عاتكة وورقة التوت 

عاتكة وورقة التوت 

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان الأميركي هارولد كوديو

صديقي، هل تتذكر كلمة السيدة فيروز في مسرحية هالة والملك، عندما نزعوا الأقنعة في الحفلة التنكرية قالت: وجوهكن الحقيقية خوفتني؟ لكن ما أنا متأكدة منه أن الحياة التي نعيشها أكبر حفلة تنكرية.

جلست عاتكة على جدار صغير يفصل الرصيف عن حديقة المنزل في زاوية مظلمة لا يراها فيها أحد، وكانت كلما فاضت دموعها تمسحها بأصابعها وكفيها لأنها استهلكت ما كان بحوزتها من مناديل ورقية لتجفيف منابع الدمع هذه.. قبالتها هناك في السماء كانت معركة من الرصاص تقام، ولا شيء يدل على سبب المعركة سوى زغاريد النساء التي كانت تعبيرا عن الفرح، داخل البيت في الصالة الكبيرة كان حشد من المعازيم يجلسون على الكراسي حيث عقدت حلقة دبكة يتوسطها بعض الراقصين.. الجالسون هم كبار السن وهم من يؤدون واجب اجتماعي، أما المشاركون فكانت مشاركتهم من أجل قتل الروتين والتنفيس عن معاناتهم وإحباطاتهم، فكانت أصوات طرقات أرجل الذين يدبكون على البلاط أقوى من صوت مكبرات الصوت، والخصور التي تتلوى في الرقص تتمايل أكثر مما تتطلبه إيقاعات الأنغام.

في الغرفة الأخرى والتي كانت كبيرة أيضا، لكن أقل اتساعاً من الصالة، كان العروسان مع خاصتهم ترافقهم موسيقى خاصة بالحدث، وكأن المكانين منفصلين.ماجد وجلنار يتوسطان الغرفة وأصوات ضربات قلبيهما تطغى على كل الضجيج الخارجي وكأنهما في مكان ثالث منفصل أيضا.كانت أم ماجد تقف إلى جانب ابنها بعلبة الحلي التي هدأت في يديها بعد أن دارت دورات عدة على أكف ورؤس الصبايا لاستعراضها، مد ماجد يده لعلبة الحلي وأخذ منها خاتمين، مد خاتمه لجنار، واحتفظ بخاتمها بيده كي يلبسها إياه، مدا يديهما وسط أصوات التهليل والتشجيع. وعندما استقر الخاتم في إصبع جلنار كان ماجد قد طوق قلبها وعقلها وليس إصبعها فقط، وقفل الطوق وتخلص من المفتاح، أما جلنار فلم تكتفي بتطويق إصبعه وقلبه وعقله بهذ الخاتم إنما كانت قد طوقت أحلامها، والتي لم يكن لها حد يحدها، فربما لو أتيح لها أن تطوق كوكب الأرض بهذا الخاتم والكواكب المجاورة، لوجدت أنه مازال يتسع للمزيد. 

يد باردة صلبة قوية لرجل طويل عريض المنكبين وضعت على كتف عاتكة ومد اليد الأخرى ليساعدها على النهوض قائلا :هيا ابنتي حبيبتي تجلدي واصبري ربما الخير فيما اختاره الله، لا تظهري ضعفك لأحد، يجب أن تباركي للعروسين بوجه مشرق وأن تتمني لهما السعادة.

انصاعت عاتكة لمشيئة والدها ووقفت في دور المهنئين وعندما حان دورها عانقت العروس وهمست في أذنها بكلمات التهنئة، وعندما وضعت يدها في يد العريس لتبارك له نظرت في عينيه ولم تستطع أن تقول أية كلمة إنما همهمت بكلمات لم تقو شفتيها على النطق بها، مرة أخرى تشجعت واستجمعت قواها إلا أن شفتيها خذلتاها للمرة الثانية، رسمت ابتسامة حمقاء مدارية ألما فاض من عينيها. سحبت يدها من يده ولم تنس أن تسحب ذيول خيبتها، وتوجهت نحو بيتها متسائلة لماذا خلقتني يا الله؟ أيا حجارة الطريق كوني شظايا ومزقيهما هما ومن معهما في هذا المأتم.. أيا نجوم كفي عن التحديق بي، لا أريد شفقتك، فقط لو نيزك واحد يسقط ويحرقهما! فلتكف الطيور عن الغناء ولتجف أرحام النساء.. لتتوقف النباتات عن النمو.. لتغيض الأرض بمائها.. فإن مت بطعنة غدر فليمت الجميع. 

دخلت إلى غرفتها وألقت برأسها على الوسادة، تلك التي كانت تعرف كل أحلامها وكل وشوشاتها؟ هل تقول لها توقف عن الحب أم أنه غدر؟ استكانت وشرعت بالدعاء: ربي أفض علي صبرا يفوق صبر أيوب، أيوب كان يعلم أنه قدر الله وإرادته، أما أنا فأحتاج لصبر أكبر لأن الغدر يحتاج لقوة نادرة كي نتخطاه على عكس من يقوم به فهو لايحتاج أي مجهود. ربي لا أريد صبرا أريد فقدان ذاكرة أو موتا! كيف تنساه وهو كان لصيق ذاكرتها كلما أمسكت جدائلها ومشط الشعر، وأحمر الشفاه وسواد كحل العين وعطرها كل شيء يذكر به وبصخبه ونظرة عينيه ولمسته وابتسامته، غضبه وحنوه، عنفوانه ورقة مشاعره، غضبه وحنانه، حزنه وفرحه، زعله ورضاه، كبرياءه وعزة نفسه، صفاء وغيوم روحه، كيف تقنع نفسها أن كل هذا كان وهما ولن يعود شيئا منه؟ ما هذه الحياة التي لاتعير بالا لنهايات أبطال الحكايات ولا لنهايات الحكايات ذاتها فغالباً ماتكون النهايات مؤلمة ومقطوعة بشكل موجع.. كنا سابقا نتحدث عن الشيء ونقيضه، لقد ذهب الشيء وبقى النقيض، ذهب الوفاء وبقي كسر الخاطر، التخلي، الكذب، النفاق، الطمع، الجشع، الخذلان، الوجع، الضحكة الباهتة، الدمعة الحارقة، الذكريات الموجعة، الخوف، التعلق، القلق، التوتر، الوعود المزيفة، الكره، الحنق، الغضب، الأبواب المواربة، شظايا المرايا المكسورة، النوافذ المغلقة، الستائر الممزقة، قلة الأمن والثقة والأمان، الوقوف في مكانين، النظر إلى اتجاهين، القلوب.. القلوب المتقلبة، والعيون المتحجرة، والكثير أيضا، فالوفاء يشمل جميع جوانب الحياة والنقيض كذلك.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.