اللوحة: الفنان الألماني فرانز مارك
فواز خيّو

الكتابة عندي فعل عُري.. اندماج بالمحيط، بأناسه وأشيائه.
الزاوية كما القصيدة، لا فرق، فالكلمة هي أداة البوح.
أعرف أن بين من يقرؤني المثقف الكبير والمسؤول والطالب والانسان البسيط، وأمدني الله بلغة بسيطة يفهمها الجميع، دون زخرفة ولا أقنعة ولا عرض لعضلات اللغة ومفرداتها، فالمتلقي ليس تلميذا، وأنا لست معلما ابتدائيا كي أؤستذ عليه. لهذا لم أفكر يوما بالانحدار وأقدم نفسي واعظا، أو يُخيّل لأحد أن لدي بُرجا عاجيا أخاطب الناس منه.
أنا ابن العواصف بكل جحيمها وغموضها، أسكن في حارة الريح، شارع الحزن، مفرق الانتظار.. انتظار كل مالا يأتي.. لهذا كنت أكتب زاويتي بهدوء وتعب، وحين أقطع حبل صرتها أغادر الطاولة على عجل , كأم أسقطت طفلها وتريد أن تستلقي لتستريح.
كان يكتب معي في الزاوية صحفي اسمه خيري – أصبح في ديار الحق على ذمة الناعي – قالوا له: الزاوية تأخذ مع فواز أكثر من ساعة كتابة.. وأراد إظهار عبقريته وأن الزاوية لا تأخذ منه جهدا ووقتا، فقال: أنا أكتب زاويتي بالتواليت.. وحين قالوا لي أنه يكتب زاويته في التوايت قلت لهم: طبعا زاوية ( بتخرّي ) وين بدو يكتبها؟
ومنذ ذلك الوقت استقرّ في خلدي أن الكتابة وكل أنواع الإبداع شريحتان: شريحة تصل إلى الناس وتستقر في مخيلتهم ووجدانهم، وشريحة تذهب إلى التواليت.
****
لعل أكثر صرخة دموية في التاريخ كانت صرخة يوليوس قيصر حين تهافت مقرّبوه بسيوفهم، وكانت الطعنة الأكثر إيلاما وقتلا من الأقرب، حيث صرخ: حتى أنت يا بروتوس؟ تجتاحك حالة ما غامضة، ورغم أن المفردات تحالفك غالبا، لكن في لحظة ما تطأطئ رأسها وتبتعد.
تتململ الحالة في الأعماق، ثمة لسعة في الدماغ والروح، ثمة ولادة قيصرية فاشلة في مشفى فاشل.. تختنق الحالة والفكرة.
كم من الخواطر والقصائد خّنقتْ خلال قرابة ربع قرن من غياب قسري للملهمة، لأن لا قصيدة يمكن أن تعبر عن الغياب، واكتفيت ب / طائر في الفضاء الوعر / كرجع لحضورها.. وربما لم أرد تأريخ الغياب، لأنها لم تغب ولا تغيب، بل أنا الذي غبت.. تركتُ لأنين الغيم المشرد في صحاري السماء ونحيب الريح فرصة للتعبير.
كانت القصائد تتجمع في الأعماق وراء سد أقمته في وجه أي امرأة، كي يظل مقعدها لها في مقصورة القلب.، حتى انفجرت كلها في / كم أنت أنت /.
من أنت حين تقودك الصدف، والأقدار الغامضة وكل المتضادات لألف موقعة لم تكن في حسبانك.. هل صدفة أن تكون هديتي الأولى قلما؟
منذها احتل القلم كل الاهتمام عندي، لم أكن أدري أنه سيصبح عصاي التي أهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى.. لكني لم أشق البحر بها.
في مراحل كثيرة، هي التي شقتني.. وأحيانا تحوّلتْ الى خنجر أدماني حين قادني الى معارك لم تكن متكافئة،لكن كان يظهر أمامي عمر أبو ريشة بقامته المرمرية:
شرف الوثبة أن ترضي العلا
غلب الواثب أم لم يغلب.