الأعرج

الأعرج

د. محمد جابر لطفي

اللوحة: الفنانة الفلسطينية ميرنا جاسر

شمس تبزغ فوق بيوت يأكلها الملل، يرقيها صقر رمادى يحوم بصبر، يطلق صوتا حادا ويهبط كالشهاب، بعد أن أبصر عصفورا يسير الهوينا بين أرجل مواشي من كل صنف ولون تهيم حول باب القراطين، حيث بدأ باعة القرط (البرسيم) بالمناداة على بضاعتهم الوحيدة القادمة من القرى المحيطة بقاهرة المعز.

عينان تتجولان فى ذلك الخضم ترقب كوكبة من الشحاذين الذين تشاركوا فى فقد الساق اليسرى، ثم تعاود النظر بحسرة على ساق قطعت منذ سنوات بلا عدد.. يقطع الصمت صوتا مجلجلا 

  • صباحك فل يا حسنين أنت كنت بايت هنا ولا ايه

يتلفت صاحب العينين حتى يقع بصره على شيخ بساق واحدة قادما نحوه يعرج 

  • صباحك هنا ياشيخ حمودة ايوه كنت بايت جنب الباب الليلة دى الدنيا حر نار 
  • صحيح يا حسنين احنا فى شهر بؤونة إنت فطرت ولا لسه
  • لسه يا شيخ مستنيك مانتى عارف بقالي عشرين سنة بفطر معاك جنب السور

يخرج الشيخ حمودة من بين ثيابه المرقعة ورقة بها جبن مقلي ومن جيبه الثاني خبزا ملفوف يتقاسمه مع صديقه القديم الذى يمد اصابعه القذره ويقتطع من الجبن والخبز ويسلمها فرائس سهله إلى فمه الذي فقد العديد من أسنانه 

  • الجبن المقلى حلو أوي يا شيخ حموده
  • بالهنا يا حسنين با بني
  • إبني إبني. تلسع الكلمة عقل حسنين تذكره بشبح أمه العجوز وتتسع حدقتاه ليرى أشباحا قادمة من وراء الظلال لجنود عليها ثياب مزركشة وخوذات لامعة تلفها عمامات بكل الألوان وتهز أذناه كلمات قبيحة 
  • إنت يا فلاح يا خرسيس

يرتعد حسنين من وقع السباب المهين لكنه يسرع محنيا هامته نحو أسياده من الجنود

  • أيوه ياسيدي أي خدمة أنا تحت أمركم يا سيادي
  • أنت شايل إيه
  • فضلة خيرك بيض وسمن وزبدة 

يمد أحد الجنود يده إلى القفص الذى يحمله الشاب على رأسه ويقلب مكوناته بلارحمة، يصرخ حسنين

  • حاسب يا سيدي البيض حيتكسر والسمن حيدلق
  • اخرس يا فلاح انت لازم مخبي سلاح سكين أو خنجر جوه القفص
  • سلاح ايه بس يا سيدي ده أنا غلبان
  • غلبان انت تعبان زيك زي باقي الفلاحين المناكيد

يمسك حسنين بكلتا يديه قفصه الغالي الذى لا يلبث أن يسقط على الأرض ليمتزج البيض المكسور بالسمن الذي سال على التراب

  • حرام عليكم يا ظلمه ده رزقي ورزق عيالي 
  • اخرس يا فلاح يا خرسيس

وينهال الجنود على جسد حسنين بالسياط حتى يسقط متكوما يحمي رأسه بذراعيه ثم يسدل ستار من ظلمة ليلف كل شئ.. لسعة من نار تلهب جسد الشاب الذي ينهض متلويا من الأرض لينضم إلى قافلة من الفلاحين المقيدين مثله بالحبال. 

قاعة كبيرة يجلس فى صدرها قاض مهيب ينظر باحتقار إلى مجموعة الفلاحين المقيدين كالبهائم يقترب منه أحد الجنود ويسر إليه بكلمات ليشتعل وجه القاضى بالغضب ويبدأ فى الصراخ مشيرا إلى الأسرى 

  • هم دول بقى لصوص الطريق.. مش كفاية سايبينكم تزرعوا وتقلعوا وبتدفعوا مكوس هايفة تقوموا تقطعوا الطريق وتنهبوا المسافرين.. ياحوش.. حكمت عليكم بقطع ايديكم ورجليكم من خلاف زي ما حكم الله عليكم فى قرآنه.

تتصاعد الصرخات والتوسلات من أفواه الفلاحين ثم تتساقط بعيدا عن أذني القاضى الذى يأمر بإيداعهم زنازين سجن القلعة الرهيب إلى أن يتم تنفيذ حكم الحرابة عليهم جميعا.

قلعة الجبل تطل على القاهرة وسكانها بإستعلاء لا تفتح للبسطاء إلا كهوفا تحت الأرض يجدون فيها بعد عناء الحياة موتا بطيئا.. تمر قافلة المظلومين المقيدين بالحبال والرعب من الأيام والليالي القادمة بين أسوار القلعة الخرساء المتشفية يقوم الحراس بتسلم الجميع.. منهم من لن يروا النور ومنهم من ستقام عليهم حد الحرابة وغيرها من الأحكام.

يشير أحد الحراس إلى حسنين ويأمره بأن يحني هامته ليدخل زنزانة من صخر، يطيع الشاب بلا تردد بينما يأكل قلبه الخوف من ظلمة ذلك القبر الذي أطل برأسه عبر الجدران، بينما يغلق الحارس باب الزنزانة ليسود ظلام أعمى يرافقه رعب يتلمس ما حول الرجل.. تمضي الساعات مشلولة تزحف بلا صوت حتى تهبط كفا ثقيلة على كتف حسنين يصاحبها كلمات متلعثمة.

  • اهلا بيك يا بني

يتلفت حسنين فى الظلام الدامس يتحسس بيديه الفراغ ويرهف إذنيه، لكن الصمت كان بليغا وحكيما، يزأر باب الكهف المظلم لهجوم جيوش الضياء ويغلق حسنين عينيه فزعا يفتحهما ليجد الحارس يحمل طبقا به طعام رائحته تعافه النفس.. ينهض الشاب ويصرخ.

  • ياعم هو فيه حد هنا معاي فى التربة دي

يضحك الحارس كاشفا عن اسنان تهاوت منذ سنين

  • هو طلعلك بدري كده اللي قبلك كانوا بيسألوا السوال ده بعد شهور وأيام
  • مين اللي طلعلي هو فيه حد مسجون معايا ولا جن بيتسلى علي
  • اخرس يا فلاح الظاهر انك صعبت عليه قال يسليك قبل مايتنفذ فيك قطع الأيد والرجل بكره.

يتجه الحارس خارج الزنزانة وهو يضحك ثم يغلقها تاركا الشاب فريسة لوحش غامض يشاطره القبر المظلم.

ضوء أخضر باهت يتراقص على الجدران يلد أضواءً أخرى تتسلق سقف الزنزانة وتزحف أخرى على أرضية الكهف الرطبة ينهض حسنين فزعا يخشى أن يتلمسها.. يمتد بصره ليرى شيخا مسنا يجلس القرفصاء بجواره.

  • مين أنت مين ياعم محكوم عليك زي حالاتي ولا باسم الله الحفيظ.

لا يصدرالرجل العجوز أي بادرة حياة بينما يخشى حسنين الإقتراب منه، وفي النهاية يمد كفه يتحسسه يهزه يضربه ليظل الشيخ بلا حراك، يملأ الفزع قلب الشاب يحاول الإبتعاد عن ذلك المتحجر فى مكانه، لكن الكهف كان ضيقا، استسلم حسنين لوجود الشيخ وأغمض عينيه ليدع الظلام يغزو داخله.

ينفتح باب الزنزانة مرة أخرى يهب حسنين فلا يجد إلا الحارس والطبق لكن فى هذه المرة لم يتفوه بكلمة بينما بدأ الحارس الكلام.

  • مبروك عليك الحكم يا أخينا بكره فى الفجر حينفذوا فيك الحكم في ساحة القلعة.

يغادر الحارس تاركا حسنين يجلس القرفصاء وقد استسلم لمصيره، يعاود الضوء الأخضر الظهور كاشفا عن الشيخ الذى بدأ فى التحرك نحو حسنين المتكوم.

  • حسنين قوم يا ابني

يهب الشاب فزعا ليجد الشيخ مادا إليه كفه يعينه على القيام بصعوبه

  • إنت مين يا عم؟ من الدنيا بتاعتنا ولا جاي منين بس؟
  • مش مهم يا ابني مافيش وقت للكلام ده شايف الحروف اللي على الصخرة دي 
  • انا مابعرفش افك الخط يا با
  • مش مهم شايف الاشكال الزرقاء اللي على حيطة السجن ده
  • ايوه يا شيخ
  • حط صباعك عليها واسمع اللي حتقولك عليه
  • اسمع مين يابا
  • يابنى ماتتعبنيش انا مش باقي لي غير وقت قليل أوي
  • حاضر يابا

يهم الشاب بالوقوف ليصطدم رأسه بسقف الزنزانة يمد اصابعه المرتعشة إلى اشكال زرقاء تنبض يتلمسها لتخرج من الجدار وتطوف من حوله.. تلفه تغطي كل جسده.. ثم يشرق ضوء ساطع يطيح بلب حسنين الذى يسقط على الأرض ويهدأ كل شئ.

  • قوم يا حسنين

يفتح الشاب عينيه ليجد إمرأة بارعة الجمال يزحف شعرها الاشقر من خلفها ترتدى ثوبا شفافا أرجوانيا تمد يديها اليه تعينه على القيام وتخطو به فى قاعة ضخمة تكسوها الأضواء التي لايعرف لها لونا وليس بها إلا كرسي ضخم من ياقوت تجلس عليه إمرأة أخرى تناديه.

  • تعال يا حسنين 
  • إنت مين 

تصمت المرأة بينما ينظر حسنين إلى المرأة الشقراء التي تمسك بيده ليجدها تحمل نفس وجه المرأة الجالسة على العرش، يحاول التكلم تشيران إليه بالصمت، تبدأ نساء أخريات لهن نفس الملامح فى الظهور داخل القاعة ويقلن بصوت واحد.

  • حسنين مافيش وقت أنت جيت فى ميعادك دنيتنا بتخلص.. منتظرين أكسير الحياة.

يبدأ الشاب فى الكلام لكن لسانه لايطيعه.

  • حسنين احنا محتاجين أكسير الحياة اللي فى نخاع رجلك 

ينجح الشاب فى الكلام أخيرا

  • انتم مين.. نخاع ايه أكسير إيه مش فاهم حاجه
  • مش مهم الوقت بينفذ إنت موافق أننا نقطع رجلك الشمال وناخد الأكسير اللي فيها
  • يالهوي لا مش موافق
  • خلاص حنرجعك الزنزانة يقطعوا لك ايدك ورجلك
  • لا الرحمة ياناس هو من سلقط لمقط لخطاف الأرواح ياربي
  • حسنين باقى دقيقة واحدة موافق ولا لأ
  • طيب مش ممكن أفكر هو القطع ده بيوجع 
  • باقى ثوانى يا حسنين موافق ولا لأ

تبدا القاعة فى الذوبان والنساء فى الإختفاء.. يصرخ الشاب 

  • موافق موافق 

يستمر ماحول حسنين فى الإختفاء بينما يمسك الشاب بقوة بيد الحسناء الشقراء التى تبتسم وتودعه بلمسه رقيقة على كتفه. يصاحبها كلمات ضاحكة تهز إذني الشاب. 

  • إنت مش حتاكل يا حسنين انت حترجع تحلم تاني يابني اللي راح مابيرجعش.. كلنا من حواليك لسه فاكرين القمر الأشقر اللى ودعنا قبل مايقطعوا رجلنا الشمال.
  • لا ياشيخ حموده بآكل أهوه 

يبتلع حسنين لقمة من الخبز مغموسة بالجبن المقلي، يبتسم وهو يتلمس فى الفضاء ظل المرأة الشقراء الذى يأبى أن يتركه منذ سنين.

رأي واحد على “الأعرج

اترك تعليقًا على Mhdarwesh إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.