الغرفة الاحتياطية – للكاتبة البريطانية جانيت ونترسون

الغرفة الاحتياطية – للكاتبة البريطانية جانيت ونترسون

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

ترجمة صالح الرزوق

اكتريت شقة في لندن. المدينة القديمة. هنا حط الرومان رحالهم، وجذفوا بقواربهم حتى مصب النهر الغزير، الذي تحاصره الغابات على الضفتين. بعد زمن طويل، في عيد الفصح الراهن، تكونت سهول ومستنقعات وراء جدران المدينة. وكان هنا مستشفى للمجذومين. اسمه: سبيتافيلدز.

والآن إذا تبعت آثار عربات الجر القروسطية سيرا على الأقدام في الأزقة والممرات المتعرجة لا بد أن تقودك إلى الطريق الرئيسي. وإذا نظرت مليا ترى الماضي في طبقات متراكمة من الأزمنة، شرائح مضغوطة وجيوب وأنفاق حيث تلاحظ أن ما مضى لم يختف تماما، ولكنه تحول إلى شيء له شكل. نعم وأنا أذكر البناء، والطبوغرافيا طبعا، وأشياء إضافية كالجو بما فيه من غازات تتسرب من تلك الجيوب عبر الأنفاق وتصل إلى السطح. أما البيت نفسه فقد كان محاصرا بكل شيء جديد. أقصد إمبراطوريات زجاجية اعتصم في داخلها المحامون والمصرفيون. أما الشوارع فقد أعيد تصميمها بإضافة المقاهي وأكواخ بيت الأطعمة السريعة. والشوكولا. والشموع الغالية. والمشارب وحانات النبيذ. وحتى وقت متأخر من الليل تتدفق منها موجات البشر والمارة. لم أشعر بالقلق أبدا من العودة إلى البيت مشيا. فالشوارع حسنة الإضاءة، وإذا كان الناس مخمورين، فهم لا يبحثون عن المتاعب.

كان تصميم البيت من النمط الجورجي الشائع. يتكون من خمسة طوابق: قبو وعلية، وطابق أرضي، للخدمات التجارية، وفوقه أماكن المعيشة.

تكاليف الإيجار متواضعة. ولكن مستأجرا سيئا غادر بسرعة. وأرادت صاحبة البيت شخصا معقولا ليسكن لمدة عام. وأنا إنسانة معقولة.

وقد أبلغتني أنها تعزم على العودة إلى البيت لتعيش فيه. ولم أتذمر من ذلك. فقد خرجت مؤخرا من تجربة زواج، ولم أكن جاهزة للاستقرار في أي مكان. وكل ما أحتاجه هو عام. حولت إلى حسابها إيجار ثلاثة شهور، وتبادلنا المصافحة، ثم قدمت لي المفاتيح.

لم تكن هذه البيوت قصورا حين تم بناؤها عام 1780. لكن النوافذ عريضة ومربعة، وغرفة الطعام تغطي الطاولات نصفها. الأرض من خشب السنديان الملمع والسلالم تضيق نحو الأعلى وتلتف حول نفسها وتحملني بسرعة وبأسلوب تآمري من أعلى إلى أسفل. كان الناس أصغر يومذاك، والسلالم الضيقة مهيأة لأقدام صغيرة. لا بأس. القضبان متينة، والإنارة تعمل بشكل جيد. أقول بشكل جيد، لأنه حتى في ضوء النهار، يوجد ظل على السلالم، كما لو أن النور أدار قفاه لنا.

فتحت حقائبي وأفرغت ثيابي. كنت أحب النوم بالقميص. مصنوع من القطن الثقيل، بلون أزرق أو اخضر، مخطط بخطوط رفيعة بيضاء. شيء له علاقة بأزياء الذكور. علقت أحدها على خطاف قرب السرير ويشبه خطاف الذبائح. ولكن صاحبة البيت أكدت لي أن السقيفة كانت تستعمل لتخزين الموز.

كان السرير كبيرا ومريحا. الفراش جديدا. والغرفة هادئة. لذلك غرقت بالنوم في أول ليلة. وإذا سمعت صوت باب يفتح في طابق سفلي، فهذا لأنني لم أغلقه جيدا.

في الصباح وأنا أهبط إلى الأسفل، بقميص النوم أجهز القهوة، وقفت دقيقة على منعطف السلم وتأملت غرفة النوم الاحتياطية. لم أجد غير سرير حديدي صغير، وخزانة ذات أدراج، وطاولة للكتابة مع كرسي. نموذج الخمسينات. ولم تكن صاحبة البيت معجبة بهذه الأشياء. ولكنها ابتاعت البيت مع أثاثه. وكان مناسبا للمستأجرين. وهو أيضا ملائم لي لأنني خلفت أثاث بيتي ورائي.

وخططت لتحويل الغرفة إلى مكتب بعد التآلف مع المكان. وكنت قد منحتها نظرة عاجلة بحضور صاحبة البيت، فقد كانت تتكلم، ونحن نصعد ونهبط على السلالم، وأنا مصممة على إبرام العقد. وقررت ذلك منذ أن فتحت لي الباب الأمامي الصغير الذي يعلو الشارع بسلمة واحدة.

والآن أرى غطاء السرير مطويا، ويكشف عن ملاءة عارية، كما لو أن أحدهم غادره للتو. ترددت وتساءلت إذا كانت صاحبة البيت هي من فعلت ذلك، ليبدو المكان مأهولا، بالطريقة التي توضب بها المنظفات الكتب والوسائد في الزاوية. نعم. هذا لا شك به. وهو مؤكد لعدم وجود تفسير آخر. بسرعة، بقليل من التسرع، لأبدو كأنني غير مضطربة، قمت بدس طرف اللحاف تحت الوسادة، ومهدت السرير. ولاحظت رائحة خفيفة في الغرفة، كنت حساسة للروائح. وتساءلت هل هو غاز؟. أم لعله فارة ميتة؟. فالروائح تتشابه. ميثان. حسنا. سريعا سيزول ويجرفه الهواء ودبيب الحياة. حاولت أن أرفع غطاء النافذة. واكتشفت أنه مثبت بالمسامير. تركت حل الموضوع لوقت لاحق.

وتركت الباب مفتوحا، مؤقتا، وتابعت إلى المطبخ، حيث وجدت كل شيء كما تركته في الليلة السابقة. سخنت الماء بالغلاية وجهزت القهوة.

في الخارج على قارعة الطريق كان الناس يسرعون إلى عملهم. قهوة طازجة ويوم جديد. بداية منعشة. وانتابني الإحساس بالتحسن.

انتهت القهوة. خرجت لشراء مطرقة وزوج كماشات، كي أحرر النافذة. من متجر الأدوات الصلبة اشتريت أيضا مصيدة فئران. وعدت أتمختر إلى البيت. وقفت على الجانب الآخر من الشارع. وأغرمت بنمط النوافذ، والسقف الحجري الأنيق الذي يعلو غرفة نومي في العلية. كان بيتا ممتازا، ممشوقا فوق متجر، بيت عمره قرون، وها هو، لا يزال، يرحل عبر الأزمنة، وأعطاني ذلك الشعور بشيء يشبه الأمل.

ثم رأيته. اعتقدت أنني رأيته. هل حصل ذلك؟. شاهدت قوام رجل في الغرفة الاحتياطية. نحيف بشعر مسرح إلى الخلف، ويرتدي سترة. فركت عيني لأركز. لم يكن هناك أحد.

أنا مخطئة. هل أخطأت؟. هناك ظل، شكل، رجل وراء النافذة. وكان يبدو أنه يحمل شيئا بيديه، وينظر نحوه مهما كان، دق قلبي بتعجل. هل يختفي أحد في البيت؟. هل لدى غيري مفتاحه؟. أم أنهم انتظروني لأغادر واقتحموه؟.

باغتني صوت يقول: “هل تبحثين عن شيء؟“.

كانت المرأة التي تعمل في الدكان في الأسفل. قدمت لها نفسي. كان اسمها جويس. تبيع الوسائد والأغطية. أخبرتها أنني تخيلت وجود شخص وراء النافذة. ضحكت وقالت: “لا يوجد هنا أحد يا عزيزتي. ابنتي نظفته من الأعلى إلى الأسفل قبل أن تسكن. ولا يوجد عفريت مختبئ في الخزانة“.

هل يوجد مفتاح مع شخص آخر؟“.

لا يهم ذلك يا عزيزتي. صاحبة البيت بدلت الأقفال حينما ارتكب المستأجر السابق حماقة في الليل. وقدمت لصانع الأقفال الشاي بنفسي“.

تكلمت وهي تنظر إلى الأعلى. وكانت النافذة فارغة. وأردفت: “مع ذلك أقول لك. هؤلاء الأوغاد ماكرون. ولا أحد يمكنه أن يخمن أفعالهم. ليس في هذه الأوقات. سأرافقك يا عزيزتي. وأطمئن على البيت بنظرة. هل يناسبك ذلك؟“.

حسنا.

رافقت جويس إلى داخل البيت. قالت: “سأنتظر هنا. إذا جاء أحدهم يهرول على السلالم سيمر من أمامي. ولن يسره وجودي. أنت اصعدي إلى أعلى. ونقبي“.

مرغمة فعلت ذلك. وبيدي المطرقة. كانت الغرفة الإضافية كما تركتها. وغرفة نومي في العلية كما تركتها.

خامرني الاطمئنان مع قليل من الشعور بالخجل. عدت إلى المطبخ.

قالت جويس: “السبب هو الزجاج القديم” ورفعت يدها إلى النافذة وتابعت: “لا يشبه الزجاج الحديث. هل ترين؟ أنه يرسم خيالات“.

كانت محقة. ليس تماما، ولكن بعض ألواح الزجاج سميكة ومتموجة.

ما رأيته. أو ما تخيلته. هو بالضرورة انعكاس لانعكاس. فزجاج الأبنية المقابلة يعكس صورا على نافذتي. لقد أرعبت نفسي. هذه هي الحكاية.

قالت جويس: “أنت تعلمين مكاني يا عزيزتي. على الاقل حتى السادسة، ثم سأكون في القلب الذهبي. الحانة الموجودة في الزاوية“.

عادت جويس إلى الأسفل لتتابع أعمالها. والله أعلم ما هي الفكرة التي أخذتها عني. أما أنا فقد صعدت إلى أعلى لفك غطاء النافذة. وجدت المسامير غير مستقيمة. مسننة وغير متساوية. انتابني الغضب. لماذا تغلق نافذة بالمسامير؟. لا أحد بمقدوره اقتحام البيت وهي بهذا الشكل. وأيا كان الشخص الذي وضع المسامير ثبتها أكثر مما يجب. والألعن. لمعت في ذهني صورة فم مليء بأسنان مصفرة، ملتفة حول مجموعة مسامير مصفرة ومتسخة. أصابع غليظة على ذراع مطرقة.

اجمعي قواك.

وراء النافذة على الطرف الآخر من الطريق، أمكنني رؤية حركات مسرحية صامتة يقوم بها موظفو مكتب وراء طاولاتهم.

هذا كل شيء. وهذا هو الحال دائما.

ماذا قال ألبير كامو؟. لا هذا السبب ولا ذاك ما يفضي إلى الجنون، ولكن المساحة المحصورة بينهما.

وأنا أعيش في مساحة بين حياتين – الماضي ومستقبلي. وأنا أحيا في مساحة بين عالمين. فكيف لا أشعر كما لو أنني امرأة مجنونة؟.

في الختام انكسر بضغط الكماشة آخر مسمار صدئ ومطوي على نفسه. وبصعوبة دفعت غطاء النافذة إلى أعلى. كل بوصة بضغط أقوى.

ثم بجرة قوية تحرر وتدفق الهواء. لم يكن الأمر يشبه فتح نافذة. كأنه إطلاق هواء محبوس.

وخلفي انطلق باب غرفة النوم.

الريح هي السبب. إنها الريح فقط. ولا يوجد معي أحد. مر اليوم، والذي يليه والذي بعده. وبدأت أسترخي مع بيتي. اتفقنا على الروتين. أن أكون نفسي فيه. ولكن لاحظت التوتر الذي ينتابني، كم كنت مرهقة، وليس البيت من كان يشحنني بالتوتر والتعب، ولكنها أحزاني الشخصية على خساراتي، أو أنه قلقي الذاتي. لم أكن أنتظر شبحا. فأنا أسكن نفسي. وهم يقولون، هل تذكرون ذلك، إنه النشاط المستتر الذي يمكن ربطه بالطاقة الحركية التي يتمتع بها المراهق؟. وهناك شيء هو العقل الذي يسيطر على الحواس، ونحن نستبطن حالاتنا الداخلية، حتى نصل الى الأشياء التي يكون لها حياتها المستقلة.

لم أفكر بهذا من قبل. ولكن الآن أبدو أنني أتأثر مع البيت، وأنا أتابع حياتي اليومية. وهذا البيت أكثر من مجرد فضاء محايد. ويبدو أنه يرحب بي.

ومع ذلك لم أحول الغرفة الاحتياطية إلى مكتب شخصي. واحتفظت بالباب مغلقا.

بعد أسبوعين، حددت موعد غداء برفقة صديقات. كانت الأمسية بسيطة ومسلية، وبعد أن تناولنا طعامنا، تجولنا في الشوارع، واستمتعنا بالحياة الليلية، وببطء. وحينما ودعتهن في محطة الأنفاق، شعرت أن أحدا يراقبني.

وفي زحام القطارات، لا يمكن أن ترى شيئا بوضوح سافر، وبعد ان غادرت الزحام التفت رغما عني، وهناك، عند كوخ الصحف الفارغ، رأيت رجلا دون وجه، ولم أكن بحاجة لرؤية وجهه.

فقد تعرفت على قامته الطويلة والنحيلة – أو على الصبي الذي اعتقدت أنه كان وراء النافذة. جمدت، وحاولت أن أتمالك أعصابي، ثم مرت بيننا موجة حركة أخرى، وحالما تلاشى المارة، لم يكن عند الكوخ غير رجل مخمور يتعارك مع سحاب سرواله.

في البيت. تابعت روتيني المعتاد. ارتديت قميص الليل الأزرق، واستلقيت على السرير. أحب أصوات المدينة حينما أكون على مرتفع فوق الشوارع. يأتيني الهدير كأنه أمواج البحر، من بعيد، وأنا بمأمن، لأني لست في خطر داهم، بنفس الطريقة التي يشعر بها الطفل بالأمان حينما يسمع أصوات الكبار من تحت حتى ينام.

حلمت بكلايف.

في ساعة من الليل. في وقت متأخر وفي الساعات الطويلة التي تسبق الفجر استيقظت. كأن طرقات خافتة أيقظتني لكن لم أعرف نوعها. تابعت الاستلقاء والاستماع. فأذني حادة كالخفاش. لبعض الوقت لم يحدث شيء. ثم تناهى لي صوت الطقطقة. خمس نقرات. تكررت بإيقاع محدد. ولكن ما هي؟.

بحثت في قاعدة بيانات ذاكرتي. تذكرت الصوت ولكن لم أحدد نوعه. كان قد طرق مسامعي قبل زمن بعيد. أيام والدي.

هذه ولاعة السجائر. صغيرة. تمسكها بيد واحدة. وكان الصوت يأتي من غرفة في الأسفل. وهي الغرفة الإضافية.

كانت السلالم هنا قُمعا مفتوحا. وتأتي من المطبخ مباشرة إلى العلية. والعلية مفتوحة. لا باب لها. وأعالي السلالم هي الغرفة بذاتها.

وتبين لي أن الرائحة التي لاحظتها في الغرفة الاحتياطية هي ذات هذه الرائحة. ليس الميثان ولكن نوع آخر من الغاز السائل الخفيف. وهو البوتان.

انتظرت. مثل حيوان يطارده الصياد. انتهت الأصوات القادمة من الأسفل. ثم استيقظ أنفي كأن دخان سيجارة اكتسح غرفة النوم.

لا يوجد مجال للشك. لا بد أن شخصا أشعل سيجارته. وهو يدخنها في الطابق السفلي.

تناولت هاتفي النقال الموجود على طاولة مجاورة. الساعة 1:38 صباحا. حسنا. إذا اتصلت بصديقة سيسمع صوتي. إذا اتصلت بالشرطة سيطلبون التفاصيل وحينها أكون قد فقدت حياتي. فقررت إرسال رسالة إلى صديقي بيللي. وهو يدير مطعما. ولعله مستيقظ.

وما تبقى سأتكفل به شخصيا. من هو الأفضل؟ الشجاعة؟ السرية؟ كم طول الوقت الذي مر؟ لم تكن عندي فكرة. ولم أحتمل فكرة النوم هنا، ثم الإصغاء لأصواته – وأنا متيقنة أنه هو- يصعد السلالم إلى هذه الغرفة حيث وقعت بالمصيدة. ورأيت أن أتصرف حالا.

أشعلت نور السرير. وألقيت ساقي على الأرض، وأصدرت صوتا مرتفعا. كانت هذه الغرفة مغطاة بالسجاد. ارتديت سروالي، حذاء خفيفا، وحملت في جيبي قلامة أظافر، وهو السلاح الوحيد الذي كان بمتناول اليد، وهبطت على السلالم.

على منعطف السلم، لم أسمع نأمة. وباب غرفة الجلوس الصغيرة مغلق. فتحته وتسللت. التمع نور الشارع للأصفر في الزاوية. لم أجد أحدا. كان يوم عمل والوقت حوالي 2 صباحا. استدرت وواجهت باب الغرفة الاحتياطية. مغلق. هل أفتحه؟ نعم. سأفعل.

هيا!.

ركلته. انفتح على مصراعيه. الغرفة معتمة. رأيت قدم السرير. دخلت. وبحثت بيدي على زر النور.

في تلك اللحظة، رن جرس الباب. بإلحاح. على دفعات. كأنه هاتف قديم الطراز.

يا إلهي. من هذا؟ ماذا يجري؟.

عبرت منعطف السلم إلى غرفة الجلوس، وفتحت النافذة. ونظرت إلى الشارع المهجور.

كان بيللي.

حالما دخل، سكبت لنا البراندي. جاء بالدراجة. وكان في طريقه للنوم حينما وصلته رسالتي. فانطلق دون أي تفكير. وكان يعلم أنني أعاني من مشاكل منذ الانفصال. وبوسعه أن يلاحظ وجهي المرعوب.

طلبت منه أن يرافقني إلى الغرفة الاحتياطية. ذهبنا معا، ووقفنا على عتباتها.

سألته:” هل تشمه؟ الدخان؟“.

نظر بيللي لي. وهز رأسه. قال: “هذا عفن كما أخمن. ولكنه ليس دخانا. هل أشعلت النار؟“.

أقصد دخان سيجارة“.

استمع بيللي لحكايتي. ولم يقاطعني. حينما انتهيت اقترح أن ينام الليلة هنا في الغرفة. فقد تعب على كل حال. وإذا انتظر معي، سأنام باطمئنان.

نظرت إليه. شعر أجعد. لطيف المعشر. لقد أنقذني.

قلت له: “عظيم. نعم. سأبحث لك عن فرشاة أسنان ومنشفة“.

سألني: “هل لديك قميص إضافي للنوم؟ الطقس بارد“.

قلت: “سأعطيك قميص نوم كلابف“.

هبط بيللي ليشرب كأس ماء. وبحثت له عما يحتاج. نبشت في خزانتي بحثا عن القميص الأخضر ولم أجده. هل لا يزال في الغسالة؟ حسنا. لا فائدة لو هذا صحيح. كنت أرتدي الأزرق. وكان زوجي السابق يرتدي الأحمر. والرمادي. والأبيض المقلم بخطوط لونها بلون القشدة. حملت قميصا فضفاضا من الكومة.

سألني بيللي: “ألم تعودي إلى العمل؟“.

ما زلت بإجازة. أسبوع آخر على ما أعتقد. ولكنني أفضل

وافق بيللي. وقال: “هل تتناولين أميتريبتيلين؟“.

نعم. وهو ينفعني. وغالبا أرتاح له. يخفف الانفعالات. من الصعب كما تعلم أن تمر بتجربة طلاق“.

حضنني بيللي. وقال: “الحب شيء صعب. سواء كنت محبوبة أو العكس مبغوضة

شكرا لنجدتك“.

نامي قليلا“.

كانت الساعة تقريبا الثالثة. تحتي، سمعت بيللي يتقلب على السرير الضيق في الأسفل، ثم بسرعة ارتفع شخيره. ابتسمت لنفسي. لا يسع أحدا أن يعيش في تلك الغرفة في الخفاء دون أن أنتبه. يمكنني سماع كل شيء. البيت نفوذ.

نمت بعمق. واستيقظت بعد العاشرة. كان بيللي قد غادر. وترك لي رسالة لأخابره في أي وقت.

نظرت حولي. كنت إنسانة مرتبة ونظيفة. ولكن كان البيت بحالة فوضى. ما مشكلتي؟ يجب أن أغسل، وأبدأ بالتنظيف، وأستعيد القليل من نظامي البوذي.

بدأت من تنظيف الأطباق. الزجاجات. المحمصة التي استعملتها في الأمس. الأكواب. إبريق القهوة والكؤوس الصغيرة. أشعلت المذياع، واستعملت منشفة الصحون وأنا أشعر أنني أفضل وأقل تحسسا. رنت مسجلة الهاتف. بيللي. ضغطت على زر الإجابة. نعم، أنا بخير. آسفة لأنني لم أكن معك على الإفطار. ويسرني أنك وجدت مكان القهوة.

وتابعت التنظيفات لنصف ساعة حينما ورد جوابه.

لا ضرورة للقلق. لنتفق على يوم السبت لنتشارك الإفطار. أنت تعلمين أنني لا أشرب القهوة (ثم صورة إيموجي خضراء.)

حملقت بالهاتف. هذا صحيح. وأنا أعلم ذلك. بيللي لا يشرب القهوة. ولكن غسلت إبريق القهوة هذا الصباح.

لا بد أنه من بقايا الأمس. مثل صفيحة المحمصة. هل حمصت الخبز أمس؟

تمالكي نفسك يا فتاة.

في وقت الغداء. كان بيتي مثاليا. انتهيت من الغسيل. ولم أفتقد غير القميص. هل هو على السرير؟ أم تحته؟.

كلا. ولكن منحني ذلك العذر لتبديل أغطية السريرين معا. في الغرفة الإضافية، والنافذة مفتوحة، ولم أجد شيئا مخيفا. لا شيء أبدا. إنها غرفة صغيرة جميلة. وتحيط بها نار خفيفة. إفريز يحمل صورة بحرية. وهي ليست صورة مضجرة وبجب أن أعلقها. ولدي بعض خطاطيف الصور مع مطرقة جديدة. سأجعل الغرفة على مزاجي. وسأنقل مكتبي إلى هذه الغرفة. وارتحت للفكرة.

جمعت اللوازم، وقفت على كرسي، ورفعت الصورة، وضبطتها حتى تدلت بشكل سوي. اعتاد أستاذ مدرستي السابق أن يقول: “الصور تعلق. hungوالبشر تشنق hanged كلام كئيب لكنه درس نحو نموذجي.

قلبتها، الخلف من ورق أسمر. مع سلك معدني مفتول. ولكنه معدن لحق به الصدأ بسبب الرطوبة الدائمة. بالإضافة لأمر آخر. البقع البنية المحمرة الباهتة. وأثر بصمات أصابع.

بقع دم. كما لو أن أشخاصا جرحوا أصابعهم الملتفة حول سلك معدني. سحبت الورقة من الإطار. رأيت لوحة ثانية تحت اللوحة البحرية. ليس لوحة. بل صورة فوتوغرافية صغيرة. بالأبيض والأسود مع حد. كوداك.

لم تكن المرأة واضحة. ولكن لاحظت الرجل. شكل رجل وذراعه ملفوفة حول خصرها. ويرتدي القميص الأبيض، مفتوح عند العنق، وياقته مطوية فوق ياقة دراعة فضفاضة.

هل الصورة مخبأة عمدا؟ أم مغطاة؟

نظرت إلى الرف الذي رفعت منه اللوحة. رأيت ولاعة السجائر.

حملتها وشعرت بالجفاف في فمي. كانت من الفولاذ وصغيرة ومربعة. ضغطت على أعلاها. وكشف الغطاء عن الاسطوانة. بعد خمس ضغطات اشتعل لسان اللهب. تك، تك، تك، تك، تك. بوتان.

أعدتها إلى الرف. مع اللوحة. وأغلقت باب الغرفة الإضافية.

أسرعت بالخروج وأنا ملتفة بالمعطف فرأيت جويس في الأسفل.

سألتني: “هل استقريت؟ قابلت صديقك هذا الصباح“.

هو ليس صديقي. ولكنه نام هنا أمس. هذا كل شيء“.

قالت جويس: “موضوعه لا يهمني“.

كنت خائفة من الليل“.

نظرت نحوي باستغراب وقالت: “خائفة مجددا؟“.

أعتقد ذلك“.

قالت: “هذا خيال. يبدو أنك فنانة“.

هل مر هذا البيت بأي مشاكل؟“.

الأشباح تتجول في هذه المنطقة. أشباح. رعب. جاك الخناق. التوأم كراي. المستذئب“.

لزمت الصمت.

ابتسمت جويس. هزت رأسها. وقالت: “ابتسمي معي وامرحي قليلا“.

كانت جويس محقة. يجب أن أتمالك نفسي وأعود إلى العمل وأتوقف عن اختراع المشاكل التي تبعدني وتغربني عن ذاتي.

سأقابل طليقي اليوم. كلايف. بعض الإجراءات للتوضيح.

التقينا لشرب القهوة، وكان على عادته: أنيقا، منطويا على نفسه، صعب المراس، ومستقيما.

حينما انفصلنا، اقترح أن يدفع إيجار مسكني لعام، لأنني سأغادر شقته، وشقتي كانت مستأجرة. قبلت. فهو يحصل على أجر مجز من عمله. لم آسف لافتراقنا. ولكن انكسر قلبي. والعبارتان صحيحتان. أحيانا يجب أن تتأقلم مع أزمتك وتدير الحقائق التي لا يمكن التوفيق بينها.

وها هو: مرتب ومتألق ومعسول اللسان. متفهم وفي نفس الوقت لا يبالي بما جرى. فقظ تجاوز الطلاق، دون أن يتخلى عن مبادئه، وهو لا يهوى الفوضى. ويريد أن أحتفظ له بصورة حسنة في أفكاري لأنه يريد أن يحسن الظن بنفسه.

قلت: “افتقدتك”. ابتسم وحرك قهوته مع أنه لا يضيف لها السكر.

تابعت: “إنه مجرد إحساس. ولا يوجد سبب لتظن الظنون“.

وهذا ما كان. أنا أحاول أن أنبه مشاعره. وهو يعيش في مركز الرقابة في جسمه. الذهن. مشاهد رائعة. ولا علاقة له بما يجري تحت في الأسفل. غرف فارغة. نوافذ مغطاة. أبواب مغلقة. يمنع الدخول.

ما فعلناه معا كان مسليا ومؤثرا. السفر، الثقافة. المطاعم النظيفة. الناس الدمثون. ومع ذلك على المدى الطويل هناك ما هو أكبر من أن “تفعل”. عليك أن تفرض نفسك. أن تكون واحدا. أن تكون ذاتك. أن تنعم بالأمان.

سألني: “هل عدت إلى العمل؟“.

ليس بعد“.

لماذا يشعر بالقوة؟ لماذا أشعر بالتخاذل؟ فهو ليس جبارا. وأنا لست ضعيفة. خالستني النادلة النظر وهو يدفع الحساب. فقد رأت ذلك من قبل.

حينما افترقنا، ذهب إلى المحطة، وتوقف أمام واجهة دكان الأحذية. ثم لاحظ وجها جميل المحيا. تبعته. لا أعلم لماذا، حتى بدأ يهبط درجات المحطة. حمل صحيفة مجانية. ولم ينظر إلى الوراء.

عدت إلى بيتي. وشعرت بالاستنزاف. هذا شيء ذهني، وليس فيزيائيا. لماذا أردت لقاءه؟ ثم رغبت بالنوم.

ألقيت محفظتي في المطبخ. غسلت يدي. وصعدت على السلالم. كان باب الغرفة الإضافية مفتوحا. والسرير مرتبا. وعلى الأغطية رأيت قميص النوم الأخضر مجعدا ومستعملا ومكوما.

أسرعت لالتقاطه. فظيع.

كانت رائحته تفوح بالعرق والتبغ والدهون والتراب. وبقعة من الأسفل والإمام تشبه وحمة. كان نتنا كأن أحدا ارتداه لأسابيع دون أن يغتسل. وهو يتحرك بقذارته. والأسوأ أنه يراه بانتظار أن تجرفه الحياة، ولاحظت أن الأزرار السفلية مفقودة – مقطوعة بعنف. والقطع حصل حينما كان الساكن يرتديه: فالعروات كانت ممزقة.

تراجعت إلى منعطف السلم. أغلقت باب الغرفة الاحتياطية. كانت أصابعي لزجة. إلى الأسفل. في المطبخ. فتحت حنفية الماء الساخن حتى احترقت بتيار الماء.

ما هذا؟ من هذا؟.

تنفست بعمق ومن المفروض أن أشعر بالهدوء. بالعكس. صعدت إلى ذهني صورة واضحة عن آخر مرة مارست فيها الحب مع كلايف. آخر مرة اجتمعنا معا. ولكن لم نكن متحدين فقد فعل ذلك بدواعي المجاملة. لاحقا وهو يسكب لنفسه الشراب كان يرتدي القميص.

وحينما ذهب إلى الدوش، حشرته في حقيبتي. كنت أحتفظ برائحته: ملح البحر وعطر الغابة. وبخار الويسكي. وجسمه.

ذهبت إلى الخزانة وحملت القميص الأزرق أيضا. أشياءه. ولكن أيضا كنت أسرق أشياءه. أن آخذ منه مثلما أخذ منى. والآن أريد التخلص من القميصين. كلاهما. واليوم.

إلى سلة المهملات. ملقط اللحمة. بصعوبة انظر إلى الغرفة وأنا أمد يدي لأحمل القميص القذر. تدلى في النهاية من ملقط اللحمة. إلى كيس النفايات. ولكنه يتحرك. كالقمل.

في الشارع ذهبت إلى أول حاوية رأيتها وألقيته فيها. نظرت لي امرأة كأني مجنونة.

نعم. كنت مجنونة. ولكن بمقدار أقل الآن. التعقل مثل الماء النظيف يتدفق من ثقوب ذهني.

ذهبت إلى دكان الورود المجاور للبيت واشتريت باقة بسيطة من النرجس. دون أي قصد. ودون أي جاذبية.

عدت إلى البيت واتجهت فورا إلى الغرفة الاحتياطية. عريت السرير. وألقيت الملاءات في الغسالة، ووضعت الزهور في إبريق فوق خزانة.

في غرفتي. سحبت القميص الأزرق من تحت وسادتي، ووضعته في كيس بريدي، وأسرعت لأرسله بالبريد إلى كلايف. بمقدوره أن ينظفه شخصيا.

انتهيت من هذه الأمور. عدت أدراجي إلى الغرفة الاحتياطية. جلست على السرير. وقلت: “بغض النظر عن من تكون، استمع لي. كلانا روح ضائعة. وأنت محبوس هنا. وكئيب كما يبدو لي. لأنك لا تهتم بتنظيف نفسك أو العناية بنفسك. مع أن الحيوان يفعل ذلك. أما أنا فمزمعة على المضي في حياتي الحقيقية. ولكن حياتي لا تزال معلقة بخطاف رجل لا يحبني“.

خمدت الغرفة. كأنها تسمعني. كأن شخصا يسمعني.

نهضت. وجدت صورة كوداك بالأبيض والأسود. وضعتها أمام النرجس. كانت ابتسامة الرجل عريضة. والمرأة تنظر بعيدا. وفمها يدل على الضجر أو ربما النفور.

قلت: “إنها لا تحبك“.

ثم خرجت وأغلقت الباب.

في الأسبوع التالي، عاودت العمل في المكتب. وسر زملائي ظهوري بينهم.

وسريعا بدأت أرافق الأصدقاء في سهرات السبت وزاد عدد مرات اللقاء ببيللي.

لا زلت أسكن نفسي. وأفكر بكلايف. وذلك فجأة مدعاة للألم. ولكن إذا ما حصل لا أرى أنني أبغض نفسي. وتركت للفكرة حرية البروز والاضمحلال. دون التوصل لقرار أو حكم.

في البيت كان كل شيء مختلفا. توقفت الازعاجات باستثناء أمر واحد.

ذهبت إلى الغرفة الاحتياطية للتخلص من النرجس. لا أحد يرغب بزهور ميتة.

كانت رائحة الغرفة مختلفة. رائحة البوتان العابق في الجو تبدلت لما يبدو حتما رائحة برتقال. كانت حادة ونظيفة ومفعمة. ليس عطرا ولا عبير شموع. فاكهة.

والصورة التي وضعتها عند الزهور قد اختفت. بحثت وراء الخزانة وتحت السرير. هل جرفها تيار هواء إلى مكان ما؟

في نهاية فترة عقد الإيجار، بعد حوالي عام، وحينما كنت أعيد كل شيء لصاحبة البيت، اكتشفت أن البيت كان يسكنه تاجر برتقال وذلك في الخمسينات. في الأيام التي كان فيها سوق سبيتافيلدز يغذي كل لندن بالفواكه والخضار. وأشهرها برتقال إشبيلية.

قالت: “لا أريد أن أزعجك. لكنه انتحر في الغرفة الاحتياطية“.

من مجموعتها “ليل على ضفة النهر”


جانيت ونترسون Jeanette Winterson روائية وقاصة بريطانية. من أنصار ما بعد الحداثة. من أهم أعمالها: البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة 1985، الغرام 1987، جنسانية الكرز 1989، مكتوب على الجسد 1992، لماذا عليك أن تكون سعيدا وليس عاديا فقط؟ 2011، فرانكشتاين: قصة حب 2019 (رشحت لجائزة البوكر في لندن)، الليل على ضفة النهر (قصص أشباح) 2022. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.