هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي
لماذا الهايكو؟ سؤال أرق من أراد النيل من الهايكو مثلما أرق من أراد الدفاع عنه سواء بسواء، وهو فن أدبي مثله مثل أي جديد يدخل حياتنا فيجد من يحتفي ومن يهاجم، ولكن في النهاية يكون الرأي الحاسم للمتلقي الذي يرفض أو يرحب.
في معرض حوار لي مع أحد الذين تبنوا وجهة النظر المعارضة، تفاجأت بالمقارنة الغريبة التي عقدها والتي أراها مجحفة ويجانبها الصواب، يقول: عندما يعرض عليك أحد سلعتين لمنتج ما إحداها مستوردة والأخرى محلية الصنع، فغالبا ما تسعى خلف الأجنبية ودافعك في ذلك الشركة المنتجة أو البلد المصنع أو فارق الجودة.
وبالقياس على ذلك؛ أجد من يركضون خلف موجة ما يسمى بالهايكو، تلك الكلمة الدخيلة على لغتنا، فقد استوردوه من بلاده كمن يستورد السلع، فقط ليقال إننا نماشي الحضارة، فاندس في أجوائنا الثقافية وكأنه الأدب الأحدث الذي يتفوق على جميع ألوان الفنون التي نملكها، وأنه كتجربة إنسانية ترقى على تجاربنا وإرثنا، فانتشر كاتبوه كالنار في الهشيم، وظنوا أنهم بوضع بعض الكلمات مع بعضها في ثلاثة أسطر دون رابط أو معنى فقد أبدعوا وأصبحوا شعراء، متناسين أن للشعر أصولا ولأصحابه موهبة، وأن لنا من إرثنا ما يكفي لنتفاخر به، فما الذي جذبهم في هذا الفن يفوق ما لدينا فلهثوا خلفه؟
لا أنكر أنني استهجنت هذا النوع من الشعر في بداية الأمر، لكن في محاولة للنظر بموضوعية، وللرد على هذا الرأي، دعونا نجيب على هذا السؤال: لماذا الهايكو؟
إن الشعر هو تجربة إنسانية من جهة وشخصية من جهة أخرى، والتجربة الإنسانية والشخصية لا تتعلق بجنس أو عرق أو جغرافية، فمن حق أي إنسان أن يعبر بالشكل الذي يراه مناسبا له ويتوافق مع ميوله، والساحة مفتوحة، وحق التجربة متاح للجميع ولن يصمد إلا الأدب الجيد بغض النظر عن جنس الأدب. لا شك أن هناك الكثيرين ممن أستسهل الأمر وركب الموجة، وكثيرون هم الذين أيدو وصفقوا، لكن بالنهاية لا يبقى ولا يستمر إلا ما هو أصيل.
كان شعر البحر والتفعيلة والقافية، ثم ظهر الشعر الحديث والذي اعتبر أن البحر والقافية يقيدان الشاعر ويلزمه ببعض الكلمات والمعاني، ومن ثم ظهرت القصيدة النثرية.. كل ألائك أنواع من الأجناس الأدبية بغض النظر عن تسميتها بشعر أو لا، لكن الذي لا شك فيه أن لكل زمان ثقافة ما، هي التي تنتج أفراده وأدباءه.
بالعودة إلى الهايكو هو ما يزال أدب وليد بغض النظر عن تصنيفه وعن جذوره، والفكرة مفتوحة الحدود, والعقل يستقبل ويستقطب ويفرز، والأدب إحساس وتذوق قبل أن يكون قواعد، بالرغم من أهمية القواعد.
الشعر فكرة ما بطريقة ما وليس وحيا ولا شيطان شعر ولا توقيعة ولا دهشة ولا حاسة سادسة ولا حتى عاشرة، والفكرة يمكنها أن تلبس أي لباس، لكن المهم ألا يطغى اللباس على الجوهر، والأمثلة كثيرة، يوجد من استسهلوا وركبوا الموجة وكتبوا كلمات أسموها شعر هايكو حيث لا فكرة ولا لباس، لكن يوجد شعراء التقطوا الفكرة وألبسوها لباسا يليق، بغض النظر عن تسمية نوع الشعر حتى ولو كان هايكو.
الشاعرة حنان عبد القادر تصدت لهذا النوع من الشعر في قصيدة: أطفال غزة يكتبون الوصية، والشعر هنا كان على شكل صورة ثابتة تجسد لحظة، وتحمل حركة وضجيجا لا يمكن إلا أن نلحظهما في تلك القصيدة التي توثق المجازر الإسرائيلية بحق أطفال وشعب غزة، مع قلة حيلة الشعب الأعزل وصمت العالم، تقول:
جسد رضيعة
تغَسِّله..
دموع مكلوم!
ومن يقرأ القصيدة لن يفكر بنوع الأدب الذي صاغت الشاعرة في ثوبه كلماتها، وإنما يقف مشدوها أمام التعابير وعمق الفكرة وشفافية الإحساس، وهنا جاء الهايكو لا من أجل الهايكو وإنما جاء شكلا من أشكال التعبير عن فكرة وإحساس إنساني، ونجدها تقول في مقطع آخر:
مشافي تحت القصف
غيرت شواهدها
قبور الموتى!
في هذا النص أوضحت الشاعرة حنان عبد القادر على سبيل المثال لا الحصر أن القبور غيرت شواهدها، حيث من دفن تحت الأنقاض لا شاهد لقبره ولا اتجاه لمدفنه، وفي مقطع ثالث تقول:
كعكة مقضومة
تحت الحطام تمسكها
يد مقطوعة!
وهنا عرضت الشاعرة نقيضين: منحة الإله لغريزة الحياة، وكبر وغطرسة من يتجرأ على الإله ويسحب الحياة.
لماذا الهايكو؟ لننتظر، لعل الهايكو هو الذي يجيب، فإما أن يبقى ويكتسب المزيد من الشعراء والقراء ويصبح جزءا أساسيا من الذائقة الشعرية العربية أو يتلاشى ويندثر.
سواء كان شعرا مقفى أو نثري (حر) أو هايكو ..المهم أن يستطيع الشاعر أن يوصل الفكرة…ولو أني متحيز إلى الأصل ( الشعر المقفى)
بوركت اخت هيام
إعجابإعجاب