قصتان: حارس أمين – تحذير شديد اللهجة

قصتان: حارس أمين – تحذير شديد اللهجة

اللوحة: الفنان الفلسطيني سليمان منصور

  • حارس أمين

يقول “سعيد جبر” وهو خير من يقول، أفضل من يحيّر العامة معه: ما أراد أحد أن يقيم جدارًا من زجاج بيني وبينه ووقفت في وجهه..

بل أدعه يفعل ما يشاء.

 ربما أعونه

قد أحمل له الماء.

 أناوله المؤونة.

 أهش عن وجهه الذباب.

 أعدّ له قهوته.

 أحرس له ثيابه حتى لا يسطو عليها اللصوص. 

أمنع عنه المتطفلين من البشر والهوام.

فإن ينتهي من بناءه، أظل عليه حارسًا أمينًا حتى لا تصيبه الشروخ ولا تتسلل إليه التصدعات وينهار. نظل أنا و”سعيد جبر” ننظر لبعضنا من خلال الحائط الشفاف، نرقب حركة الشفاه، لكل منّا حرية الترجمة والقراءة، يصبح الجدار بمرور الوقت شاهدًا حيًا على وجودنا، حافظًا للسر.

 يتحسس “سعيد جبر” ملمس ونعومة الجدار الزجاجي، يستشعر برودته فيقشعر جسمه، يرتعد بعض الشيء، غير أنه يستمسك، يعود ويتحدث إلى الفراغ، يقول بصوت مبحوح: أي حياة هذه يا”سعيد” التي يتمرّد فيها الظل على صاحبه؟

ثم يمضي الوقت، حين يرى أن صدى صوته لا يرتد إليه، يدرك أن الأزمة استحكمت.

  • تحذير شديد اللهجة

“لا تجالس يا سيدي امرأة جميلة طالما أدمنت احتساء القهوة المُرّة”.. قال الجرسون نصيحته هذه بعدما وضع قهوتي على الطاولة، ثم أومأ إليّ كأنما يرغب في كلمة على انفراد، فغادرتها معتذرًا منها دقيقة، ثم همس في أذني بما سبق.

أدرت كلمته الموجزة في رأسي، استعدت ذكريات كثيرة بعضها من بعيد وأخرى طازجة لا تزال نشوتها تغمرني، أفقت على مفاجأة قاسية، أن مرارة قهوتي بالفعل تختفي وتقترب في مذاقها من الشهد المصفّى، يحدث هذا كل مرة في حضور امرأة رائعة الحُسن.

رددت على النادل إيماءته موافقة على حديثه بعدما شكرته وشددت على يديه بقوة، ابتسم الرجل ثم مال عليّ مرة أخرى، قال: لكل صباح قهوة مناسبة، فلا تخلط بين هذه وتلك، ثم ربّت على كتفي ودعا لي بالبصيرة.

لمّا عُدت إليها، وجدتها تنقر بأصابعها على الترابيزة، تزمّ شفتيها، تدير عينيها في أرجاء المقهى، تعود وتنظر لشاشة هاتفها المغلق.

 القلق قاسمًا مشتركًا بيننا. خوفي من مذاق لم أعتده من قبل، ولا أرغب أن أجبر عليه، خوفها أن أستيقظ من النوم.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً