شيء في صدري

شيء في صدري

اللوحة: الفنان الروسي فيكتور بوريسوف موساتوف

شهربان معدّي

ساد صمت مطبق في القاعة الكبيرة حين اعتلى المنبر بثقة واعتزاز.. بدأ خطابه المُنَسّق بكلمات شكرٍ وعرفانٍ، شكر رئيس المجلس المحليّ ومدير المدرسة والحضور الكريم، شكر زوجته الغالية وأبناءه على الصبر والتفهم.. شكر أبي المُقعد وإخوتي المحامي ورجل الأعمال وأختي المفتشة على المساندة والمؤازرة.. شكَرَ والدتي المرحومة على التربية الصالحة التي رضعناها من صدرها الحنون… وأخيرا شكر الله عزّ وجلّ على كل هذه النعم…

ثم بدأ يتفاخر بإنجليزيته التي أصبحت تلقائية والتي سهّلت عليه كثيرا في الحصول على اللقب الثالث… ثم أشاد بعصاميّته وإصراره، الّلذان بفضلهما تسلّق سلم النجاح..

تأملته مليًّا ثم أخذت أوزِّع نظراتي المستنكرة على جميع الحضور بالتناوب، وكنت محطّمة وأشعر بالهوان، بعد أن فقدت كل بارقة رجاء وأملٍ بأن يذكّرني أخي الغالي ولو بكلمة طيّبة صغيرة، تجبر خاطري المكسور، ولكنه استمر بخطابه المُهذب ليثبت للحضور الكريم أنه يستحق وبجدارة كل هذا التكريم… وتجاهلني أنا أخته البكر، البنيّة الصغيرة التي حوّلت زنديها لجسر عَبَرَ عليه هو وباقي إخوتي المحترمين، أنا هي الأخت الكبيرة التي سُلِخت عن مقاعد الدراسة وهي دون الثالثة عشرة لتقاد كالسائمة البلهاء إلى أحد مصانع الخياطة التي انتشرت في منتصف السبعينات في ظل التعتيم الثقافي الذي ساد آنذاك ومستوى المعيشة المتدني؛ حيث التحقت بأحد المصانع، ومعي المئات من الفتيات اللواتي كن ضحية هذه المصانع الاحتكارية التي استغلت العادات والتقاليد، التي حَرّمت تعليم النساء والفتيات وأباحت تشغيلهن بأًجرة زهيدة لا تتعدّى الأجر الأدنى، أنا هي البنت البكر التي تحوّلت لأم كلها حنان بعد رحيل الوالدة وبعد أن فاتها قطار الزواج، وها هو أخي المحترم الذي تسابقت وسائل الإعلام إلى محاورته وتصدرت المواقع الإلكترونية صوره ومقابلاته، بَخِل عليَّ حتّى بكلمة واحدة طيّبة، ليتهُ قالها.. واختصر عذابات كثيرة أخَذَت تشتعل في فؤادي المكلوم.. وتساؤلات جمّة بدأت تتزاحم في رأسي الذي كادَ ينفجر من شدّة الخيبة..

أهل نسيني أخي المثقف؟ أم تناساني! يا الله يا عظيم، امنحني صبرًا جميلاً. مَسَحْتُ دمعة كانت حبيسة، بطرف كُمّي وانسحبت من القاعة الكبيرة مهيضة الجناح، خالية الوفاض، دون أن يلاحظني أيٌّ من إخوتي الذين أحبهم كثيرًا وأنظر إلى الدنيا بعيونهم، وأًصغي إليها بآذانهم.. وخرجت من أحد أبواب الطوارئ للقاعة حيث عَبَرتُ ممرًا شبه مظلم أفضى بي إلى ساحةٍ خلفيةٍ.. ووقفت مشدوهةً! هي ذاتها السّاحة التي درجتُ عليها منذ خَمسة وثلاثين عاما، ولم يغيّر ملامحها الزّمان…

ذاتهُ الجدار الحجريّ المبني من حجارة الصوّان، وذاتهُ المقعد الخشبي الذي تظلّله شجرة الزّيزفون… ونسيت حاضري وأمسي وخيبتي.. وأخذت أمشي على درب الخيال… آهٍ ما أنعَمَك يا دربَ الخيال.. أين هنَّ صديقات طفولتي زينةٌ وهندٌ؟ لطالما لعبنا تحت ظلً تلك الشّجرة وتأرجحنا بساعدها الغض حتى كان يكادَ يصل الأرض، ثم كنّا نلفُ وندور حولها كفراشاتٍ ملّونةٍ صغيرة.. وعندما كان يرهقنا الإعياء والتعب؟ كنّا نجلس على هـذا المقعد الخشبيّ الذي نخرَهُ السوس.. نتقاسم الأسرار الصغيرة وعروس اللبنة والزعتر.. صديقاتي هندٌ وزينة الّلواتي انضمّتا معي لأحد مصانع الخياطة وسُلختا عن مقاعد الدراسةِ “مثلي” بدل أن تُعامَلن بقفازاتٍ حريرية في هذا السن الحرج، كم أفتقِدُ صديقتي هند.. رحيلها أوجعني كثيرًا.. هندٌ الطفلةُ ضئيلة القامة، التي لم تكن على جانب من الجمال ولكنها كانت على جانبٍ كبيرٍ من العفةِ والطهارة… طلّقها زوجها جورًا ليتزوج بأخرى إرضاءً لأهواء نفسهِ، هندٌ تمسّكت بأطفالها كاللبؤة، عَمَلَت كآلة، وكانت لا تتذمر ولا تشتكي.. عندما صافحتها آخر مرةٍ كانت كفيها خشنتان ككفي عامل بناء، ووجهها شاحِبٌ كليمونةٍ، وعندما عاتبتها وطلبت منها أن تعتني أكثر بصحتها، أجابتني كعادتها: “الكدُّ على العيال حسنة”.. صدئت الآلة ورحلت هندٌ وثمّة أحد لم يكرمها..

 وصديقتي زينة.. كانت زينة بنات جيلي، لبِست ثياب القيْن وهي دون الخامسةِ والعشرين ربيعًا وتعّهدت بتربية أطفالها وتعليمهم بعد رحيل الوالد، زينة امرأةٌ برائحة الخبز والحطب، امرأةٌ يستيقظ الفجر من أجلها، كانت تدغش كل يوم لتخبز خبز الصاج. اعتادت برد كوانين وقيظ آب وربّت رجالا أشداءً، بعرق الجبين وعزّة النفس دون أن تلتفت يومًا لمال حرام، أو تركض لمكاتب التأمين الوطني، لطالما رددت زينة أمامي بفخرٍ: إن جار عليك الدهر جور على ذراعك.. لماذا ثمّة أحد لم يكرّمها.. لماذا لا يكرّمون سوى هؤلاء الذين عاشوا حياتهم كلها مهرجانات وحفلات وأناقة وتبرّج؟ ويتجاهلون هؤلاء النسوة اللواتي حُقنَّ بِأمصال الرضا والقبول وضحيّن بعمر الشباب القصير ليربيّن أجيالا وراء أجيال.

 في خضّمِ تساؤلاتي العصية وأفكاري المرتبكة، أقبل نحوي زُمرة من الصبية والبنات يلعبون بكرةٍ قديمة، كانت وجوههم مضيئةٌ كالأقمار وتعلو شفاههم ابتسامةٌ بكر، وعندما اقتربوا مني؟ أصواتهم كانت كأهازيج الحساسين؛ وشعَرّت بمهرجان طِفولتي يقبِل معهم..

أنا الامرأة الخمسينيّة التي قرّرت ألاّ تكتفي بالفرجةِ، أخذت أركض نحوهم أتأبط اللهفة ويسبقني الحنين، وصدقًا أقول إنني كنت أُريد أن أُشارك الأولاد لعبهم ومرحهم، ليسَ إشفاقًا على سنواتي التي لم أعشها! ولا تعويضًا عن طفولتي المنقوصة! بل لأنهم أيقظوا في صدري تلك البُنيّةُ الصغيرة التي لم تكبر… ولكنني تَعَثّرت بمشاعري الطفولية المختلطة وبتنورتي الطويلة وسقطت كومةٌ آدميةُ في وسط الساحة التي كانت مدرج طفولتي وألِفتَ كل ركنٍ فيها… وفوجئت بالأولاد والبنات يحيطونني بحنانٍ وشفقة كإحاطة النجومِ بالقمر.. 

  • “سلامتك خالتي، هل تأذيت؟ أنستدعي لكِ طبيبًا”؟ 

ولكن حرِنتْ الكلمات في فمي ولم أقدر على الإجابة، رغم أن كلماتهم كانت أحلى من عسل نيسان.. وركعت أمامي صبية عيناها بلون الشهد؛ حيث أخرجت من محفظتها قنينة ماء صغيرة وقالت بحياءٍ: 

  • “برّدي جوفكِ يا خالتي”…

وَمَدّت يدها الحرير وساعدتني على النهوض وجرّتني نحو المقعد القديم الذي نخره السوس وقالت استريحي قليلا يا خالتي.. وعادت لأترابها تشاطرهم لعبهم ومرحهم… بعد أن أومأت لها برأسي أنني بخير ورسمتُ ابتسامة رضا تعبيرًا عن الامتنان. أسندت ظهري على المقعد العتيق، كي التقط أنفاسي وتمنيّت أن تبقى تلك الصبية، ولو قليلا… لأنني كنت أُريد أن أخبرُها هي وباقي الأولاد بشيءٍ في صدري… أنا لا أطمع بتكريمٍ ولا بكلمات جوفاء رنّانة كالتي تنطلق من القاعةِ الكبيرة.. كُلَّ ما كُنت أتمنّاهُ أن ألعب بتلك الكرة وأحمل تلك المحفظة، ولكنها ذَهَبتْ.. وشعرتُ بأن شيئًا سيبقى عالقًا في صدري..  

رأيان على “شيء في صدري

  1. “وبعدما استرسل واسهب في التحدث عن مناقبه وبطولاته ترك الحديث للحضور ليتحدثوا عنه أيضا ..رجل ديمقراطي بحق”
    “ال – إيجو يفعل كلّ شيء” في عالمنا المليء بالنفاق والأنوية
    وقد ارتأيت أن أكتب بمصداقيّة وشفافية، قصص تعكس صورة مجتمعاتنا الإنسانيّة البائسة
    التي تحوًلت لتجمّعاتٍ سكنيّة، لا أكثر.
    كم شرّفني مرورك الأثير أستاذ ماهر الراقي –
    شكرًا ملء القلب –

    إعجاب

  2. وبعدما استرسل واسهب في التحدث عن مناقبه وبطولاته ترك الحديث للحضور ليتحدثوا عنه أيضا ..رجل ديمقراطي بحق

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على شهربان معدّي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.