قصتان: خيط حريري.. الاختباء بين الضلوع

قصتان: خيط حريري.. الاختباء بين الضلوع

اللوحة: الفنان الفرنسي اودلين ريدن

  • خيط حريري

وجدتني برفقة عنكبوت، رأيته يتسلق بخفّة خيطًا حريريًا يصل الأرض بسقف الغرفة، كان يرمقني من أعلى بتوجس وتحفّز في آن واحد، يفتح فكيه ببطء ثم يغلقهما، كأنما يتحفّز لفريسة، ضحكت من سذاجته، بادلته نظرة بأخرى، أوصلت رسالتي له: لا تغرّك وحدتي معك، لا تظن أن مخاوفي الكامنة ستشلُّ إرادتي، واهم إن اعتقدت ذلك.

تدلّى من خيطه الحريري حتى واجهني، حرّك قرون استشعاره ناحيتي ومدّ أرجله الأمامية، لعله اقترب منّي، أجزم أنه حرّك فمه، كأنما يتحدث إليّ، يقول: أتعرف يا هذا، أنا بائس هنا، سجين بيت صنعته لفرائسي، فأصبحتُ طريدة تتحرك بين أجداث مُعلّقة بين خيوطي.

ثم صعد سريعًا لأعلى، قبل أن يغيب عن عينيّ بين شقوق السقف الخشبي، ألقى إليّ نظرة هازئة، أجزم أنه همس لي بدون صوت: على العموم، أنت ضيف غير مرحّب به، وجبة غير مستساغة.

  • الاختباء بين الضلوع

ظننت أن الحل يختبئ دومًا بين شعاب المشكلة، أن المفتاح مدفون في واحد من أوديتها السحيقة، لطالما بحثت عنه فترة كبيرة، صحبني الوهم حينًا واليأس أحايين أخرى، حتى حسبت أن مشكلاتي لا حل لها، أنها أقرب إلى مصير لا بدّ منه.

لكنّي نظرت للأمر من جديد، بعين فاحصة، بعدما تجرّدت من كل عبث عشته من قبل، نزعت عنّي كل تحيّز مسبق بنيتُ عليه حياتي، عندئذ وجدت أن المفتاح يصل بين حلقات المشكلة، يعزز من وجودها، هو أقرب إلى قطرة ماء تحيي نبتة كادت تهلك عطشًا.

لمّا وصلت لهذه القناعة، صعدت منبر أفكاري، ناديتني لصلاة جمعة في غير أوانها، كنت فيها أنا الإمام والمأموم في آن.

 ألقيت على نفسي وعلى مرأى من بنات أفكاري، دون خجل، خطبة جيدة طربتْ لها نفسي، أعلنتني بكل نقيصة كنت أخبئها.

 لقد دامت خطبتي على المنبر زمنًا حتى أجهشتُ في البكاء، حين فرغت ناديت وأنا أهبط السلم: أن أقم الصلاة.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً