مواجهة الواقع

مواجهة الواقع

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان الكندي ماثيو وونغ 

كان محمد في الصباح يعد فنجانا واحداً من القهوة؛ فلم يعد لديه رغبة في أن تشاركه قهوته حتى ولو بخياله، ويعد إفطاره بنفسه ويحضر طعاما جاهزا للغذاء أو العشاء؛ فلا رغبة عنده أن يأكل من يديها بعد أن تلوثت بلمس هذا المسخ الدخيل والذي يسمى ولدها، وبعد أن تعافت قليلا، بات يذهب إلى عمله بدون أن يشرب قهوته، فقط عليه الخروج من البيت قبل أن يسمع صوت هذا القرد البلوى والذي يوقظهما بصوته النشاز بمعزوفة صباحية تكرر كل يوم غير مدرك أنه هو وصوته بشع حد القباحة، وأنه نتيجة علاقة فاسدة بين أبوين فاسدين ولا بد أن يكون ثمرة فاسدة ستفسد بقية أيامه. 

فكر محمد بأن الأيام ستمضي وتمر وعندما تتعافى أمه سيتخلص منهما معا, من تلك الشجرة اللعينة ومن فرعها المأفون وهل من المعقول أن أتحمل رؤيته كل يوم، أو أن أسمح له أن يناديني أبي؟ وأن أرعاه وأسكنه في بيتي وهو ثمرة معصية للخالق؟ وهي تنجو بفعلتها وكأنها عفيفة وتستحق حياة كريمة؟ لا، لن يكون هذا أبدا! قليل من الصبر والزمن وسأتدبر الأمر وليذهبا إلى الجحيم، أشهر إضافية مرت وهم على هذا الحال، وكثيرة هي المرات التي كان يخرج فيها دون أن تراه ولا يعود إلا في ساعة متأخرة من الليل ولا تراه أيضا، إلى أن جاء يوم دخل فيه إلى البيت لأخذ محفظة نقوده والتي نسيها بسبب تعجله بالخروج، دخل بسرعة على أن يخرج بنفس السرعة كي لا يسمع صوته، وبالفعل لم يسمع في تلك الاثناء أي صوت، وعندما هم بالمغادرة انقبض قلبه من خشية أن تكون قد هربت بولدها جراء معاملته وضغطه على أعصابها، بحث في كل الأماكن قبل أن يتشجع ويدخل إلى غرفتها، فوجدها منكبة على الصغير في حضنها، نظر محمد لها ورفع رأسها بيده ونظر إلى الصغير كانت عيناه مسبلتين كأنه فارق الحياة ولا يوجد دليل على الحياة إلا نفسه المتقطع وجسده الذي كان كموقد خبى ناره ولم يبقى به إلا الجمر، مد يديه لسحب الصغير من بين يديها وكان خوفها على الصغير يمنعها من الاستجابة ولكن لمعرفتها بشهامة محمد أفلتت الصغير.

أخذ محمد الصغير إلى المشفى ولم ينتظر أمه لترافقهما، بعد مضي ساعتين لم تتحرك فيهما من مكانها مفكرة في سرها يا الله كم أنا شقية! يا نبي الله كيف تحملت فراق ولدك يوسف وابيضت عيناك؟ يا أم موسى كيف استطعت قذف ولدك في اليم؟ أولم تقذفي بقلبك خلفه؟ ولدي حبيبي أخطأت بحقك مرتين الأولى، بسبب طريقتي في الإتيان بك لهذه الدنيا والثانية بسبب مكوثي في هذا البيت، أقع وتقع معي تحت رحمة الخطيئة. 

قدم محمد ومعه الصغير الذي كان أفضل حالا، أعطاه إلى أمه مع الدواء بعد أن أرشدها لتعليمات الطبيب، قائلاً لا تخافي سيكون بخير، التهاب بسيط سيتعافى بإذن الله وانسحب من غرفتها وبعد زمن ليس بالطويل بدأت بالقيام بأعباء البيت وإعداد الطعام، كان يلحظ بأنها تقوم بوضع أشياءها بحقائب بشكل متدرج استعداداً للمغادرة لأنها تعتقد أنه لا يريدها انما دافعه الإنساني جعله يتصرف معها على هذا الشكل لكنها لم تتكلم وهو أيضا لم يتكلم فكان يشعر بجرح مضاعف, فقد خذلته في البدء وها هي تستعد للتخلي عنه برغم ما قدمه من أجلها.

ذات صباح كان يجلس على الشرفة يقلب كتابا مدعياً قراءته وفي الحقيقة كان بصره زائغ وفكره شارد عنه، تشجعت واقتربت منه ووضعت فنجاني قهوة على الطاولة وجلست على كرسي قبالته وباشرته بالكلام: عزمت نفسي على فنجان قهوة أشربه معك، فقال أهلا وسهلاً فوجدت في كلامه قبولا لها وتشجيعا ضمنيا على الكلام وفكرت، سأقول له كل شيء فقد تكون فرصتي الأخيرة في زوجي وحياتي وبيتي، وإلا إلى المجهول، وإذا لم يقتنع فلن أستمر على هذا الوضع مهما كانت النتيجة فهي لم تعد تستطيع تحمل نظراته إليها وعلى كل حال فجميع حاجياتها أصبحت بالحقائب لكن لن تخرج دون موافقته. 

مدت يدها إلى علبة السجائر خاصته وحاولت إشعال إحداها فلم تفلح دخلت إلى الداخل لإحضار علبة كبريت فوجدت الطفل مستيقظا، التقطت علبة الكبريت والطفل وعادت إليه، وعندما همت بالكلام ولم تجد ما تقول، أشفق عليها ومد يديه ليأخذ الطفل منها فقد أحبه وألفه وكان يتعلق به يوما بعد يوم ويفكر فيه ويقول في نفسه ما هو ذنب هذا الطفل كي يعيش حياة ذل ويقول في نفسه إذا كان رب العالمين يغفر الذنوب فما بالنا نحن البشر لماذا لا نستطيع أن نغفر؟ ومن منا ليس بخطاء؟ وهذا الطفل ما المصير الذي ينتظره؟ ربما هي إرادة الله في هذا الأمر في هذا الوضع ليمتحن فيه قدرتنا على العفو والتسامح أو لنكتسب ثوابا، ثم إنه يحب الطفل والطفل أيضا يبادله الحب، والسؤال ما الفرق بين هذا الطفل وأي طفل آخر وبماذا يزيد أو ينقص، فليكن ابنه؟ أو طفلا وجده على قارعة الطريق، أما بالنسبة لأمه فيكفيها حساب نفسها وحساب ربها، وكي يوفر عليها ذكرى لحظات ضعف وذل عاشتها ولا يجعلها تكذب ولأنه عرف كل شيء عنها لذلك رفض أن تقول أي شيء، تابعت دون أن تعطيه فرصة للكلام وبدت ثابتة وواثقة أكثر من أي وقت مضى، قالت: أنا سأسأل وأنا سأجيب ليس طمعا في البراءة إنما لأجلك أنت فأنت لا تستحق أن تخدع وأن يخدش كبرياؤك، على كل الأحوال حقائبي جاهزة، وطفلي أيضا لن اقول لك.. في هذه الأثناء وضع الطفل إصبعه في فم محمد فانحنى محمد على الطفل قليلا ليقبله فوضع الطفل يده في عين محمد فما كان من محمد إلا أن بدأ بملاطفة الطفل واللعب معه وقاطعها قائلاً: لا لن تقولي شيئا، فبني آدم خطاء وكلنا خطاؤون ولنطلب من الله المغفرة نظرت في وجهه وقالت بحذر: أنا أحببتك، فقد كنت كريما معي وقد حافظت على حياتي وعلى سمعتي وعلى ولدي، وبقي شيء واحد، فنظر إليها مستفسرا؟ نهضت وقالت هل تسدي إلي معروفا آخر وتوصلني مع حقائبي وطفلي إلى دار السيدة؟ فقد علمت أنه يوجد لديها غرفة شاغرة وعندما همت بالمغادرة وأدارت ظهرها تريد الذهاب أمسك بيدها وقال لها: وهذا الطفل كيف ستتدبرين أمره، وعلى اسم من سيكتب؟ نظرت إليه كي تفهم ما قال وهل سيعود إلى معزوفة ابحثي له عن أب ابتسم ابتسامة مريرة وقال هيا أعدي طعام الإفطار، وبعدها سنخرج نسجل الطفل، ثم نتسوق لي ولك وللطفل وبعدها سنتعاون على أن يكون كل شيء على ما يرام، وعندما نعود في المساء نخصص عرفتك للطفل وأنت تأتين لغرفتي ولتكن هذه الليلة هي أول ليلة تدخلين فيها إلى هذا البيت فأنت عروس، أم أنك نسيت ذلك؟ تلك الكلمات زادتها توترا وانقباضا أحنت رأسها خجلا وقالت في سرها ليكون الله في عوني وعونه وفي المساء أغلق الباب بالمفتاح ودخل إلى المطبخ ليعد شيئا من الطعام وآخر من الشراب بينما تتهيأ العروس لليلتها الأولى أزاح ستار نافذة المطبخ ونظر إلى الحي ثم أعاد الستار، وتفقد الستائر للنوافذ والشرفات ثم عاد إلى المطبخ وأخذ الصينية فلا بد أن العروس قد تهيأت ووجد ما كان يتوقعه، وشم رائحة العطر الممزوجة برائحة السم العالقة في أنفه وشعر بانقباضة في قلبه قائلا في نفسه ليكن الله في عوني وعونها، وسهرا حتى طلوع الفجر، لكن المؤكد أن الطفل وأبوه كانا معهما أيضا لطلوع الفجر، والسؤال كم يلزمهما من الوقت حتى يستطيعا أن يناما هو وهي فقط؟ وكم يلزمهما لتجاوز الذي حدث؟ أعتقد بأن هذا أمر مهم ولكن الأهم أنهما قد بدآ في هذه المرحلة ولا بد أن يصلا.

رأي واحد على “مواجهة الواقع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.