محمد عطية محمود

أي ّ موتٍ مفجعٍ ،/ وأي انطفاءْ ،/ قد كانَ / في انتظارنا ، / لولا / عذوبة النساءْ !!
تتشكل المرأة/ القصيدة في نصوص الشاعر العراقي “عذاب الركابي” “هذه المرأة لي” (الصادرة عن دار البيان للنشر والتوزيع ـ بنغازي ـ ليبيا ـ 2006)، على نحو من التنوع والتفرد من خلال مستويات يبدو فيها وعي الشاعر باللحظة/ الحالة، متحكما في مسارات تأويلها، ومن قبلُ طرحها على حيز الأرق والإمتاع معا، بحيث تنبثق هذه المستويات والسمات من خلال الرمز الأكبر للمرأة والذي هو غالبا الحياة، والحياة هنا قد تبدو بمعنى/ صور القصيدة، والتي تتفرع منها كل المترادفات التي تعمل على توثيق عرى هذه المفاهيم المنبثقة من المفهوم الأشمل والأعم، وبحيث تبرز أهم التيمات التي يلعب عليها إبداع الشاعر في خلق حالة/ حالات من الشجن، الأرق، الوجد، التغلغل، التوحد، الانفعال، والثبات، مع العشق المتطرف المتيم، أو الإحساس بغبن هذا العشق على حد السواء، أو الغضب، الثورة، أو العودة عبر تخوم الوله المقدس مرة أخرى..
وقد تبدو فلسفة الشاعر في تقديم هذه الباقة من النصوص/ القصائد/ الصور التي تعبر عن ماهية المرأة في مشواره الشعري، أو بمستو آخر من مستويات التأويل بفعل المرأة الوجودي عبر متاهات الكون الفسيح؛ حيث يقول من خلف غلالة نصوصه ومن خلالها: “أردت أن أرسم حالة العشق، عشقي أنا الممغنط بالجنون، وربما هو عشقكم النابض بالحياة” ص7
وقد يكون هذا المدخل بمثابة الإهداء، وكعتبة كاشفة للنصوص التي ترى المرأة مصدرا للدفء الكوني ربما أغناه/ أغنانا عن لهيب المدفأة، فهي المرأة التي يقول عنها أيضا:
“امرأة،
ـ كنت أرتب عشب القلب لها ـ
أمنحها إذنا
للركض بذاكرتي،
والسكن بوجهي،
وبأنهار يديّ،
امرأة .. يا الله !! ” ص10
مشكلاً فضاءً شعرياً رحباً تتحول إليه الذاكرة المتخمة بالأرق والألق معاً إلى علاقة تعبدية تأملية تنحو نحو الصوفي من التعبير، والتغلغل الحسي النفسي؛ فهي التي يطلق لها عنان صوره الشعرية الزخمة بالتعبير الكوني الفسيح المنطلق الى زوايا الكون وربوعه التي بلا تخوم، فهي التي تغازل من قاع هذه الذاكرة الغيمة، في قوله:
“رأيتُها
تغازل الغيمة، وتصطافُ في مُدنِ الرياح” .. ص11
هنا يتقابل الحس الداخلي المتخيل، مع الواقعي الرحيب المتأمل في صور تتكامل لتضع صورة مثالية للمرأة، تتكيء عليها حمى البداية لهذه النصوص التي تشتعل معها الحالات المتقاطعة مع هذه الحالة، فيطمح تعبيره الشعري الى معانقة الفلسفة الرابضة في قلب العاشق/ الشاعر، كإنسان تطارده هواجسه، حتى تقر في ذهنه حالة من حالات الحياة وتقلباتها، حيث تفرض عليه هواجسه أن يقول:
“اصنعْ
من سيفكَ
في حالاتِ العشقِ
امرأةً،
فقليل جدّاً
في هذا العصرِ،
تكون امرأةٌ،
للمجنون
بها سيفاً” .. نص هواجس ص 14
كما أنها تتشكل في الغياب، حلما للمجيء، والتحقق، أملا في تحقق غيب لا يجيء، ليؤطر النص لهذه الفلسفة الضاربة في عمق فكر الشاعر وشروعه في معانقة المرأة/ الحياة التي لا تعدو كونها حلما يقتله الانتظار، ومن منا لا يساوره هاجس/ أمل هذا الانتظار:
“أنا في انتظار .. لا أحد!
أقطف ُ
كل صباح، زهرةً
لأمنية موؤدةٍ..”
لكن الانتظار دوما مرتبط بالحياة، والحياة مرتبطة في الفكر والذهن برمزها الحاوي لأسرارها؛ فهي في نهاية النص امرأة/ حياة لا نتوقف عن بث أشواقنا تجاهها:
“قطرات الماء
تتشاجر على أرض ليست لي،
أبداً..
في انتظار امرأة لا تجيء،
مع ذلك
أكتب رسائلي الطفولية
لمدينة جاحدةْ”.. انتظار ص 21
هنا ترتبط المرأة بالحياة بالوطن، المتجسد في مفردة المدينة، ليرتقي النص برموزه ومعانيه إلى مستو آخر من مستويات تلقيه. إلا أن المدن تتحول بين أصابع الشاعر إلى نساء في نص “كل هذه المدن من صنع أصابعي”، حيث يناجي الشاعر وطنه/ امرأته مخاطبا غربته فيها:
“كل هذه المدن ِ المضيئةِ
من صنع أصابعي،
فإذا لم تطربك
موسيقى مشاعري،
فاسألي الدفاترَ
عن عواصف كلماتي!”.. ص 40
حيث يتموسق العشق بين الشاعر والوطن البعيد على نحو عشقه لامرأة تظاهره في حبها هذه العواصف التي يختبيء تحتها العشق المبرح:
“كل تظاهرات الورد هذه
قادتها دموعي،
فإذا أحببتِ
أن أبني
لكِ بيتاً،
من حناجر البلابل،
فاجعلي أمطارَ حُبّكِ
سيولاً.. ” ص40
لتكتمل الصورة بذلك التناغم المرجو بين الطبيعة الحالمة والواقع الذي سوف تحوله سيول العشق أو المقابل الذي يضعه الشاعر/ الإنسان رهانا على اكتمال الحلم.
لكنه يعود في نص “كل ليلة” ليواصل عملية التأرجح بين الأمل واليأس، تلك الحالة التي تصنعها دوما كل العلاقات مع المرأة في شتى صورها الحسية والمادية على حد السواء، فالمرأة/ المدينة التي يراهن عليها الشاعر في نصه السابق تعود إلى حيز كونها طيفا يعانق لياليه على نحو من هذا الشد والجذب، فتتحول إلى نجمة تشير بدلالتها الى سمو العلاقة بين الشاعر/ الإنسان ورمز المرأة في النجمة:
“كل ليلة،
أعيش أملا ً كاذباً،
وأهدر دمعاً لؤلؤياً،
في حضرة نجمة تائهة!!” .. ص 41
كما يتحول ظل المرأة إلى ظل قزحي، بمعنى التحامها الطبيعي بكل ألوان الطيف، فأي امرأة تلك الدالة التي لها جميع الألوان بكل سحرها وألقها..؟! فيقول في نص “طقوس”
“هناك
من يحب اللعب بالوقت،
منتشيا بسذاجته،
وأنا أحب اللعب بظلك القزحي،
والرقص على خطواتك .. ” ص46
والشاعر يوعز دائما عملية الخلق الإبداعي التي يمارسها وتمارسها معه قريحته الشعرية إلى تلك الروح المتمكنة منه أو شيطان/ ملاك الشعر، فالمرأة هنا هي هذا الملاك/ الشيطان، الذي يضع للشاعر المتوحد بها مطلع/ شرارة القصيدة، أو كما قلنا عملية الخلق والإبداع:
“هناك،
من يرتب حلمه
الضبابي
على إيقاع بهجة زائلة،
وأنا أرتب
حلمي الفستقي
على حرارة أصابعكِ،
وهي تضع لي
مطلع القصيدة !!” ص 47
كما يصورها بتكوينها الحلمي المستمد من الطبيعة الساحرة من حيث كونها “ثلج وبنفسج”، في نص “حلم”:
في يوم
شتائي عاصف،
يحلم الصيف بامرأةٍ،
من ثلج ٍ وبنفسج ٍ،
تمشط له شعره الكستنائي،
فيصحو
على صفعة
مطر بربري..
مداهم..” ص54
وهي الوردة أيضا في ومضة “صداع” المكثفة جدا حيث تلتحم الوردة/ المفردة الأنثوية، بالندى/ المفردة الذكورية التي يسوقها النص كما تصوغ الطبيعة هذه العلاقة الحياتية الصرفة بهذا التشكيل: “تصاب الريح/ بالصداع الحاد،/ لحظة زفاف/: الوردة للندي”
يشكل النص هذا الحضور الكوني المصغر الذي تتماهى فيه الوردة مع المرأة في عملية إيجاد الحياة أو رموزها، وكما يقول في نص “إحساس”:
“تقرأ كتاباً، / تصغي لوردةٍ، / تعانق امرأة ً،
كل هذه الطرق/ تؤدي/ إلى الحياة الجميلة” ص 61
وهكذا تعمل كل النصوص على تجسيد كل تلك الحالات الكونية الدالة على الارتباط بين المرأة ومفردات الطبيعة/ الحياة إلى أن تصل النصوص إلى ذلك المستوى من الرمز/ المعادل كون المرأة ذلك العناق الأثيري لمعنى أسمي من معاني الحرية والوجود، حيث يصير وجهها، مقترنا بدلالة الحرية والإشراق الموسوم بها الصباح كمفتتح لكل بشر، ومرتبطا بالقلق الدائم الذي تحفره خطوب الحياة في نفس الشاعر/ الإنسان من خلال تيمة الانتظار وظاهرة القلق الإنساني التي ربما شكلت إشكالية من خلال النصوص، تستحق أن يفرد لها بحث خاص: نص غزل ص72
“وهذا وجهكِ: / كتاب حريتي،/ وشوقك،/ الممغنط بآيات انتظاري:/ أول الصباح”
لينبثق الأمل مقترنا بالانتظار، مرتبطا بالحياة/ المرأة بكل صورها ورموزها، من خلال هذه النصوص التي تمتح من النفس البشرية بأسرارها، والطبيعة بتجلياتها، وأشواق الإنسان/ الشاعر التي لا تحدها حدود.