نبوءة الأدباء والمفكرين

نبوءة الأدباء والمفكرين

اللوحة: الفنان النمساوي لودفيغ دوتيش

عندما قامت الثورة الشيوعية بقيادة “لينين”؛ قال له رفيقه الأديب والروائي “مكسيم جوركي”: (إنَّ الانحناء بزاوية دقيقة جدا في نقطة بداية الانطلاق، سوف يتحول لانحراف بمئات الأميال مع استمرار المسيرة، لذلك لا بد من دِراسة نقطة البداية جيدا، حتى يكون الانحراف أقل ما يمكن، وحتى لا نبعد عن الهدف الأصلي، فنجد أنفسنا نتَّجه للخلف، فيتحول الهدف منَ الخير إلى الشر).

فردّ عليه “لينين” قائلا: (على مكسيم جوركي أنْ يهتم بالأدب والرواية، ويُقَلِل من اهتمامه بالسياسة).

وكما تنبأ ماكسيم جوركي، سقطت الشيوعية بعد سبعين عاما، وحَقَّقت عكس مرادها، فبدلا منْ أنْ تُسْعد الإنسان البسيط الضعيف المقهور؛ وبدلا منْ أنْ تُحَقِّق العدل والمساواة بين الناس؛ شَقِيت الشعوب كما لم يَحدث في التاريخ من قبل.

فالكسل عن دراسة الهدف والكِبْر والاستعجال في نقطة الانطلاق وعدم المراجعة المستمرة؛ يدفع ثمنه الملايين لسنوات طويلة، وللأسف لا يُكْتَشف التيه وأسبابه إلا بعد فوات الأوان، ولا يمكن التوقف أو فك الأحبال التي التفت حولهم مع الاستمرار العنيد في المسير؛ إلا بعد نفاذ الوقود الذي أشعل النيران، فمن يَصْطلي بالنار لا يجد المِزاج وصفاء الذِهن لمعرفة كيف وقع فيها، إلا بعد أن تَنطفئ ويتحول غالب منْ فيها لرماد، وهذا ثمن إهمال السياسي والثَوري للفِكر والمُفكرين.

عندما أطاحت الثورة الإيرانية بشاه إيران، عام 1979م؛ اندلعت أزمة احتجاز أفراد السفارة الأمريكية في إيران كرهائن، توتَّرت العلاقة بين إيران والأمريكان، قامت الدنيا ضد إيران وصدرت بِحقها عُقوبات مؤلمة، أثناء مناقشة تلك العقوبات في الإعلام من متخصصين في كافة المجالات؛ أذكر أحد الخبراء اليهود في عِلم الاجتماع في برنامج إعلامي؛ قال: عندي ثلاثة أسباب لرفض هذا الإجراء:

أولا: أرى أنَّ فرض العقوبات من أفشل القرارات التي سوف تَصب في صالح إيران، هذا شعب ثار على حاكِمه، ويعتقد أنَّه نال حريته، وحين تُفرض عليه العقوبات، سوف يَفوز زعماء الثورة بمبَرِّر لِحَشد وتَكتّل الشعب معهم، وسوف يقولون لهم: “إنَّ العالم الغربي الذي يُمثل الاستعمار القديم ضدَّكم، ولا يريد لكم الحرية”، فتتجمع للشعب طاقة تَحَمّل وعِناد هائلة، يَصمد بها أمام تلك العقوبات ويُبْطل أثرها.

ثانيا: قائد الثورة مَرجع ديني، ولكن معه شركاء من التيارات الليبرالية والقومية والعلمانية أيضا، وبتطبيق العقوبات سوف يتم التخلص منهم جميعا في خِضَمّ هذا الهياج الجماهيري، ويُصبح الحُكم دينيا خالصا. 

ثالثا: بالعقوبات تَمنعون عنهم سِلعا وآلات كانوا يعتمدون عليكم في استيرادها، هم اليوم لا يُفَكرون في سُوق آخر أو في إنتاج تلك الآلات والسِلع، وحين تُمنع عنهم، يتجه التفكير إلى الاعتماد على الذَّات والسعي لعدم الوقوع في فخ الدولة المستهلِكة التي يُفرض عليها عُقوبات، ثم تُصبح نِدَّا للدول التي عاقبتها.

ومن منطلق ذلك، فأنا أرى أنّ هذه العقوبات سوف تَفشل في تحقيق الغرض منها، بل ستُقوِّي تَطرّف المسيطرين على الدولة؛ وتكون تلك العقوبات هي طوق النجاة والتمكين لهم.

واليوم نحن نرى إيران التي يسيطر عليها رجال الدين، وهي تتفاوض في الملف النووي من منطلق قوة، فنتذكر نصيحة هذا العالم الخبير ونَفْهَم أنَّ تجاهل صوت العقل والحكمة والخِبرة ثمنه فادح على الجميع.

في كتاب “زكي نجيب محمود” الذي صدر عام 1978 بعنوان: “مجتمع جديد أو الكارثة، يتحدث أنَّه في عام 1925، قام ناشر انجليزي بمشروع طَموح ونافع، طلب من مائة عالم وباحث وأديب، أن يتعاونوا على إخراج عدة كتب، كلٌ في فرع تخصّصه، يتنبأ هؤلاء جميعا بما سوف تكون عليه حياة الناس بصفة عامة، وفي إنجلترا بصفة خاصة، بعد خمسين عاما منْ هذا التاريخ، وكانت وجهة نظره أنَّ هذا المشروع لتقديم صورة مستقبلية، سوف يُتيح لمنْ يَهمه الأمر أن يتَدَبَّر وسائل مواجهة وقوع الأحداث التي يتنبأ بها المُختصون. وصدرت المجموعة في حينها وبعد خمسين عاما تبيَّن أنه إلى حد كبير كانت التوقعات قريبة من الواقع الذي حدث بالفعل!نعم هناك أخطاء كثيرة ولكن الصواب كان أكبر وكان مفيدا للغاية.

من ضمن التوقعات المدهشة، ورغم أن الكتب صدرت في العشرينات وقبل إنشاء دولة إسرائيل بثلاثين عاما، كان في الكتب نبوءة قيام دولة اسرائيل، وفي نفس الفقرة تنبأ نفس المفكر بسرعة انحلالها، وعلل ذلك الانحلال السريع بأنَّ عُقدة الاضطهاد التي تَوقَّع عندئذ أنْ تكون سببا في الإسراع بنشأة الدولة الاسرائيلية، وسوف تكون وقود قيامها، سوف يأتي وقت ينتهي هذا الوقود، وبانتهائه تزول نتائجه، فيتوقف التعاطف مع إسرائيل ويأمن اليهود في العالم وتُطرد إسرائيل من الجسد الذي زُرَعت فيه.

هذه القصص الثلاثة تُعطينا درسا عن مدى الخطأ حين أهملنا مجالات العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والمنطق والتاريخ والاجتماع، وهم الذين يُنتجون الرؤية المستقبلية وهم الحكماء الذين قال عنهم الكواكبي:

ما بال الزمان يضن علينا برجال يُنَبِّهون الناس، يرفعون الالتباس، يُفكرون بحزم ويعملون بعزم، ولا ينفكون حتى ينالوا ما يريدون؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.