الزواج والإيجار الدائم

الزواج والإيجار الدائم

اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج

أعلن الفيلسوف “عبد الوهاب المسيري” أنه تمتع بالحياة مع زوجته خمسين عاما، وقام خلالها بتجديد عقد الزواج ثلاث مرات، لا يقصد أنَّه طلقها ثم ردَّها إلى عِصمته، ولكن في بداية مراحل معينة من رحلة الحياة، مثل حصول أحدهما على الدكتوراه، كان يجلس معها يتحدثا في هدوء وسلام، يتبادلا استعراض رحلة الزواج التي قطعاها معا، كيف كان معها وكيف كانت معه، وما الذي يريد كل منهما أن يستمر أو يتوقف، وبعد حديث صريح وطويل، قد ينتهي سريعا أو بعد عدة لقاءات يقول لها: أنا أريد أن أستمر في رحلتنا الزوجية معا! فهل تقبلين؟ أم تفضلي أنْ تواصلي رحلة الحياة بدوني؟، وفي كل مرة كان يوافق الطرفان على استمرار الحياة الزوجية.

في هذا الإجراء ينهض كل منهما وقد عمل تحديث معلوماتي ومفاهيمي للعلاقة بينهما، يقول المسيري: “الزوجة ليست كالشقة الدائمة الإيجار، ليس حتما استمرار الزواج بنفس شروط التعاقد الأولى، ففي مسار العمر يحدث تغير للإثنين، كما أنَّ في مسار الشقة يحدث تحرك للأسعار والقيم، ولهذا يجب أن يتوقفا في محطات للمراجعة، حتى لا ينجرفا رغما عنهما، فأكثر الناس ينجرفون ويتألمون ويندمون”.

الميثاق الغليظ بين نفوس إنسانية، تنفعل وتتفاعل فيخالطها شوائب قد تُكدرها، لو لم نُفتش في هذه النفوس كل فترة عما تراكم عليها، يصبح الميثاق الغليظ عبئا وقيدا ومصدر يأسٍ، بدلا من أن يكون مودة ورحمة وجنة الدنيا التي لا يخطر بالبال مغادرتها.

يتفاعل الزوجان يوميا في ساقية واحدة، ويدير كل منهما جانبا منها، وهذه الساقية تأسرهما وتُقَوْلب حياتهما، وتتيبس المشاعر والأحاسيس، ولهذا كان من الروتين الصباحي اليومي للمسيري وزوجته الفوز مبكرا ب “لحظة الصفاء”، هكذا أطلق عليها هذا الاسم، يجلسا بالشرفة وحدهما، يتناولان فنجانا من القهوة بعيدا عن الأولاد ويتحدثان في كل شيء عدا مشاكل الأولاد وأخبار اليوم والليلة المعتادة، يبتعد الأولاد عنهما ولا يقتربا، لأنهم يعرفون قُدسية هذه الدقائق اليومية، فهذه الجلسة نوع مختلف من العلاقة الحميمة بين الزوجين، بها يحافظان على الصداقة والصحبة والتفاهم بينهما.

المفكر المصري “عبد الوهاب مطاوع” مُحرر باب “بريد الأهرام”، سئل في لقاء صحفي عما ينقص بيوتنا بوجه عام؟.. فقال:“الحب”.. فالزواج في المجتمعات الغربية مشروع لا يقوم إلا على الحب ولا يبرره سواه، أما في مجتمعاتنا فهو في كثير من الأحيان مشروع تحركه رغبة الشاب في الاستقرار ورغبة الفتاة في الستر، وهي دوافع شريفة في حد ذاتها، لكنها وحدها لا تكفي لضمان السعادة خاصة حين تلح على أحد الطرفين فتدفعه للإقدام على مشروع الزواج بدون دراسة كافية للطرف الآخر، وأحيانا بلا مجرد القبول النفسي له، وهذه كارثة تنفرد بها مجتمعاتنا، حين يرى كثيرون مؤشرات الفشل واضحة خلال فترة الخطبة ثم يستمرون في المشروع كأنه قدر مكتوب لا حيلة لهم فيه أو كأنهم يسيرون نياما إلى مصير لا يستطيعون دفعه، والنتيجة مزيد من البيوت الخالية من الحب وكثير من المشاكل”.

الزواج في بلادنا مغامرة إلى المجهول، وهذه المغامرة شديدة الخطورة، وتستغرق الحياة، وتثمر أولاد وبنات، هي مغامرة بالنفس وبالآخرين، ولكننا مع ذلك نندفع إليها بنفس الوسائل والأدوات والنفسية والأفكار دون تطوير، هذا هو سر كثرة الشقاء والشقاق في بيوتنا، ولهذا يكون الفراق غير جميل.

في عام 1975 عُرض فيلم “أريد حلا” لفاتن حمامة ورشدي أباظة، جسدت القصة مشكلة المرأة المصرية التي هي أسيرة الرجل، فيستطيع قهرها إلى بيت الطاعة بالقانون، ويحيا حرا دون قيود بينما لا تستطيع المرأة الحصول على الطلاق خلال سنوات طويلة، وتسبب هذا الفيلم الذي كان وراءه إرادة سياسية في إصدار تعديلات لقانون الأحوال الشخصية، عندما شاهد الناس هذا الفيلم كانوا موزعين بين شعورين، الأول التعاطف مع المرأة، والثاني الشعور بخطر المؤامرة، ففي عادة الناس عدم الوثوق بمن يقفون وراء دعوات تحرير المرأة، هذا بالإضافة إلى أنَّ التيارات الدينية شنت هجوما على العمل السينمائي والقرار السياسي، وكنت متأثرا بالفريق الثاني، ومع التطور الفكري أدركت فائدة هذا التطور، وتعلمت من هذه التجربة أن أنظر للفكرة مجردة دون النظر إلى من يعرضها.

أكثر شكوتين سمعتهما هما الزوج المدمن والزوج الذي يعتدي بالضرب، الغريب أنَّ من تشتكي، مضى على زواجها سنوات ولديها عدد من الأولاد، وهذا يعني أنَّ أكثر النساء تُواصل مشروع الحياة الزوجية مهما طفح من عيوب الرجل، والزوج الذي يضرب زوجته مرة ولا يجد من يعاقبه، سوف يعتاد هذا الأسلوب.

لي صديق من المملكة العربية السعودية، حدثني أنه قاموا بتطوير عُرْف بدأ ينتشر بينهم، الأول، هو تأخير الإنجاب ستة أشهر أو عام حتى يتأكد الزوجان من توفر عوامل نجاح الحياة الزوجية، الثاني، أن “المطلقة والبِكْر لهم نفس المعاملة والاعتبار بين الناس، فأعجبني كلامه وحَمَدت هذه العقلية التي تتعامل مع الواقع.

أعود إلى مجتمعنا المصري فأراه قاسيا على نفسه وأبنائه، متحاملا في نَظْرَتِه إلى المطلقة، أحمقا حين يلح على الزوجين في الإسراع بالإنجاب، مجتمع متشبع بأفكار ليست أفضل مما كان لدى مجتمع العصور الوسطى.

لتقليل مأسي الطلاق يجب المبادرة باتخاذ إجراءات وقائية بخصوص الزواج والإنجاب، وتتحول هذه الإجراءات سريعا إلى عُرف مجتمعي، يقوم الزوجان بتناول وسائل تمنع الإنجاب لمدة ستة أشهر على الأقل، ولا يُتَخذ قرار الإنجاب إلا حين يتأكدا من: 

– أنَّ الزوج/ الزوجة ليسا كارثة أو ابتلاء.

– أنَّ أسرة الزوج/ الزوجة لن يُكَدِّرا حياتهما ولن يجلبوا المرض النفسي للزوجين بتدخلهما.

– وجود التوافق الجنسي الضروري للحياة الطبيعية.

هذا الإجراء ضروري لمنح الزوجين الحرية في الانفصال دون أولاد وبأقل الخسائر.

الزواج نعمة لا نحسن تقديرها بسبب الاعتياد والإلف، علينا أن نستحضر دهشة ومشاعر الذي رُدَّ إليه بصره، حين يرى الأشجار والسماء مرة ثانية، ودهشة ومشاعر من ينهض من مقعده بعد عجز شهور طويلة، نحن لا نندهش من المعتاد الذي في جوهره معجزة ونعمة، ولا أرى نعمة تعادل الحياة الزوجية، لا أنسى حماس وقول صديق لي بعد شهور قليلة من زواجه فقال: تخيل أنَّني حين أريد تناول القهوة تعدها لي زوجتي وتقدمها لي؟ تخيل أنني أحيانا حين أريد شراء شيء أو إنجازه تقوم زوجتي به بدلا مني؟

لم أستغرب كلام صديقي، فأنا أعرف أنه كان وحيدا، وقد أدهشه حدوث ما فقده في حياته.

رأي واحد على “الزواج والإيجار الدائم

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.