اللوحة: الفنان النمساوي فريدريش فريدلاندر
ترجمة صالح الرزوق
“هل بمقدوري الانضمام إليك؟”.
نظر الرجل متوسط الحجم والذي يرتدي ثيابا لا تلفت النظر بوجهه الفارغ والغامض إلى بتغرو. كان في يده كأس بيرة ويقيسه بنظراته من وراء طاولة صغيرة محشورة في الزاوية. بتغرو طويل القامة ووسيم بمواصفات مسبوكة وقالب مكتمل، وحوله جو متعمد ومثير. وفي ظرف آخر يمكن أن تتوقع منه رد فعل غير مستحب. قال له بمودة: “بالتأكيد. تفضل اجلس”.
“هل بمقدوري أن أطلب لك شيئا؟”.
قال الرجل معتدل القامة: “لا. لا أريد شيئا. شكرا”. وأشار إلى كأس ممتلئ تقريبا موضوع أمامه. وفي الخلف لم يكن هناك ما يلفت الانتباه. جو البار المعتاد فقط والساقي وشاربو الكحول إما مثنى أو آحاد.
“لم يسبق أن التقينا. أليس كذلك؟”.
” لا. حسب علمي”.
” حسنا. طيب. أنا بتغرو. دانيال آر بتغرو. وأنت؟”.
“مايسون. بالكامل جورج هربرت مايسون”.
قال بتغرو: “جورج.. هربرت.. مايسون” كأنه يقلب الكلمات الثلاثة القصيرة في ذهنه. ثم أضاف: “والآن ما رقم هاتفك؟”.
ربما ترك أسلوب بتغرو الآمر أثرا على وجه مايسون. لكنه لم يعلق. واكتفى بالقول: “يمكن أن تجده في دليل الهواتف بسهولة”.
“لا. ربما اشتمل على أسماء مكررة…يجب أن لا نضيع وقتنا. من فضلك”.
“آه. حسنا. عموما هذه معلومات عامة. اثنان – ثلاثة – اثنان، خمسة”.
“تمهل. أنت تسرع جدا. اثنان.. ثلاثة… اثنان”
“خمسة – أربعة – خمسة – أربعة”.
“يا له من حظ. من السهل أن أتذكره”.
“لم لا تسجله إذا كان يهمك جدا؟”.
منحه بتغرو ابتسامة تدل على الفهم وسرعان ما اختفت تحت نظرة خائبة. وقال: “ألا تعلم أنه لا فائدة؟ على كل حال رقمك: اثنان – ثلاثة – اثنان، خمسة -أربعة – خمسة – أربعة. ويستحسن أن أعطيك رقمي. سبعة”.
قال مايسون: “لا أحتاج إلى رقمك يا سيد بتغرو. وأرى أنني نادم لأنني أعطيتك رقمي”.
“ولكن يجب أن تعرف رقمي”.
“هراء. لن تكون جاهزا لتبادل الكلام”.
“ربما عبارة. دعنا نتفق على عبارة نتبادلها في الصباح”.
“هلا تفضلت وأخبرتني حول ماذا؟”.
“رجاء. وقتنا أوشك على نهايته”.
“كررت ذلك كثيرا. وهذا..”.
“في أي لحظة يمكن أن يتبدل كل شيء، وقد أجد نفسي في مكان آخر تماما، وكذلك أنت، كما أفترض، ولذلك لا يسعني أن لا أشعر بالشك إذا..”.
“سيد بتغرو. إما أن توضح ما يدور في خلدك فورا أو أن أطردك”.
قال بتغرو الذي تعمقت نظرة خيبة أمله: “حسنا. لكن أخشى أن لا أفيدك. كما ترى حينما شرعنا بالكلام اعتقدت أنك إنسان حقيقي بسبب الطريقة التي..”.
صاح مايسون باستفزاز: “كرمى لله وفر علي كلامك غير المفيد. إذا أنا لست شخصا حقيقيا”.
“لا أعني ذلك. وأعني ما قلت حرفيا”.
“آه يا الهي. هل أنت أحمق أم مخمور أم ماذا؟”.
“لا شيء من ذلك. أنا نائم”.
قال مايسون: “نائم؟”. وظهرت على وجهه المكتوم علامات عدم الفهم التام.
“نعم. كما قلت، أولا اعتقدت أنك شخص حقيقي آخر ومثلي تماما: نائم. تحلم. تتخيل الحقيقة. ومشتاق لنتبادل اسمينا وأرقام هاتفينا بغاية التواصل في اليوم التالي والتعارف. وهذا يؤكد أهمية الذهن، أليس كذلك – الناس تتواصل عن طريق الأحلام. ومن المؤسف أن أحدنا نادرا ما يفهم حلمه: أمكنني أن أمر بهذه التجربة أربع أو خمس مرات خلال آخر عشرين عاما. ولم أحرز أي نجاح. إما لأنني نسيت التفاصيل أو لأنني لم ألتق بشخص من هذا النوع وفي هذه الحالة. ولكن سأواصل -“.
” آه. لا. طبعا لاحظت وجود أشخاص مثلك. مع أن هذا بعيد الاحتمال، وإلا لأدركت الحالة الحقيقية فورا وتجنبت الجدل معك. كما قلت ربما أنا مخطئ”.
“كلامك هذا يدعو للتفاؤل”. هدأ مايسون، وأشعل سيجارة بحركة مسرحية. وأضاف: “لا أعرف الكثير عن هذه الأمور. ولكن لا يسعك أن تبتعد كثيرا لو اعترفت أنك أخطأت. والآن اسمح لي أن أبين لك أنني لم أكن موجودا في رأسك قبل خمس دقائق. واسمي كما ذكرت لك هو جورج هيربرت مايسون. وعمري يبلغ ستا وأربعين عاما. متزوج. لدي ثلاثة أطفال. أعمل في تجارة المفروشات… آه. يا للجحيم. لو قدمت لك معالم حياتي من الخارج لاستغرق الأمر الليل كله. وهذا يحصل مع أي شخص لديه ذاكرة عادية. لننته من شرابنا ولنذهب إلى بيتي، وهناك يمكن -“.
قال بتغرو بصوت عال: “أنت مجرد رجل يكلمني في الحلم”.
“اثنان- ثلاثة-اثنان، خمسة – أربعة -خمسة- أربعة. سأتصل بالرقم إن كان موجودا. ولكن لن ترد أنت. اثنان -ثلاثة- اثنان-“.
“لماذا أنت ثائر النفس يا سيد بتغرو؟”.
“بسبب ما سيحدث لك في أي لحظة”.
“ما هذا.. تهديد؟؟”.
تسارعت أنفاس بتغرو. وبدأ وجهه المرتسم بخطوط ناعمة يخشوشن، وأصبح شكل سترته الصوفية غامضا. صاح “الهاتف. لا بد أنه أبعد مما أعتقد”
ردد مايسون: “الهاتف؟”. وطرف بعينيه اللتين تخدعانه. كان شكل بتغرو يتبدل باستمرار.
“هذا الجهاز قرب سريري. أنا أستيقظ”.
قبض مايسون على ذراعه، ولكن تلك الذراع فقدت معظم حدودها الواضحة، وأصبحت خيالا ضوئيا يختفي بالتدريج، وحينما نظر مايسون إلى اليد التي تقبض على الذراع، يده ذاتها، رأى بصعوبة أنها أيضا بلا أصابع، ولا أمام ولا خلف، ولا جلد، كانت مجرد عدم.

كينغزلي إميس روائي بريطاني (1922-1995)
