أل لام ألف

أل لام ألف

اللوحة: الفنان الجزائري عبدالحليم كبيش

دعاء صابر

داخل حاوية القمامة المقلوبة رأسا على عقب يجلس القرفصاء محاولا تدفئة ساقيه المغطيتين بالقذارة وبعض الشعر، حاول النفخ في يديه فلم تتحمل رئتاه الجهد وبدأ يسعل، بعد الكثير من ضوضاء السُعال انتبه إلى ما في كفه، إنه يسعل دما!

لم يستوقفه سوى اللون الأحمر الذي بمجرد رؤيته قبض عليه لا إراديا، فتح كفه، ببطء ينظر للّون بعينين جاحظتين، ثم تلفت حوله فلمح فتحة الضوء في جدار الحاوية فاقترب منها ونظر من خلالها يتأكد أن أحدا لا يراقبه ثم أغلق الفتحة، عاد من جديد يتأمل اللون الأحمر، وبغريزة أورثه إياها أقدم أجداده، غمس إصبعه في الدم وراح يرسم خطوطا على الجدار المكسو بأكياس القمامة السوداء.

بدأ يرسم خطوطا عشوائية وهو شارد يحاول تذكر شيء ما، ثم تدفقت الذكريات فجأة فبدأ يرسم بتأنٍ الحروف الأبجدية الواحد تلو الآخر فتعالى صوت خرفشة الأكياس مع حركة إصبعه إلى أن وصل إلى حرف اللام، عندها توقف تأمل الحرف الأحمر طويلا حتى تخثر الدم في كفه فانتبه وراح يسعل بقوة فتخضبت كفه بدم سائل من جديد.

نظر إلى الحرف وكتبه مرة أخرى ولكن بخط ضخم.. مر وقت ثم دفعته قلة صبره وضيقه من ذاكرته الصدئة إلى شطب الحرف بخط كبير ففوجئ بما رأى! بدأ لسانه يتحرك مرددا الكلمة بينما قبض على فمه وبدأ يحرك رأسه يمنة ويسرة كأنه ينكرها.. لا! هدأ قليلا وبدأ يردد الكلمة بهدوء: لا! نظر إلى “لا” الحمراء الكبيرة والحروف الأخرى الصغيرة بجانبها ثم حاول تكوين جملة:

لا أ

لا ب

لا ت

لا ث

لا ج

لا ح

لا خ

ثم تذكر ما ترمز له بعض الحروف فتهجأ الكلمات بتلقائية طفولية: لا أرنب، لا بطة، لا ت.. تموين؟ 

جاء حرف التاء بذكرى بعيدة لدكاكين هُجرت منذ سنين، تذكر الطابور الطويل الذي كان يقف فيه اليوم بطوله ليتسلم في النهاية صفيحة سمن متزنخ وبعض الخبز في مطلع كل شهر.. نظر إلى الزاوية فرأى صفيحة سمن قديمة فارغة، تناولها ومسح عنها التراب فإذا بها مكتوب عليها باللون الأسود حرف تاء كبير.. ترك الصفيحة وعاد يسعل:

لا تموين

لا ثياب

لا جدران

لا حياة

لا خيار.. !

بعد عدة أيام خرج من تحت الحاوية ثم ركلها بقدمه وراح يصرخ كما صرخ الإنسان الحجري يوم اكتشف النار: لا للقذارة! نظر حوله: لا للعراء! ثم نظر إلى القناص الذي يُصوب نحوه فوجده يتوارى خلف صورة لرجل يعرفه فأشار إليه بإصبعه: لا لحكمكم! 

…….….

•        سيدي لقد قتلنا «لا» أخرى

•        غير معقول! 

أغلق الرجل سماعة الهاتف بعنف ونظر عبر المكتب إلى الخبير الأجنبي:

•        لا تنظر إليّ، لقد حذرناك مرارا.

•        أنا لا أفهم! كيف للجوعى العراة المجذومين هؤلاء أن يثوروا من أجل الحرية! حتى الفئران لديها حياة عنهم! 

•        ما زاد عن حده انقلب ضده، شدة الجوع في النهاية تشبعهم جوعا فيزهدون، وعندها تتحقق المعادلة التي تخشونها حتى الموت، دائما ما كنتم تخافون ملأى البطون لأنهم يطالبون بالحرية، وكان حريٌّ بكم أن تخافوا الجياع الذين أفقدتهم شدة الجوع معنى الجوع، وكثرة الخوف معنى الخوف؛ فهؤلاء يكونون أشد بطشا في ثورتهم وأكثر انتحارية.. قام الرجل وسار بتوتر:

•        والحل؟

•        قلناه قبلا وفات أوانه.

سكت قليلا ثم استكمل: كم عدد ال “لا” التي تم تصفيتها حتى الآن؟

سكت الرجل ولم يردّ

•        لا تريد إخباري؟ على أي حالٍ هؤلاء نار لا بد من إخمادها، أما البقية الذين لم تصلهم الجذوة بعد فيجب أن توفروا لهم بعض الغذاء.

•        كي تمتلئ بطونهم ونبدأ من جديد؟ 

•        من قال ملء؟ فقط أمدهم بالغذاء بما لا يغني من جوع، القليل فقط شهريا، كما تدعونه أنتم؛ تموين، دعم، تكافل، أي شيء!

رأي واحد على “أل لام ألف

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.