بنت اسمها فرحة – الحادث

بنت اسمها فرحة – الحادث

اللوحة: الفنان المغربي عمر كوران 

محمد محمود غدية

البنت الصغيرة اسمها فرحه أبعد ما تكون عن الفرح، عاشت في بيئة متواضعة متوسطة الجمال بداخلها طاقة إيجابية من الحب تكفى العالم وتفيض، توقفت عند الشهادة المتوسطة كانت ترغب في الجامعة، لكن المسافة بين ما ترغبه والإمكانيات بعيدة، محبتها ورقتها تضفى عليها جمالا، تفتقر إليه الكثير من البنات في سنها، بسيطة الملبس رشيقة الخطى توزع محبتها بالتساوي لكل من حولها، للحب لغة بكماء شفيفة كالنهار لا يمكن إخفاءها يستشعرها المرء ويلمسها، ولأن الكل يحبها فقد عرض عليها صاحب معرض الأدوات المنزلية أول ناصية الشارع الذى تسكن فيه، إدارة المعرض لانشغاله بالسفر طول الوقت في شراء مستلزمات المعرض، بعد شهور أثبتت جدارتها بأمانتها وحسن التعامل مع العملاء، عنتر ابن صاحب المعرض يكبرها بأعوام ثلاث، منذ أن عملت فرحه في المعرض وعنتر لم يغب يوما واحدا، وهو الذى كان يلعب مع أصحابه طول الوقت، يأتي بالفطار الذى يتناوله معها ويشربا الشاي بتلذذ ضمن حكايات يشوبها المرح، صرح بحبه لها وهو الذى لم يدخل مدرسة قط، لدلاله الزائد ومعرفته أنه الوريث الوحيد لوالده، لم تجرب الحب من قبل والذي قرأت عنه يوما لا تدري أين؟ إذا رأيت ملامحك جميلة، فأنت تحب! لم ترفض الحب الذي لمسها وطار بها نحو السماء للمرة الأولى ومازالت هناك محلقة، لا تستطيع جاذبية الأرض على الإمساك بها هكذا يفعل بها الحب، أغمضت عينيها وحلمت بثوب الزفاف الأبيض، تفاجأت به يوما يقبلها عنوة، تعبيرا عن فوضى مباغتة، صدته غاضبة وهددته بأنها ستخبر والده بما فعل وقررت ألا تحادثه بعد اليوم.. بعدها لم يعد يذهب إلى المعرض، ولم تعد تراه، وهي التي عضها الفقر بنابه بعد أن اختطف الموت والدها وهى طفلة، دنيا لا تعطينا كل ما نريد حتى لو أوهمتنا أنها طوع إرادتنا، ولأنها قادمة من حارات ليل معتم، قررت أن تفتح الشرفات وتدعو الصباح، ليشاركها فنجان شاي بالنعناع، وتدعو عنتر.

الحادث

كانت العاصمة الإدارية الجديدة بمثابة الحلم، بعد تخرجه مهندسا مدنيا وهناك وجد عملا يتناسب ومؤهله، شهر عمل وإجازة أسبوع يقضيه بين الأهل، مثل كل الشباب يحلم بالزوجة والبيت والأولاد، اختار ابنة عمه الطبيبة في المستشفى العام، تحابا وتزوجا وأفرخ الزواج عن طفل مثل القمر، والده فلاح بسيط مازال يفلح الأرض التى ورثها عن أجداده والتي لم يفرط فيها وهي لأولاده من بعده، 

مع بقرات ثلاث ينتجن اللبن والجبن القريش والعيش البتاوي والفطير المشلتت التى تعكف الأم على إعداده لابنها المهندس ولأصدقائه في كل سفرية، حتى كان يوما ودع فيه المهندس والديه وأسرته وحزم حقائبه وسافر، في مساء نفس اليوم طرق الباب شرطي يحمل بطاقة ابنهم والجاكت الجلد الذي كان يرتديه وهاتفه، معتذرا أنه يحمل خبر فاجع، ابنهم وقع له حادث أودى به في الميكروباس الذى كان يستقله بعد تفحمه إثر اصطدامه بناقلة مازوت في الطريق السريع، تشوهت الجثث وأمكن التعرف على ابنهم من البطاقة والهاتف المحمول، يوم صعب وقاس في نقل الرفات وصدمة مروعة، بين الأهل والأصدقاء، وحزن خيم على القرية كلها، في اليوم التالي للوفاة داهمتهم مفاجأة غير عادية كادت أن تودي بهم، إبنهم المهندس يطرق الباب بعد أن عرف بخبر وفاته عن طريق شقيق صديقه الموجود بالقرية ويشاركه العمل في نفس المشروع بالعاصمة، اختلط الحابل بالنابل بين فرح وبكاء الأهل والجيران والأحباب، مفسرا الابن ما حدث: أنه نسي الجاكت الجلد وبداخله البطاقة وهاتفه المحمول في إحدى الكافتريات على الطريق، وحين عاد لاستعادتهم لم يجدهم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.