الحياة بلا أشواك

الحياة بلا أشواك

اللوحة: الفنان الألماني أدولف شرير

حين أتساءل عن أفضل أيامي، أجدها عندما حدث انحناء حاد في حياتي، أجبرني على السفر للخارج والعيش سنوات وحيدا، هناك وجدت نفسي ونَما إيماني وفكري وسَلم قلبي، ولا أنسى المحنة التي سبقت هذا السفر، حين بلغ الشعور بالظلم أنني لم أكن أفلح في الإمساك بكوب المشروب الساخن دون أن يهتز ويتساقط منه قطرات على ملابسي، بينما مرتكب جريمة القسوة والظلم يراني فيحول عينيه عني بينما قلبه يرقص فرحا خبيثا وشريرا، ولكني تعلمت فيما بعد، أنَّ أعداءك عندما يتعاونون على ظلمك وقهرك، وينجحون في إزاحتك، لا بد أن الله تعالى شاء أن يتغلب عليهم، ليكون من حقدهم وقسوتهم الطاقة التي تقذفك سالما إلى حيث الأمان، فتجد نفسك التي تاهت منك طوال حياتك، وفي نهاية الرحلة لا تملك إلا أن تشكرهم على حقدهم وإيذائهم وتعمدهم قهرك، فلولا تلك القوة الشريرة ما كان يخطر ببالك هذا الانتقال الذي كان من المستحيل أن تلين نفسك لتتقبله.

هذا هو درس الحياة، الحياة لا تثمر الزهور بدون الأشواك، ولوحة الحياة لا ترسم بلون واحد، لا بد من تفاعل اللونين، الخير والشر.

وصف الله تعالى قصة يوسف عليه السلام؛ أحسن القصص، ماذا لو نُزعت أشواك القصة واقتصرت على عَيْشه هانئا في بيت يعقوب، وحين يُرسل الله الرؤيا إلى الملك، يفسرها له يوسف فيوَلِّيه المَلِك وزيرا له.

في هذا السيناريو يُعفَى يوسف من أشواك الحياة الحادة والمؤلمة التي تمثلت في (خيانة وغدر إخوته – ظلام البئر- البيع في سوق العبيد- فتنة امرأه العزيز- السجن الطويل).

وهذا الخيال أشبه بسؤال ساذج مشابه وهو: لماذا لم يخلقنا الله ملائكة وتتجسد المدينة الفاضلة على الأرض؟

الرحلة التي قطعها يوسف من بدايتها إلى نهايتها هي التي أنتجت يوسف الصديق، فخياراته الصالحة المتتالية هي السلالم التي صعد عليها إلى ثمرة الحكمة وعِلم التأويل وجعلته محلا صالحا لوحي الله.

الرحلة التي يقطعها الإنسان في الأرض سلسلة خيارات قد تنتج الإنسان الصالح أو الفاسد، فالخلل ليس في الرحلة وأشواكها ولكن في طيش الخيارات وفسادها.

الفشل خيار. الإيمان خيار. الكفر خيار. السعادة خيار.

حياة الإنسان ماكينة محايدة، تنفعل تلك الماكينة بسلسلة خياراته المتتالية، فالخيارات مثل منعطفات الطرق التي تنتج سيناريوهات بلا عدد، هناك خيارات الخير وخيارات الشر، وللخيارات نتائج مختلفة تصب في قلب ووعي الإنسان في رحلة نضجه.

في أحد المصانع كان هناك بعض العمال الذين يقومون بتصرفات فيها خسارة للمصنع، ولا يلتزمون بقوانينه، وصاحب المصنع يرى هذا ولا يتدخل ولا يُبْدي عدم رضاه، ينظر لمن يجتهد ولمن يكسل ولمن يُخَرِّب بنفس النظرة المحايدة، عندما هم أحد العمال الغيورون بمحاولة وقف العامل المفسد والتصدي له، قال له عامل قديم وخبير في المصنع: “طالما صاحب المصنع قادر على إيقافه أو طرده ومع ذلك لا يفعل، فلا بد أنَّ هنالك هدفا وخطة وحكمة”. 

سوف أتخيل أول نزول الوحي على الرسول محمد ﷺ يقال له:

“انطلق إلى يثرب، ستجد الأوس والخزرج يقتتلان منذ سنين، حتى كادوا أن يُبادوا، أشعل اليهود بينهم الحروب، وأخبروهم أنَّه يوشك أنْ يَبعث الله نبي، ولو رأوك سوف يصدقوك وينصروك”

وبدلا من أن يمكث الرسول ثلاث عشرة سنة بمكة يعاني من كفار قريش ومقاطعتهم وإيذاءهم، ينتقل إلى يثرب فيصدقوه وينتشر الإسلام.

بهذا السيناريو البسيط قد شطبنا من القرآن السور والآيات المكية، وتصبح سيرة الإسلام مثل السكين في الزبدة، سيرة بلا أشواك، بلا أبي لهب ولا أبي جهل ولن يُحكى عن عذاب بلال وقوله: “أحد أحد”. 

ومن الممكن افتراض سيناريو أخر، أنْ يقال له:

“اذهب إلى امبراطور روما، حيث الحضارة والقوة والدين المسيحي الذي ينتظر نبيا يُبعث، وسيصدقونك وينصرونك” ثم يبدأ الإسلام قويا برعاية إمبراطور قوي وأمة متدينة.

ولكن الذي حدث في الواقع، ما نعلمه جميعا، أنَّ الفترة المكية استغرقت ثلاثة عشر عاما، عناد وإيذاء ومقاطعة وتعذيب وعَنَت، وفي ظل هذا السيناريو نزلت الآيات المكية، ونضج أبو بكر وعمر وعلي وبلال وسعد وعثمان وبقية رجال الإسلام.

لولا التربية المحمدية في مكة ما سمعنا لعمر بن الخطاب ذِكر، ولن يكتب عنه التاريخ، وسيحيا ويموت مثل كل الناس، وكذلك حال كل الصحابة.

شكرا لقريش وعِنادها، شكرا لأبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان، شكرا لخالد بن الوليد حين تسبب في هزيمة المسلمين في غزوة أحد، وشكر آخر حين أسلم ثم قاد جيوش الإسلام لهزيمة الفرس والروم. ولهذا نتعلم ألا نلعن اللون الآخر حين يقوم بدوره، فالشر يستفز الضمير ويُنبت الإيمان بتحديه له وصراعه معه.

المدينة الفاضلة محرمة على هذه الأرض، لو وجدت لوجب على أهلها أنْ ينثروا على الفضيلة بعض مِلح الشر، أكثر بلوى يبتلى بها مجتمع أن يكون لونا واحدا، المجتمع الذي كل أفراده أشرار لا بد أن يكون مجتمعا فاشلا، المجتمع الذي كل أفراده أخيار لا بد أن يكون مجتمعا فاشلا، ولهذا كانت إرادة الله وحكمته أن يهبط آدم إلى الأرض مع إبليس.

رأي واحد على “الحياة بلا أشواك

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.