جمرة في الأعماق 

جمرة في الأعماق 

اللوحة: الفنانة الأمريكية تريش بيدل

فواز خيّو

قرابة ربع قرن لم نلتق أنا والملكة أمل، احتراما لحياتها الزوجية التي اختارتها ولحياتي الزوجية، وبقيت جمرة في الأعماق تشرف على قصرها، وقد وزّعت حراسها على أبواب الأبهر والتاجي وغيره، ومن يجرؤ على الاقتراب..

صادقت والتقيت الكثيرات الجميلات من كاتبات وفنانات كبار، وحولي في الإعلام والجريدة صديقات وزميلات رائعات جميلات، وجمعتني مع بعضهن صداقات عميقة، لكن لم تستطع واحدة الاقتراب من بوابات القلب.

بهاء الوجه غالباً ليس إلا انعكاسا لبهاء الأعماق.

حين بدأت الكتابة عن هيلانة وسرجون في الخطف، صرت أرى تعليقات لها (أنا أصلّي من أجلك وأسرتك يا فواز وأرجو ان يعيدهم الله عليك بكل صحة، وانت من اشرف الناس في سورية وهكذا).

رغم أن الجميع يتعاطف معي بشكل رائع، لكن لعباراتها طعما آخر، كالماء الدافئ ينساب في شرايينك البارده، وسط زمهرير المرحلة، والذعر الذي نعيشه.

لا أدري لماذا لم أفكر حتى بالرد عليها، ربما لأني كنت ممزقا نفسيا ولم أكن مهيئا للحديث معها، مع أني بأمس الحاجة لسماع صوتها بعد كل هذا الغياب.

وذات ليلة اتفقت مع الآدمن، الشباب الذين أسسوا صفحة الفيس أن نلتقي في السهرة لنقرر صياغة الرسائل التي سنوجهها لبعض القيادات في المعارضة في الداخل والخارج، ولكل من يمكن أن يكون على معرفة بقيادات المسلحين في دوما للضغط عليهم من أجل الإفراج عن هيلانة وسرجون..

كان جهازي مع أحدهم وإذ يقول لي: شوف أمل على الماسنجر، فتناولته بسرعة وكبست على الاسم: (كيفك يا امل وينك انتي)؟ 

فوجئت بصوت آخر: (أنا مش أمل يا استاذ، أنا مجد، أقرأك أنا وزوجي منذ سنوات، وقد زرتنا أنت وأخوها لأمل أيام جرمانا). قلت لها: أنا سعيد بمعرفتك، لأطمئن على أمل وأعود إليك.

اتصلت وأخذت روحي وجبة كاملة من صوتها وشكرتها. 

كان اسم السيدة (مجد) وهي فنانة تشكيلية اسمها تحت اسم الملكة، والكنية واحدة، وبسبب السرعة ضغطت بالخطأ على اسمها.

صار التواصل بين حين وآخر والتحادث في قضايا كثيرة، في الفن والثقافة والحياة. غالبا يصادف رجلا امرأة فترمي جمرتها في صدر أو العكس، لكن أن يحدث هذا من بعيد، ولست أنت الذي تغريك صورة على الفيس، وقد عرفت وصادقت الكثير من الجميلات من زميلات في الاعلام والوسط الفني، ولم تستطع واحدة أن تهز مكانة الملكة في القلب، فقصرها محروس ومقصورتها بهية دائما. لكنه القدر المرسوم.. هذا ما يؤكد كلامي أن المحطات الرئيسية، والناس الذين يلعبون دورا محوريا في حياتك هم مرسلون إما عقوبة أو مكافأة. ليس هناك من لقاء صدفة، وما تسميها صدفة هي على صفحة برنامج القدر مرتبة بيومها ولحظتها. 

خرجت هيلانة وسرجون، ورغم أن أخوتي وأخواتي تعاونوا وبنوا لنا بيتا على قطعة أرض لي، فلم تطق العيش في السويداء.

ونشأت الخلافات بسبب إصرار هيلانة على الرجوع إلى عدرا طوال سنة، وعدرا صارت رمز الكارثة وما زال المسلحون حولها، ولا شيء يمنع عودتهم في ظل مسرح العبث، وسكنا في شهبا من أجلها واستمر الجفاء والإصرار على عدرا. 

كانت النهاية مرسومة للانفصال، لكن بقينا كأصدقاء وزاد التزامي الأخلاقي تجاهها ولم ولن أتخلى عنها، فقط انفصلنا كأزواج.. عام 2007 زرت وهيلانة طبيبا عراقيا في عيادته في صحنايا، كان يفحص المريض على طريقة فحص الجهد فيأخذ من جسمك عدة نقاط يوصلها بالكمبيوتر، وخلال لحظات يسحب ورقة عن الطابعة فيها قائمة بنواقص جسمك من معادن وأملاح وغيرها ويصف لك الدواء. 

حين علم أني صحفي تحاورنا ببعض القضايا، وحين ودعنا على الباب قال لي: يوجد في حياتكم قطع. القطع موت أو انفصال. وتساءلت: هذا طبيب يفحص ويعطيك وصفة دواء. هذا ليس كلام طبيب.

كنا بشكل حاسم نضع مسألة الانفصال بعيدا، رغم الخلافات بيننا، خاصة أن هيلانة تعبت كثيرا معي. توقعت موتي أو موتها، حتى حصل الانفصال، وبشكل محتوم ومرسوم. 

هذا الفراغ الروحي والنفسي، إضافة الى التصدع الذي أصابني طوال سنة ونصف من جحيم الانتظار، كانت تتجه نحوه بذرة أسقطتها الأقدار بشكل غاية الغرابة.

دوّنتُ في دفتري لاحقا: حين كبست على ذلك الزر، لم أكن أدري أني كبست على زر تشغيل اللغم، الذي سبب الانفجار الأعظم، ليعيدني إلى القصيدة ليثمر عن كتاب/ كم أنت أنت/ بجزأيه. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.