غُرْبَةَ الدَّارِ

غُرْبَةَ الدَّارِ

ماهر باكير دلاش

اللوحة: الفنان عبد الله الحريري

أَمَا وَسُوُدُ لَيَالٍ فِي بِلَاد غُرْبَة

طَالَتْ عَلَيَّ فَلَمْ أُصْبِحْ وَلَمْ أَنَمِ

غَابَ الرَّبِيعُ وَقَدْ بَكَى الْدِيَمُ 

وخَرِيفٌ أَتَى وَالْنَبْتُ غَابَ عَنْ الْقِمَمِ

فَلَا الْجَفْنُ اِرْتَاحَ مِنْ سَهَرٍ

وَلَا تَدَاوَى الْقَلْبُ مِنْ أَلَمِ

كَأَنَّمَا الْمَوْتَ يَجْرِي فِي مَحَاجِرِنَا

كَأَنَّهُ رَسُولٌ يَبْحَثُ عَنْ دَمِي

مَا كَانَتْ الحَياةُ لنا ظُلَمَاً

وَلَكِن الْحَيَاةَ مِنْ وَهْمٍ إلَى وَهمِ

تَمَرَّغْنَا فِي حُبِّ الذُّنُوبِ دُونَ

نَدِمٍ فَألْبَسَنَا الشَّيْطَانُ خُلَعَة السَّقَمِ

كَانَّ الرَبِيعُ لنا شَبَابا 

والْخَرِيفُ بَاء بِنَا إِلَى الْهَرَمِ

الصَّيْفُ جَاء بِحَرِّهِ وَالشِّتَاء

مَضَى وَغَيْرَ النَّفْسِ لَا تَلُمِ

نُغَالِبُ بِالْشَّك الْيَقِينَ عِنَادَاً

وَنَدْفِنُ كَبِدَ الحَقيقَةِ بِالْوَهْمِ

كَيَمٍّ يَعُجُّ بلألائه فِي صَدَفٍ

وَنَحْنُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ والظُلَمِ

جُنَّ الْقَلْبُ وَالْعَقْلُ فِي مَرَحٍ

وَالْهَوَى يُنَازِعُنَا مُنَازَعَةَ الْخَصْمِ

وَالدَّهْرُ اَثْخَنَنَا جِرَاحَاً فَإِنْ حَزَّ

فِي اللَّحْمِ ألَحَّ عَلَى الْعَظْمِ

خَبَتْ جَذْوَةُ الصِّبَا فِي أَلَمٍ

كَأَنَّهَا سُوَيْعَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ الْعَدَمِ

فِرَاقٌ أَتَى فِي إثْرِ سَقَمٍ فَمَا

أَوْجَعَ مِنْ كَلَمٍ أَتَى عَلَى كَلِمِ

وَنَحْنُ مِنْ لِينٍ وَمِنْ تَرَفٍ 

والْجَسَدُ مِنَّا بَاتَ كَالْصَنَمِ

كَان رَبِيعُ الْعُمْر أَخْضَرَاً ذِي كِمَمٍ 

وأَصْبَحَ خَرِيفُ الْعُمُرِ مِنْ غَيْرِ ذِي كِمَمِ

عَشِقْنَا الدُّنْيَا وَلَثَمْنَا ثَغْرَهَا

وَمَا لَثَمْنَا إلَّا موطئ الْقَدَمِ

أوْقَدْنَا النَّار لِلْأَضْيَافِ عَن كَرَمٍ

وَنُوقُدُ النَّار لِلْأَعْدَاء عَنْ نَقَمِ

نُوِقِدُهَا شُعَلَاً عَلَى فَحْمٍ، 

ولِلْأَعْدَاء شُعَلَاً فِي ذَلِكَ الْفَحْمِ

مَالَنَا نَرْتَجِي مِنْ الدُّنْيَا بَقَاء

أَلَيْس بقاؤنَا فِي الْحَيِّزِ الْعَدَمِ؟!

بِتْنَا وَبَاتَتْ الْأَهْوَاء تُمَنَّيْنَا

وَهَوَى النَّفْسِ لَمْ يُؤْتَ مِنْ عَدَمِ

هِو الْخَيَالُ أَهدَانَا سَقَمَاً

وَغَدَتْ بَعْدَهُ الْحَيَاةُ فِي سَقَمِ

أَخْلَاقُ الْفَتَى عِزَّتُهُ لَا

بِخَالٍ يَسْمُو وَلَا بِعَمِ

رأي واحد على “غُرْبَةَ الدَّارِ

اترك تعليقًا على maherdallash إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.