ترجمة: أكرم أنطاكي
اللوحة: الفنان الكولومبي جوهان باريوس
إن واجهتُ إنسانًا وكأنه أنت الذي تخصني، وتوجهتُ إليه بالكلمة الأساسية أنا–أنت، فإنه لا يبقى مجرد شيءٍ من جملة أشياء، شيءٍ مؤلف من أشياء.
لأن هذا الكائن البشري ليس مجرد هو أو هي، ذلك الشيء المحدود بأيِّ هو وبأيَّة هي، نقطة من شبكة عالم محدد في الزمان وفي المكان؛ كما أنه ليس ذا طبيعة بوسعك اختبارها وتصنيفها. ربطة فضفاضة ذات صفات معينة. إنما هو بلا جيرة، وكلِّي بحدِّ ذاته. إنه أنت الذي يملأ السماء، لكن هذا لا يعني أن لا شيء موجود إلا هو. إنما يعني أن كل شيء يحيا بنوره.
فكما لا يتألف اللحن من النوتات ولا الأبيات من الكلمات ولا التمثال من الخطوط، إنما يجب أن تلقَّن وتجرَّ كلها بحيث تتبعثر وحدتها في قلب هذه القطع العديدة، كذلك الأمر بالنسبة للإنسان حين يقول أنت. حيث بوسعي استخراج لون شعره، أو خطابه، أو صلاحه. وعليَّ فعل هذا باستمرار. لكن بمقدار ما أفعل، بمقدار ما يكفُّ عن كونه أنت.
وكما أن الصلاة ليست في التوقيت إنما التوقيت في الصلاة، كذلك ليست التضحية في الصلاة إنما الصلاة في التضحية، وكما أن قلب العلاقة يعني إلغاء الواقع، كذلك الأمر بالنسبة للإنسان الذي أخاطبه بـأنت. فإنا لا ألتقي به في زمان آخر أو في مكان آخر. لأنه بوسعي تعيينه في زمان محدد وفي مكان محدد؛ وعليَّ فعل هذا باستمرار: لكني بهذا أكون قد عنيت هو أو هي فقط، ويكفُّ بالنسبة لي عن كونه أنت.
لأنه طالما كانت جنَّة أنت منتشرة فوقي، فإن رياح السببية تنكمش عند كعبي، وتبقى دوامة القدر في مجراها.
فأنا لا أجرِّب الإنسان الذي أخاطبه بـأنت. إنما أحدد مكاني بالنسبة له. وهذا المكان أحدده في قلب قداسة الكلمة الأساسية. فقط حين أخطو خطوة مبتعدًا تراني أجرب الهو مرة أخرى. ومع التجربة تبتعد الأنت.
وحتى إن لم يكن الإنسان الذي أخاطبه بـأنت واعٍ لذلك وسط معمعان تجربته، فإن العلاقة يمكن أن تحصل. لأن ما تحققه الأنت يتجاوز الـهو. هنا لا يوجد خداع؛ لأنه مهد الحياة الحقيقية.