اللوحة: الفنان المصري كمال قنديل
هل احتلت الإهانة مقعد الكرامة؟
وهل تراجعت الكرامة تحت قهر الواقع لتحتل المقعد الأخير؟
في مسرحية “حواء الساعة إتناعشر” يخاطب الناشر الشهير “فرغلي” المؤلف الكبير “فؤاد المهندس” في غضب وثورة قائلاً: “ألبس هدوم مجانين.. معلش”، “أروح الخانكة.. زي بعضه”، “أتلطش من كل تمرجي قَلمين.. مفيش مَانع” “إنما كون المجانين يندهولي فرغلي حاف من غير أستاذ.. دي لا يمكن أقبلها أبدا!!”، “أنا محترم وهاعيش محترم وهاموت محترم”…
شخصية مضحكة ومشهد لا يُعقل، لو صدر مثل هذا الكلام من أي شخص فسوف يبدو كأحمق، لأنه يفهم الكرامة فهما مُهيناً وشديدَ السطحية.
ذهب أحد الآباء بأسرته إلى أحد المصايف وجلسوا على الشاطئ، ولكي يجاري الناس “الهاي فاي”، سمح بارتداء بناته البكيني، وظل طوال الوقت يتشاجر مع الشباب “قليل الأدب” الذين ينظرون إلى بناته، ويُصفرون لهن، ويعاكسونهن ويتحرشون بهن، فكان المصيف نَكدا…
هذا الرجل أهان نفسه وبناته بالعُري، ويريد لهم الكرامة بأن يَغض الآخرون أبصارهم ويَكفوا ألسنتهم!.. ولم يخطر بباله أن يتغلب على ضعفه ويستر بناته.
في ثلاثية نجيب محفوظ تتجسد شخصية السيد أحمد عبد الجواد “سي السيد” المثل الأعلى للرجولة والصرامة والهيبة في بيته، أمهر من يُمسك بالرٍق ويضبط الإيقاع للراقصات في بيوت البِغاء؛ فيتمتع بالإهانة والسِباب القبيح من الغانيات، الرجل المُهاب المَكرّم في بيته، هو نفسه الرجل المَسْخرة في بُيوت الدعارة.
هذه ثلاث أمثلة لاختلال ميزان الكرامة والإهانة في نُفوسنا وفِكرنا وحَياتنا، “وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ”(18 – الحج) ولا يُهان المرء من الآخَر حتى يُهين نفسه أو يَقبل الإهانة دون مقاومة.
لنتساءل بدافع الجدال وتضييع الوقت والانسياق وراء السفسطائية والمهلبية، إلى أي مدى تقترب منا تلك الشخصيات؟ أليس فينا مسحة منها؟ بعضها؟ معظمها؟ كلها؟
إننا نسبح في مستنقع من الإهانات التي جلبناها لأنفسنا، ونُغطي عليها نفسيا ومظهريا بلقب الباشمُهندس والدُكتور والباشا والبِيه.. بينما الفرد الأوروبي يسبح في بحور من الكرامة التي انتزعها بنفسه ودفع ثمنها كاملاً، لا يَعنيه أن يُنادَى باسمه مجرداً، أو أن تَقوم له حين يَمر أمامك، ولا يَنْتَشي بأي سلوك أو عبارة نفاق.
الإهانة معروفة والكرامة معروفة، لكننا نخلط بينهما عمداً لنداري خيبتنا، وعجزنا، وكسلنا، وهزيمتنا النفسية.
في بلادنا عندما يعلم أي ولي أمر، أن في المدرسة مدرس أو موظف يتحرش بابنته، كيف يكون رد فعله؟ بلا شك ومهما كان المستوى الاجتماعي لولي أمر الطالبة، لن يقف ساكناً وسوف يُخرج أقسى ما عنده لحماية ابنته وتأديب هذا المعتدي غير الأمين، وعزل خَطره عن ابنته وبقية البنات…
هل سيقوم بحِساب أي نتيجة لعواقب ثورته؟ حتى لو أدت النتائج للشجار أو الشرطة أو القضاء؟
أتوقع انه لن يكون وحده، سوف يتضامن معه بقية أولياء الأمور وربما أهل البلدة كلهم، ويَهتفون “جواز عتريس من فؤادة باطل”…
كيف يكون الحال حينما يعلم ولى أمر الولد أو البنت أن المدرس لا يَشرح، وأن المدرسة التي يُنْفِق عليها من ماله ومن وقت أولاده لا ينتج منها علم، بل هي هَدر في بَحر التَسيب والاستهتار بالإنسان؟ هل سيكون رد فعله مساوياً لرد فعل ولي الأمر الذي تم التحرش بابنته؟.. الواقع يؤكد أن رد الفعل سيكون سلبياً تماماً.
هذه الأمثلة توضح اختلال موازيننا وطيش ردود أفعالنا، التي لا تزن الإهانات بميزان واحد، بل بميزان الخيار والفقوس، ميزان مجتمعي غير راشد، يخلط أوزان القيم المجتمعية والدينية والإنسانية.
قديماً قال أجدادنا الحكماء والبسطاء: “ما عيب إلا العيب”، أما في زماننا فقد حدث تبادل خطير للمسميات والأسماء، فالهزيمة الساحقة تصبح عيداً للنصر ونحتفل بها سنوات طويلة، الرشوة والانتهازية واستغلال المنصب أصبحت ثراءً ووجاهةً وشرفاً، التمسك النبيل بالمبادئ والورع وما يترتب عليه من فقر وعجز مادي، أصبح عاراً وقلة قيمة بل وغيبوبة عن الواقع، نحن نحتاج أن نعيد تعريف الإهانة والكرامة، خاصة بعد أن رفعنا الأولى وهبطنا بالثانية.
في أوروبا لو تخطيت الطابور أقل عقاب هو أن ينظر الجميع إليك شزراً حتى تشعر أن حجمك يتضاءل ويتقزم، هذا قليل بالمقارنة بما ستتلقاه من جُمل اعتراضية وتَوبِيخية من الجميع، فترتد خائبا لمكانك وشُعورُك بالإهَانة هائل ووجُهك ساخن وملتهب، لأنك أهنت الجميع بما فعلت، ورد عليك الجميع بما تستحق، فالنظام والحقوق المدنية هي قناعات بل عقائد شائعة بينهم، ونحن ينقصنا أن تشيع بيننا هذه المفاهيم.
فالمواطن الأوروبي عندما يكون في بلده أو سائحا في بلد أخرى، حين يجد أن الخدمة في الفندق لم تكن بالقدر الملائم، يتناول ورقة سريعاً ويكتب شكوى ويضعها في موضعها، لقد شعر بالإهانة حين لم يُعامَل بالقدر الذي يحسب أنه يستحقه.
لِنُعِد تعريف الإهانة والكرامة كي يصفو عيشنا ويرشُد سعينا.
