأخوض المعارك ضد حيتان الفساد داخل الجريدة وخارجها، وأدفع الفواتير من تضييق وحرمان من امتيازات وسفريات وغيرها، بينما زاويتي تشكل وجبة صباحية لعشرات آلاف القراء. كان ثمة صراع بين من يريد أن يغير ومن لا يريد.
نعم دفعتْ أسرتي وخاصة هيلانة فواتير مرهقة بسبب أحلامي بوطن جميل آمن.. في تلك الأثناء كان يمكن أن أطلب أي طلب شخصي وسينفّذ.. تقودك أحلامك الضالة إلى طلب واحد، هو أن تغادر إلى أي مكان يمكن أن يمنحك السكينة.
كم هو مُدمّر ومُبك أن تحلم.
كم هو شرير ومتوحش الحلم في هذا الشرق؛ وحده الشاعر الجدير بالمعالجة، والذي يجب إدخاله إلى أقرب مصح، في هذه العصفورية الكبرى.