اللوحة: الفنان الروسي إل ليسيتزكي
في طفولتي كنت مدمنا اللعب بخيالي في الأفلام التي أشاهدها، أقتحم الأحداث لأقوم بتنبيه البطلة الحسناء إلى ما ينتظرها من ورطة في خِضَم أحداث الفيلم، وأنقذها ثم أفوز بقلبها وننتهي معا إلى نهاية لذيذة وناعمة.
هذا الخيال ما كان ليحدث إلا بعد رؤية الفيلم كاملا، ولهذا كثيرا ما تساءلت عن صلاحية أي قصة بغير لحظات الغفلة وضعف الوعي، فلو امتلك الإنسان وعيه دائما، لما كان في الدنيا قصة، ولبدأت القصص بالنهايات السعيدة التي نراها في الأفلام، وما حدث لآدم عليه السلام، مثال لأول قصة تراخَى فيها الوعي.
ما من إنسان إلا ويقول: “لو عاد بي الزمان لفعلت كذا أو لما فعلت كذا”، ويقولها وهو يتذكر نقطة إنحناء في حياته، لو كان يمتلك حينها وعيا مبكرا لكان له قرار مختلف.
الوعي أشبه بالبصيرة التي تَكتشف زَيْف العُمْلة قبل سريانها بين الناس.
لو تسلل إلى بيتك شخص مُسَلح، ومعك أسرتك، هل تسارع بمقاومته وأنت أعزل؟، مهما كانت النتائج!، أم تنتظر لتعرف ما يريد، ربما يريد مالا ثم يرحل بسلام، ربما يريد الاختباء لساعات أو أيام ثم يرحل، ماذا لو كان مطلب هذا المُقتحم أنْ يَمكث في بيتك عدة شهور، وفي نفس الوقت كان يتقن علما أو مهارة ثمينة، ماذا لو عرض عليك أن تمر تلك الشهور في سلام مقابل أن يُعَلِّمَ أبناءَك هذا العلم ويدرِّبَهم عليه، وتنتهي الأشهر ويربح الطرفان.
حينما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر واجهت مقاومة شرسة بِدَعْم من العُثمانيين والإنجليز، وقاد الأزهر هذه المقاومة الشاملة التي قُتل فيها عشرات الآلاف من المصريين، ثم غادرت الحملة مصر ليلتقطها رجل ألباني واسع الحيلة، خدع زعماء الثورة واستولى هو وأولاده على أرض مصر وشعبها قرنا ونصف.
سوف أتخيل السيناريو الآتي:
أنَّ زعيم المصريين “عمر مكرم” قائد الثورة ضد الفرنسيين، كان يمتلك الوعي الذي تتطلبه اللحظة الزمنية، وعَلِمَ أنَّ أوربا بزعامة إنجلترا شنت حملات شرسة على فرنسا لهزيمة الثورة الفرنسية وإعادتها للنظام الملكي، وأنَّ هدف “نابليون” من حملته على مصر، قطع طريق التجارة بين الهند وبريطانيا، حيث تُعد الهند دُرَّة التاج البريطاني، ويدرك “عمر مكرم” مأزق نابليون، الذي تدمر أسطوله على يد الأسطول البريطاني، فأصبح محاصرا في مصر.
يتفاوض عمر مكرم مع نابليون، ويوقع معه معاهدة، تتعهد مصر بوقف الأعمال المسلحة ضد الفرنسيين، ومدهم بكل الأدوات والتسهيلات التي يحتاجونها، مقابل تعيين مجلس حكم مصري لإدارة البلاد، وأنْ تقوم فرنسا بتحديث مصر في كافة المجالات، نظام برلماني، مدارس، معامل، فنون، قانون، تكنولوجيا.. إلخ، تمنح فرنسا مصر كل ما هو ممكن من أدوات الحداثة الأوربية، ويتفق الطرفان على موعد أو ظرف جلاء الفرنسيين.
ويمارس المصريون الحكم البرلماني والتعليم الحديث والإدارة المثمرة لبضع سنوات، وتنتهي الحملة فيما بعد، حسب التطورات السياسية، وتكون مصر قد فازت بتجربة وكوادر مدربة للقفز بقوة للأمام، ونالت فرصة مُبَكِّرة لتلحق بالنهضة الأوربية وربما تنافسها.
وبعد هذا الاسترسال في الخيال علينا أن نتساءل؛ ماهي الاستجابة المتوقعة من زملاء “عمر مكرم” لاقتراحه!.
للأسف حين تكون الأحداث خطيرة يميل الناس للتطرف في ردود الأفعال، وتكون الحلول الحكيمة صعبة الاستيعاب، فيسارع الثوار باتهام من ينشد الحكمة، ويرفعوا في مواجهته كلمات حماسية تثير المشاعر، أو يطرحون شعارات دينية تستدعي اجتهادات فقهية عن الولاء والبراء والصراع بين الكفر والإيمان، وينخفض صوت الحكمة، وقد يصل الأمر إلى إتهام “عمر مكرم” بالجبن والخيانة.
ولكن لا شك أنَّ هذا الوعي المبكر كان سيوفر على مصر قرنين من الشتات.
عام (2010/2011م) عندما اندلعت أحداث ما يسمي بالربيع العربي في تونس ومصر، صدرت من أفواه الإعلاميين ورجال الدولة العميقة شعارات متطرفة، مثل حق الشهداء أولا، وحرمان رجال النظام السابق من الحقوق السياسية، والمحاسبة لجميع من أخطأ في العهد السابق، وكانت تلك الأصوات عالية ومثيرة للجماهير التي عادةً ما تستجيب لأي دعوة تتطرف في مطالبها، وكانت الدعوات العاقلة، التي ترفع راية التسامح والعمل معا لصالح المرحلة القادمة بشفافية، تُقابل بالاتهام بالعمالة والتشكيك، ووقع الجميع في الفخ، وانتشر الخوف بين عدد كبير من موظفي العهد القديم وهم يمثلون الجهاز الإداري بالدولة، وسرعان ما استرد النظام القديم الحكم، وعاد إليه نفس الأشخاص الذين كانوا يرفعون تلك الدعوات المتطرفة، ومرة أخرى لم يُسْتمع لأصحاب الحكمة والوعي، وانجرف الجميع لدوامات جديدة من الشقاء.
في فرنسا، بعد انتصار الثورة الفرنسية، بدأت مرحلة تصفية الحسابات بين زعماء الثورة، كما هو معروف عن الثورات، بدأت الثورة تأكل أبناءها، وكان العالم “دانتون” أحد رموزها، وكان أحد ضحايا انتصارها، حُكِمَ عليه بالإعدام من قِبَل زعيم الثورة (روبسبيير)، سفاح الثورة الفرنسية، عندما وقف أمام المقصلة لتنفيذ الحكم، التفت الى “روبسبيير” وقال له: “ستتبعني الى المقصلة يوماً ما يا روبسبيير”، وكان “روبسبيير” مغمورا بمشاعر السلطة الزمنية فلم يستمع له، ولم تمضِ فترة طويلة حتى تحققت نبوءته، واقتيد “روبسبيير” الى المقصلة ليُنَفَّذ فيه حكم الاعدام.
ولا بد أنَّ “روبسبيير” قال في نفسه، وهو يسير إلى المقصلة: “لو عاد بي الزمن لما أعدمت “دانتون” ولأوقفت دوامة الإعدامات”.
دائما ما ننصت إلى الحكمة بعد فوات الأوان، لأنَّ ضجيج اللحظة وسخونتها تحجب العقل وترفض الحكمة وتتهمها.
في التاريخ وفي الحياة وفي العلوم دروسٌ وعِبر، فلماذا لا نقرأ ولا نعتبر كي نمتلك وعيا يوفر علينا المقصلة بكافة أنواعها، فهناك مقصلة تقطع الاحلام.. العِلاقات.. الإنجازات.. الأمن.. الثقة، فالوعي المبكر ينقذ الشعوب والأفراد من متاهات تستغرق زمنا طويلا.
يَنتج الوعي من تراكم الخبرات والتجارب الناجحة أو الفاشلة، فحين يْتكرر فشل أو نجاح، يتغذى الوعي بمعلومة تساعد في اتخاذ القرار، ولكن قد يغشى الوعي ضباب يغطي عليه ويبطل أثره، ضباب الخوف من تحمل نتائج تطبيق هذا الوعي، وسأضرب مثالا يوضح ذلك.
ارتفعت نسبة الطلاق في مصر، وخاصة بين حديثي الزواج، والمدهش أنَّ معظم الحالات أثمرت أبناء، ولهذا تكثر الأمهات تحت الثلاثين من المطلقات، كل الناس يعلمون أنَّ فرص المرأة في الزواج تتقلص أو تتعقد حين يكون لها أبناء، وهذا الوعي لا بد أن يُترجم إلى قرار بديهي بضرورة استخدام وسائل طبية مؤقتة لمنع الإنجاب في الأشهر الأولى من الزواج، فرصة كي تظهر الطباع والعيوب والمميزات بحجمها الطبيعي، وبعدها يقررا الإنجاب.
ولكن في الواقع يحدث العكس، أغلب من يتزوج يحرص بقلق على الإنجاب من أول يوم، وهذا يدل على أنَّ الولد والبنت يتزوجا وهما يحملان نفسية المغامرة، ويبعدان عن خاطرهما احتمال الفشل في الزواج، وهذا يرجع لأسباب عديدة تتطلب مقال آخر، ولكن نفسية المغامرة يُغذيها مخاوف عميقة وعديدة زرعها المجتمع في نفوسهم، فيتزوجا بنفسية المندفع إلى المجهول، ويتمنيا الحظ السعيد.
هذا المثال يعلمنا أنَّ الوعي ليس دائما غائبا، ولكنه محجوب وراء نفوس مكبوتة وأمراض نفسية ومجتمعية كثيفة، والنتيجة هي رحلة شقاء متكررة تحمل روح المقامرة، فيتخيل كل إنسان أنَّه الشاطر حسن الذي سيفوز ببنت السلطان رغم أنه سبقه عشرات من الفاشلين في مغامرتهم، والحكمة قريبة من الجميع ولكنهم لا يبسطون لها الأيدي ولا يلتقطونها.
