يوميات هناء في نيويورك – على عتبة عام جديد

يوميات هناء في نيويورك – على عتبة عام جديد

اللوحة: الفنانة الفلسطينية هبة زقوت

هناء غمراوي

إنها أيام قليلة تفصلنا عن العام الجديد. لم تكن الأوقات رتيبة في حياتي العام المنصرم. هناك تطورات كثيرة دخلتها في الفترة الأخيرة، جعلتني أودع الرتابة التي رافقتني فترة طويلة من حياتي السابقة؛ سيما فترة العمل الوظيفي، وفترة العناية بعائلتي الكبيرة، حين كانت الأيام والليالي تتوالى خلالها برتابة رهيبة، وفي ظلّ ظروف ضاغطة وقاسية تزيدها رتابةً وصعوبة. 

لقد ساهم السفر في تغيير نمط حياتي اليوميّ، بعد تقاعدي من الوظيفة. ثلاث سنوات غيرت حياتي بشكل كليّ! ربيع العام 2023 صدر لي أول كتاب مطبوع، وكان التوقيع تزامناً مع معرض الكتاب التاسع والأربعين، في مدينتي في طرابلس. 

فقد رجعت ربيع هذا العام إلى بلدي وأنا أحمل معي حصاد أيامي التي قضيتها في نيويورك؛ كتابي، الذي صدر في بيروت تحت عنوان “نيويورك في عيون زائرة عربية” والذي دونت فيه تجربتي الحياتية في مدينة نيويورك على مدار سنة أو يزيد.

عدت من لبنان إلى نيويورك في أوائل شهر أيلول / سبتمبر بعد إجازة طويلة، قضيتها هناك، مستمتعة بصحبة بعض الصديقات، وممارسة السباحة على شاطئ المتوسط الهادئ، في طرابلس.

نحلتي النشيطة “ندوة” كعادتها لا تدعني أضيع أيامي سدى هنا. منذ الأسبوع الأول لوصولي إلى نيويورك قالتها بحزم وتصميم؛ لقد ذهبت أيام الكوفيد، وذهبت معه أيام الحجر ودروس اللغة الإنكليزية “أونلاين” ويتحتم عليك الآن أن تتابعي الدراسة حضورياً، وأنا وجدت المكان وما عليك سوى إجراء امتحان الدخول لتحديد المستوى المطلوب. حصل كل ذلك بسرعة قياسية.

مطلع الأسبوع التالي وجدت نفسي في غرفة الصف، بين مجموعة كبيرة من الطلاب، غالبيتهم من الجالية الإسبانية الموجودة بكثرة في نيويورك، بالإضافة إلى بعض من الطلاب العرب؛ من لبنان والمغرب ومصر.

منذ اليوم الأول عرفت أن مستوى الصف الموجودة فيه أدنى من مستوى تحصيلي الذي وصلت اليه خلال متابعتي السابقة لدروس اللغة الإنكليزية أونلاين. ولكن مدرّسة الصف السيدة يولاندا بهرتني بأدائها المميز، وبحكم عملي السابق في مجال التربية كمدرّسة ومن ثم مديرة، أستطيع القول بأنها من أفضل المدرّسين الذين صادفتهم في حياتي. لهذا السبب آثرت البقاء واعتبرت وجودي معها فرصة لمراجعة بعض مفردات اللغة التي انقطعت عن سماعها والتداول بها بسبب وجودي خارج نيويورك الفترة الماضية. كنت سعيدة خلال وجودي في صف يولاندا، ولكن سعادتي لم تدم.

بعد أقل من شهرين استدعتني مديرة قسم اللغة، وبعد امتحان تقييميّ سريع طلبت مني الالتحاق بصف آخر يتناسب مع مستوى تحصيلي. في البداية رفضت وقلت أنا مرتاحة، ولكنني أمام إصرارها اضطررت للرضوخ، وغادرت مرغمة إلى الصف الأعلى، في الطابق الأعلى.

منذ اليوم الأول افتقدت حميمية المكان كما افتقدت أسلوب يولاندا ولطفها وإخلاصها في العمل. وهذا سبب كاف يمنعني من الكلام عن الصف الجديد الذي غادرته بعد حوالي شهر واحد متذرّعة بالانتقال إلى منطقة سكنية جديدة. 

كنت أتردد إلى مركز اللغة، ولكنني كما أشرت سابقاً بدأت مزاولة أنشطة أخرى هناك؛ بعض التمارين الرياضية الخفيفة كاليوغا وغيرها.

أما أهم نشاط كان يشغلني في تلك المرحلة، فهو الرسم. لقد تعلقت كثيراً بهذه الهواية، وبدأت أمارسها بشغف كبير، طغى على كل ما كان قبلها من هوايات. 

فقد كنت أنتظر بفارغ الصبر انتهاء دروس اللغة يوميّ الثلاثاء والخميس في الصباح، وانقضاء فترة الغداء التي تستغرق حوالي الساعة لأصعد إلى الطابق العلويّ. وأغرق بين مجموعة اللوحات والفراشي والألوان.

كان الوقت يمر بسرعة كبيرة ولا أشعر بالرضى إلا عندما تكتمل لوحتي التي كنت مضطرة أحياناً إلى تركها في المرسم إلى اليوم التالي قبل أن أنجزها لأن الحافلة التي تقلني إلى البيت تغادر في وقت محدد لا يمكن تعديله.

لا أعرف من أين جاءني ذلك الشغف وذلك الصبر في إنجاز وإتقان عملي. لعلّ الجزء الأكبر منه كان بسبب دعم وتشجيع معلمة الرسم السيدة ليندا التي استقبلتني بوجهها البشوش منذ اليوم الأول وتركت لي حرية اختيار اللوحة التي أريد رسمها؛ كما وضعت أمامي كل الإمكانيات المتاحة من أقلام الرسم والفراشي متعددة الاشكال والأحجام، وعلب الألوان المائية وغيرها. لم تسد لي بأية معلومة أو نصيحة، وضعت أمامي ورقة بيضاء مثبتة على كرتون مقوى لتكون تلك لوحتي الأولى، ثم قالت: عندما تحتاجيني نادنيي. بداية اعتمدت على بعض الرسومات المعروضة والتي نفذها بعض الطلاب الهواة. وقع اختياري على لوحة بسيطة، هي عبارة عن زهرة كبيرة بألوان زاهية بجانبها زهرة أصغر وبلون مختلف. بسرعة تناولت قلم الرصاص وبدأت.. وبعد تشجيع كبير من ليندا غمست الريشة في الألوان، وبدأت مشواري مع الرسم! 

نفذت بعدها العديد من الرسومات؛ حيوانات وطيور مختلفة، بعضها طبيعية وأخرى بأشكال مخيفة خاصة بمناسبة “الهالويين”. كما رسمت ولونت مجموعة من الزهور وكان من بينها لوحة فيها محاكاة لأزهار بيكاسو نقلتها من إحدى صفحات الفيسبوك إلى هاتفي، ثم نفذتها على الورق. وزاد إعجاب المعلمة بي عندما أصررت أن أخوض تجربة رسم الوجوه (بورتريه) فرسمت وجه “فريدا كوهلا” عن لوحة لها نفذتها بريشتها كما رسمت وجهاً أنثويا معروفاً ل”ماتيس”. ولا أتبجح وأقول بأنها كانت لوحات بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كانت محاولات تعبر عن شغف بهذا الفن، والغريب أن الجميع كان يعتقد أني أمارس هذه الهواية منذ زمن، ولم يصدقوا أبداً أن تجربتي في الرسم لم تتجاوز الشهرين بعد؛ ما كان يشعرني بالزهو والسعادة ولا أستطيع إخفاء شعوري هذا. 

على عتبة عام جديد، سيزيد عمري عاما إضافياً! إلا أنني لم أقفل بعد نافذة الحلم والدهشة، بل أبقيتها مفتوحة على عالم الطفل القابع في داخلي. ولن أدع اليأس والإحباط يتسربان إلى قلبه فيفسدان عليه حب الحياة وشغف الاكتشاف، والتجربة. 

برغم كل السعادة والرضى اللذين شعرت بهما بعد عودتي إلى نيويورك إلاّ أنه كان هناك ما ينغص عليّ هذه السعادة.

نعم أحداث غزة أرقتني وسلبتني سعادتي، وسكينتي وجعلتني أقف حزينة وحائرة مع إحساس بالعجز لازمني فترة من الزمن، وجعلني أتساءل بيني وبيني: هل انحدر الحس الإنسانيّ في العالم إلى هذا الحد؟ وهل تحولت النفوس البشرية إلى أرقام وأعداد لضحايا أمام أسياد الحرب، وسطوة آلة الحديد والنار؟ 

رأيان على “يوميات هناء في نيويورك – على عتبة عام جديد

  1. نعم أحداث غزة أرقتني وسلبتني سعادتي، وسكينتي وجعلتني أقف حزينة وحائرة مع إحساس بالعجز لازمني فترة من الزمن،…
    ………
    وَلَرُبَّمَا اتَّخَذُوا أَهْلَ غَزَّةٍرَقَمًا ، وَمَا هُمْ بِرَقَمِفما سَجَدُوا يَومًا لِصَنَمٍ فَوقَصَنَمٍ، وَلَا ذُعِرُوا مِنَ الصَّنَمِوَلَا خَافُوا وَلَا حَرْفُهُمْنَافَقَ انْتِكَاسَاتَ العَلَمِ
    ماهر باكير دلاش
    كل عام وانت وكل الأدباء والكتاب وفريق حانة الشعراء بخير وعافية

    Liked by 1 person

  2. الأستاذة القديرة هناء غمراوي

    “هل انحدر الحس الإنسانيّ في العالم إلى هذا الحد؟ وهل تحولت النفوس البشرية إلى أرقام وأعداد لضحايا أمام أسياد الحرب، وسطوة آلة الحديد والنار؟”

    يقول جلال الدين الرومي:”هذا العالم غارق في المآسي من رأسه إلى أخمص قدميه ولا أمل له في الشفاء إلا بالحب”.

    من أحب الله..؟ أحب كل البشر
    وجميع مخلوقاته من الإنسان حتى أصغر حشرة
    وعندها لن يعرف العالم المجازر
    ولتوقفت الحروب منذ زمن طويل طويل!

    الأستاذة هناء
    يسرني التعرف عليك من خلال مقالك
    أنت سيدة جميلة ومثقفة ..وفنانة موهوبة أيضا
    كل عام وأنت وأسرتك وأحبابك بخير

    كل عام و”حانة الشعراء” وجميع القراء، والعالم بأسره بألف خير.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على إيناس ثابت إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.