اللوحة: الفنان الفرنسي مارك شاغال
ترجمة صالح الرزوق

تناقضات مجتمع الكيان الإسرائيلي كبيرة، ولعل الصراع الخفي بين اليهود المتدينين والآخرين العلمانيين هو الصراع الذي لا يخبو تحت الرماد، ناهيك عن الصراعات الأخرى بين شرقيين وغربيين وفئات مختلفة من بلاد شتى.. وتتسرب هذه التناقضات إلى الأدب الإسرائيلي.. هذه القصة الساخرة للكاتب الإسرائيلي إتغار كيريت تبرز بوضوح حالة الصراع في ظل المواقف المتباينة من العدوان على #غزة خصوصا في ظل المطالبات بالتحاق المتدينين بالجيش ورد الحاخام الأكبر يتسحاق يوسف أن ما ينجح فيه الجيش هو بفضل التوراة وصلاة المتدينين، فالسخرية هنا سخرية اليهودي العلماني من الآخر المتشدد.
لمدة عشرين عاما وياحيل ناخمان يصلي لربه. عشرون عاما كاملة لم يمر فيها يوم لم يطلب فيها من ربه الزواج والسعادة والعافية وأن يحل السلام على إسرائيل. ولكن لم يتحقق طلبه. بقي ياحيل ناخمان مفلسا، وعازبا مريضا، ودون أن يلوح السلام بالأفق. ومع ذلك لم يتخلف عن التواصل مع ربه ليلا ونهارا، ولم يفرط بصلاة واحدة من ثلاث صلوات مفروضة يوميا.
ثم صالح ياحيل ناخمان ما بين قلبه وصلواته غير المستجابة. فالصلاة هي تقوى يحركها الحب والعدل، غير أن الحياة لا تعدو أن تكون هي الحياة: صعبة وفقيرة روحيا ومهينة. ولذلك من الطبيعي ألا يلتقي هذان العالمان المتعاكسان. غير أنه في 7 تشرين الأول عام 2023 – الموافق لليوم الثاني والعشرين من تشري في عام 5784 – فاجأه شيء ما. في ذلك الصباح وحينما بدأت العطلة السعيدة للاحتفال بذكرى سيمشات توراة، تعرض المئات ممن حوله لمجزرة. واختطف عدد آخر من بيوتهم ونقلوا إلى مدينة معادية.
وجد ياحيل ناخمان نفسه، قبل أن يتوفر له فرصة لهضم الأخبار، ملفوفا بمبذل الصلاة، وواقفا على شرفة شقته الصغيرة في بيت شمش، ودون طعام ولا شراب. فقط اكتفى بالصلاة لعدة ساعات. وتوسل للخالق قائلا: يا رب الأرواح التي استرجعتها – تخيرتها لنفسك واسترجعتها، ولكن يا الله، ارحم الأبرياء الذين اختطفوا من أسرتهم مع تباشير الفجر، ويا الله أعدهم إلى بيوتهم آمنين.
في الصباح التالي، بعد عشرين ساعة متواصلة من التعبد، فتح ياحيل ناخمان هاتفه المحمول، ولم يجد في صفحة الأخبار شيئا جديدا.
ارتدى معطفه، وأسرع إلى بيت حاخامه، الحاخام نيحيميا ميتلمان. وقال له: “يا حاخام. للأسف فقدت إيماني. أتيت لأودعك قبل أن أتخلى عن طاقيتي وأقص جدائلي”. سبر الحاخام ياحيل ناخمان بنظرة ثاقبة وسأله بهدوء: ماذا أفقده عقيدته. رد يا حيل ناخمان المنهك: “طيلة الليل وأنا أصلي للرب المقدس من أجل أرواح الرهائن. صليت له ليحفظهم ويحررهم. ولم أصل من نصف قلبي كالعادة، ولكن بتقوى تامة. ومع ذلك لم يلبِ طلبي. أطلب مغفرتك يا حاخام. فقد ضاع إيماني. ولا يمكنني بعد الآن أن أضع ثقتي بإله متحجر القلب ولا يصغي لصلاة إنسان نقي مثلي”.
كرر الحاخام وهو يمسد لحيته: “بتقوى تامة. هل يمكن أن أسأل ماذا تعني تقوى تامة؟”.
استفز الكلام ياحيل ورد: “التقوى؟ يعني بكل جوارحي”.
قال الحاخام وهو يهز رأسه بحزن: “لم تكن صلاتك من كل قلبك. لو أن هذا صحيح، لاستجاب لك الله. لا بد أن صلواتك تقية تقريبا. تقية أكثر من المعتاد، ربما، ولكن ليست كاملة تماما”. ثم لمس كتف ياحيل ناخمان لمسة أبوية وقال: “اقترح يا ياحيل أن تصلي بمزيد من الورع عوضا عن حلق لحيتك وجدائلك. من رعشة صوتك أرى أنك اقتربت جدا جدا”.
وهكذا عاد ياحيل ناخمان أدراجه إلى شقته، وارتدى مبذل الصلاة مجددا، وتابع صلواته. وحينما كان يصلي بحث عن أي تقصير في إيمانه وصدوع في نواياه، ووجد مع أنه يصلي معظم الوقت بجماع قلبه، كان قلبه يتصدع في لحظات عابرة: وحينما تهمس شفتاه قائلا “فيرجعون من أرض العدو”* يفكر قلبه برقبة البائعة المبتسمة ذات الرقبة الطويلة كبجعة في بقالية أوشير، وصاحب البيت الجشع، والوصفة الطبية التي عليه شراؤها من الصيدلية منذ مدة بعيدة. ومنذ انتبه ياحيل ناخمان لهذه الأفكار الدنيوية التي تتخلل صلواته، بدأ يركز طاقاته ليمحوها بالتدريج من ذهنه.
تعرق ياحيل ناخمان، مثل رجل يدفع حملا ثقيلا على سفح مرتفع، وهو يصلي بصوت لاهث. تعرق وصار يلهث، وصار يلهث ويتعرق، حتى اقتلع الأفكار الشائنة من قلبه وأفسح المجال لمزيد من الورع والإيمان، حتى غمره كلاهما. وأصبحت صلاته مختلفة على الفور – لم تتدفق منه سلسلة آيات من كتاب الصلاة، ولكن خرجت منه أدعية متألمة وصادقة. وهذه الأدعية مثل أي دعاء نقي كانت غير محدودة، لا تهتم بأحوال إخوته المخطوفين وأمته، ولكن تتوسل من أجل سلامة كل الجنس البشري، ومن بينهم الأعداء. وتابع ياحيل ناخمان تلاوة صلواته بحنان، مثل فارس فقد زمام حصانه، واستمع بتعجب لابتهالاته، كأن شخصا آخر يتلوها. وفي نهاية صلاته التي استغرقت 30 ساعة عجيبة، عاد ياحيل ناخمان إلى هاتفه المحمول، ولاحظ من الأخبار إطلاق سراح رهينتين، وأنه في هذه اللحظات يجري التفاوض مع العدو على وقف إطلاق النار.
وشاهد ياحيل ناخمان في تلك الأمسية، حينما ذهب إلى بيت العبادة، الحاخام ميتلمان يراقبه باهتمام. وعندما تلاقت عيونهما ابتسم له الحاخام وهز رأسه. شعر ياحيل ناخمان في طريق العودة كأنه لا يمشي على رصيف من الإسفلت التافه، ولكن كأنه يسبح فوق الغيوم في السماء. وورد في خاطره: ما دامت المشاكل الأساسية على وشك أن تنتهي، سأخصص صلاتي القادمة لنفسي.
كان منهكا، ولكنه في تلك الليلة لم يقصد سريره للنوم، وصلى بكل جوارحه من أجل أن يرزق بزوجة وأولاد. وفي البداية طلب من الخالق أن يقرب بينه وبين البائعة في بقالية أوشر. ولكن صلاته مثل أي صلاة طاهرة، كانت تقية وكلماتها لا تخطر ببال ياحيل ناخمان، وتوجهت إلى الخالق بإلحاح ليجد له عروسا مناسبة. وشعر ياحيل ناخمان وهو يصلي بسمو روحه، وكأنه ولأول مرة في حياته لا يرى تفاصيل العالم الذي يحن إليه – ولكن روح هذا العالم. ولذلك لم يصل من أجل امرأة إنما من أجل الزواج. وليس في سبيل أطفال ولكن ليكون أبا محبا وحكيما. وتابع صلواته دون انقطاع، حتى سقط على الأرض وجبينه مشقوق ومصدوع. أسعفته جارته التي أتت من الأعلى، وضمدت جرحه، وأخبرته أنه سقط سقطة خطيرة وعليه مراجعة الطبيب فورا. شكرها ياحيل ناخمان وأخبرها أنه كان متعبا. وربما أصابه الجفاف أيضا. وكل ما يحتاج له قليل من الماء، وبعض الطعام، وشيء من الراحة، وسيتحسن بالحال.
ثم غادر شقة جارته، وذهب إلى بقالية أوشر، واشترى عدة أكياس من الشنيتزل المجمد، وست زجاجات من المياه المعدنية. وفي لحظة دفع الثمن لمعت ابتسامة البائعة ذات الرقبة الطويلة، وقالت له لا بد أنه مغرم بالشنيتزل. ابتسم ياحيل ناخمان بالمثل وقال إنه فعلا يحب الشنيتزل، مع أشياء أخرى. ولم يتواجد حينها زبائن آخرون، فتابعا الحديث عن الطعام – وبالأخص السوشي الكوشر. ووعدها أنه في المرة القادمة حين يأتي ليشتري لوازمه، سيحضر معه زجاجة خل الأرز الذي لا يتوفر إلا في جيروزاليم، وهذا الخل يسهل التصاق حبات الأرز مع بعضها البعض مثل مغناطيس على باب ثلاجة.
استلقى ياحيل ناخمان في الليل على سريره، وبقيت عيناه مفتوحتين، وفكر ببساطة وروعة هذا العالم. والمعاناة والمحن التي عليه أن يتحملها في كل يوم من أيام حياته، لأنه لا يعرف ماذا يريد وكيف يطلب ما يريد. وكانت تلك آخر فكرة مرت في ذهنه، قبل أن يطبق عينيه ولا يفتحهما بعد ذلك.
شرحت الطبيبة لوالدي ياحيل ناخمان المفجوعين أنه، على الأرجح، حينما سقط وضرب رأسه، عانى من جرح في الدماغ. ولو أصغى لنصيحة جارته ولم يذهب للنوم وذهب إلى الطوارئ، لما انتهت حياته. وبعد أن انهت الطبيبة كلامها قطبت وجهها بطريقة محزنة.
ولكن روح ياحيل ناخمان لم تكن شقية تماما. فهي الآن في العالم الآخر، وكل شيء هناك مرتب. ليس بنسبة 99%، ولكن على أتم ما يرام. كل شيء مكتمل. وأمضى ياحيل ناخمان في ذلك العالم ساعات طويلة في نقاش مع الخالق. ووضع أمامه شكاواه ونفوره من الجنس البشري. أصغى له الرب بصبر غير محدود وهز رأسه بتفهم. وكان يصغي له مع أنه لا يعرف عماذا كان ياحيل ناخمان يثرثر.
عن الغارديان. عدد 3 كانون الأول 2023 / الترجمة إلى الإنكليزية جيسيكا كوهن
*من سفر إرميا. 31:16

إتغار كيريت Etgar Keret قاص وكاتب روايات مصورة ومسرحي إسرائيلي. حاز على جوائز كثيرة من بينها: رتبة الفنون والكتابة عام 2010 وجائزة سبير عام 2018. من أهم أعماله: السنوات الطيبة السبعة 2013، فجأة أسمع دقة على الباب 2010، طار فعلا 2018 وغيرها.