اللوحة: الفنان الفرنسية ماري دينيس فيليرس
هناء غمراوي

بعد ظهر يوم الخميس الماضي، كان موعدي الثالث مع دروس الرسم، التي اخترت ان تكون في فترة بعد الظهر من نفس أيام الأسبوع، التي أتابع في خلالها دروس اللغة الإنكليزية. وفي نفس المركز طبعاً. اخترت هذا التوقيت لأختصر أيام الحضور بيومين فقط؛ الثلاثاء والخميس.
خلال الحصة أخبرتني ليندا معلمة الرسم الروسية الأصل؛ ذات الشعر الأسود والبشرة الحنطية والقامة المتوسطة الطول، (ما جعلني اميل الى الاعتقاد بأنها من أصول هندية، قبل أن اكتشف الزرقة الداكنة المائلة الى لون اخضرار الغابات في عينيها الدافئتين). أخبرتني عندما لاحظت شغفي أثناء تلوين القطتين الموجودتين في لوحتي، بأن طلاب الرسم سيزورون متحف “كوينز” صباح الأربعاء برفقتها ورفقة جيني نائبة الرئيس، وعرضت عليّ مرافقتهن.
صباح الأربعاء كان يوماً جديدا بالنسبة لي. تمام التاسعة صباحاً توقفت أمام المنزل الحافلة التي أقلتني الى مركز “هانيك”. ثم وبعد استراحة قصيرة في المركز انطلقنا. لم تكن المرة الأولى التي أزور فيها هذا المتحف. فالطريق اليه مألوفة عندي. هو مواز للطريق الى مطار “لاغوارديا” حيث يمكننا مشاهدة بعض المراكب الخاصة التي ترسو هناك على شاطئ الأطلسي، وقد ذكرتني رؤية تلك المراكب الصغيرة بالطريق، الذي كنا نسلكه كثيراً في ذهابنا الى “لونغ أيلاند” تلك المدينة الجميلة، التي تتطاول داخل مياه الأطلسي كشبه جزيرة، مستطيلة الشكل، والتي ربما اكتسبت اسمها من شكلها بدون شك.!
متحف “كوينز” ليس جديداً بالنسبة لي أيضاً. زرته السنة الماضية برفقة ابنتي ندوة، حيث وجدته يختلف كليًاً من حيث محتوياته، عن المتحف الموجود في مانهاتن “متروبوليتان ميوزييم أوف أرت”… الحقيقة أنني لم أسأل ليندا، معلمة الرسم عن طبيعة هذه الزيارة وذلك لسببين؛ الأول انني رغبت في زيارة هذ المتحف، والثاني والاهم ان ليندا رغم هدوئها وشخصيتها الطيبة والمتعاونة فهي لم تكن تملك موهبة التواصل مع أمثالي من القادمين الى البلد، وما زالوا يحاولون فك أبجديتها واكتشاف اللهجات واللكنات الخاصة بها. فكنت أراها في الغالب تختصر الحديث معي عندما كانت تواجهها عقبة من هذا النوع. اكتفيت بالموافقة ولم أسأل عن التفاصيل.
حوالي العاشرة توقفت الحافلة التي أقلتنا أمام المتحف. دخلنا القاعة الرئيسية وكان في استقبالنا أحد العاملين هناك ومعلمة الرسم الثانية، ميشيل. كانت على مسحة من الجمال الظاهر. وقد بدت بكامل زينتها بشعرها الأسود القصير، وفي أناقة ملفتة تجلت في بلوزة سوداء بدون أكمام؛ مع ان الطقس كان قد بدأ يميل قليلاً للبرودة. أناقة لفتت نظري في مدينة تتخلى فيها غالبيّة النساء عنها، وتظهرن في ملابس عادية، لصالح حصولهن على راحة كاملة في الحركة والعمل.
رحبت بنا ميشيل بابتسامتها المشرقة، ودعتنا للدخول الى احدى القاعات، بحيث تحلقنا حول مجسم كبير يمثل حدود وتضاريس ولاية نيويورك وما تحويه من مدن وأنهار ومرتفعات…
لحسن حظي أنني كنت موهوبة قليلا في الجغرافيا وقراءة الخرائط. وكنت أكثر حظاً انني زرت معظم المناطق، التي كانت تشير اليها ميشيل، على الخريطة برفقة ابنتي ندوة وبخاصة أعالي الولاية، عنيت مرتفعات “كاتسكيلز” التي قصدناها خريف العام 2021 وقضينا عدة أيام هناك! وقد أجابت ميشيل عن اسئلتي بسرور بالغ وبخاصة عندما اشرت الى مدينة لونغ أيلاند على الخريطة، وأيضا عندما سألتها عن موقع البحيرات الخمس، وما اذا كان نهر الهدسن ينبع منها!!.
قبل ان تنهي ميشيل شرحها حضر فريق آخر من هواة الرسم فانسحب فريقنا خارج القاعة لإفساح المجال للمجموعة الجديدة الوافدة بالتعرّف الى الولاية على مجسم الخريطة الذي كان يغطي كامل أرضية احدى القاعات. طلبت مني ميشيل البقاء معها والانضمام الى المجموعة الجديدة ولكنني اعتذرت وانسحبت بسرعة لالتحق بمجموعتي التي سبقتني الى الطابق العلويّ من المتحف.
حتى تلك اللحظة كان تفكيري يتجه الى اننا سنقوم بجولة داخل أقسام المتحف. ومن ثم وبعد العودة الى المركز، في فترة بعد الظهر ننفذ بعض الرسومات الحرة من خلال مشاهداتنا هناك. وكان سبب هذا اللغط الذي وقعت فيه انني لم أتمكن من فهم طبيعة الرحلة الى المتحف، والهدف منها وذلك بسبب عائق اللغة بيني وبين ليندا والذي كنت قد أشرت اليه. لم نقم بأي جولة داخل المتحف. في خلال دقائق أخذنا أماكننا في احدى القاعات المخصّصة للرسم. وزعت علينا ليندا بمساعدة أحد الموظفين ما يلزمنا من اكواب بلاستيكية وفراشي مختلفة الاحجام، بالإضافة الى علب الألوان …وصلت ميشيل مع المجموعة الثانية. أخذوا أماكنهم بسرعة في نفس الوقت الذي كانت ليندا تتابع توزيع أوراق الرسم البيضاء، ومراييل من النايلون الواقية لمن يرغب.
دقائق وبدا الدرس! كانت ميشيل هي من تولت شرح المطلوب …
قالت؛ سنرسم اليوم بالماء؛ أمامكم علب الألوان اختاروا منها ما تشاؤون، اخلطوا الألوان التي تم اختيارها بكثير من الماء، ثم دعوا الريشة ترش نقاطأ من الألوان على الصفحة البيضاء وكأنه رذاذ المطر المتساقط…
أقلبوا الورقة أفقيا لحوالي دقيقة ثم عاموديا لعدة ثواني.
والآن تأملوا لوحاتكم ماذا تشاهدون؟
الحقيقة أنني ذهلت من النتيجة، وكذلك ميشيل، التي أبدت اعجابها الشديد بما شاهدته على ورقتي، التي كانت لدقائق فقط مجرد صفحة بيضاء.
خلال استماعي لتعليمات ميشيل كنت أصغي وأنفذ ما اسمعه بشكل ميكانيكي وانا أقول بيني وبيني؛ ما هذا العبث! هل قطعنا كل هذه المسافة لنلهو بتنقيط الألوان كما يفعل أطفال الروضة!
لقد استعملت اللونين الأخضر والأزق فقط، فكانت اللوحة عبارة عن أعمدة شبه متوازية تشبه جزوع أشجار وارفة وذلك بسبب انسياب الألوان مع الماء. أما اللون الأزرق فكان أشبه بأمواج منسابة بهدوء، متوازية حيناً ومتكسرة أحيانا… لوحة سريالية أخذت نظري وانتباهي. سحبت هاتفي وصورتها. ثم انتبهت الى أن ميشيل تشير لي أن أرفعها لتلتقط هي أيضاً بعض الصور قبل ان تأخذها مني وتضعها في مكان مخصص مع باقي أعمال الزملاء لتجف.
بقينا في المرسم حوالي ساعتين، أعدنا المحاولة ثلاث مرات ولكن بتقنيات مختلفة. وكانت ميشيل في كل مرة تجمع منا الرسومات بمساعدة ليندا وتضعها في المكان المخصص لها لتجف بعد ان يذيلها كل منا باسمه، وبعد ان تأخذ لنا بعض الصور بكاميرتها الخاصة.
حان وقت المغادرة ولما طلبت رسوماتي أخبرتني ميشيل انهم سيحتفظون بكلّ الرسومات التي نفذناها لعرضها في المعرض، الذي سيقام بعد خمسة أسابيع. كما أخبرتنا ان الحضور الى المتحف سيكون أسبوعياً كل اربعاء حتى موعد المعرض.
صعدنا الى الحافلة، اتخذت مقعداً منفرداً حتى أحتفظ بهدوئي وصفاء ذهني. ثم ألقيت نظرة على المجموعة من حولي. كانت أعمار أكثرهم تخطو نحو الستين، ومنهم من كان قد تعدى الثمانين!. سرحت قليلاً ورحت أفكر في هذه الشعوب التي تحاول أن تزرع الأمل داخل الانسان ولو بلغ خريف العمر؛ وذلك بجعله يدرك قيمة الحياة وجمالها في كل لحظة من لحظات عمره… وكيف أنهم يبتدعون الطرق والوسائل التي تمنع اليأس من أن يتسلل الى عقله وقلبه ويقتل فيه عامليّ الدهشة والفرح بكل ما يحيط به. وبذلك لا يسمحون للشيخوخة ان تسكن منه النفس والروح من قبل أن تسكن الجسد..