عندما تتحول المسلمات إلى أسئلة

عندما تتحول المسلمات إلى أسئلة

اللوحة: الفنان الإيطالي ماريو سيروني

أريج نكد

هل أناديه بابا؟

سؤال صعق عقلي وأوقف تدفق الدم فيه، كما في كل أعضاء جسدي لبضع ثواني.  

ودون تفكير أجبته طبعاً بابا.

جاريت العرف والتقليد والقانون وعلم الجينات وأجبته طبعاً بابا..

ثوان قليلة استيقظت من غفلتي، لتعود دمائي لمجاريها حاملة معها سرب من الأسئلة والتعاريف، ووجدت نفسي اسأل ذات السؤال هل يجب أن يناديه بابا… 

سنتان من الإهمال والغياب، وقبلهما سنتان من المناكدة والغضب كانت كافية لطفل في الثامنة ان يتساءل عن هويته، ولمن ينتم، وهل اسمه الثلاثي خير برهان على انتماءه.

كثيرٌ منا نحن الكبار لم نتجرأ على طرح مثل هكذا سؤال.

يبدو أن فطرة ورد ميزت بأن أباه او ذلك الشخص الذي فرضته الحياة عليه أن يكون أباه، 

وجاء جواز السفر ليؤكد له أنه والده، اسم يتذكر وجوده فقط كلما دقق في جوازسفره أو في جلاء المدرسة. 

لم يقنع ورد، وظن أنه مجرد اسم يستطيع تغيره متى أراد ذلك، فهو لم يعد مصدر الأمان والحب بالنسبة إليه، ولا السند والداعم له، ولا الحاضر في اللحظات المهمة والفارقة في حياته.

فورد لم يرى أباه منذ وقت طويل، والوالد لم يطمئن عليه إلا نادراً، ولا يقدم له مجبراً، إلا ما وجب عليه تقديمه أو الأقل بكثير، مكالمات قصيرة لا تتعدى الدقيقتان، لقاءات متباعدة لم تتخطى النصف ساعة، أو مبيت ليلة كل شهرين أو ثلاثة، يعود بعدها ورد إلى خلوته، قليل الكلام وشارد الذهن، ولا أحد يعرف ما الذي جرى في هذه الإجازة.

هل أناديه أبي؟ 

سؤال يدخل قاموس التسألات بعدما كان لزمن طويل في قاموس المسلمات. 

لماذا علينا أن نسلم بما اختارته لنا الحياة؟ لماذا علينا الرضوخ لقانون أو تقليد دون الاعتراض أو التفكير؟ وإذا سول لنا عقلنا ذلك، فقد لا يتجاوز حدود جمجمتنا أو حدود صديق قد يتحول لعدو بعد دقائق؟ لماذا نُخلق بقيود تكبل عقلنا وحريتنا؟ نرضخ لها ولتعاليمها بشكل أعمى خوفاً من الكثير، وليس حباً أو قناعة، فقط الخوف.

الخوف وهي الآلية البدائية التي تبقينا على قيد الحياة، فإما نختار الهرب أو محاربة الخطر، لكن غالبيتنا يختار الهروب أو الرضوخ بلا مقاومة.

 لماذا ندافع عن ذكريات وتاريخ، ووطن يرفضنا ولا يقدم لنا شيئاً إلا الفقر والجوع والقهر، ويحاول بكل جهده إذلالنا، نقاتل من أجله ألف مرة ويقتلنا كل يوم مرات عدة. 

هل يكفي ما كتب على جوازات سفرنا؛ بدءاً من أسماءنا وصولاً إلى جنسيتنا لنعيش في جلبابه الضيق الذي لا يتسع لشيئ من أحلامنا وقدراتنا، ولا يملك إلا حصاره الخانق بحدوده الجغرافية والاقتصادية والفكرية والإنسانية، وكلما حاولنا رفع صوتنا ارتفعت معه سياطه وأسواره. 

ورغم كل ذلك نستمر في قول؛ هذا وطني لكيلا نتهم بالخيانة.

 لماذا نستمر في العيش في كنف أسرة لا تقدر قيمتنا وقدراتنا، ولا ترى إلا عيوبنا، ونقول هذه عائلتي لكيلا يقال عنا ناكرين لأصلنا وللجميل. 

لماذا نختار زوجات وأزواج يهدمون فينا الحلم والشغف ويدفعون بنا إلى الهاوية، يستنزفون مشاعرنا وأرواحنا وحتى أجسادنا، ونستمربالحياة معهم، إذا جاز حقاً أن نطلق عليها حياة، فقط لأن المجتمع وعاداتنا تجبرنا على الاستمرار في ذلك، لنقول هذا زوجي أو زوجتي؟

كم من زوجة تتحمل بخل وظلم وسطوة زوجها لكيلا يقال عنها مطلقة. 

وكم من رجل يصبر على أنانية زوجته وتقصيرها ليبقى الأب والزوج المثالي في نظر أبنائه والمجتمع؟ 

لماذا نعمل في مكان يستهين بتعبنا وجهدنا ويستنزف طاقاتنا، ونستمر في العمل فيه لنحافظ على لقمة العيش، ولئلا يقال عنا عاطلين أو فاشلين. 

لماذا نصادق من لا يصدقنا لنفتخر بكثرة الأصدقاء، ولنثبت للآخرين أننا ناجحين اجتماعياً.. ولماذا؟ 

فقط أربع سنوات جعلته يسأل هذا السؤال. 

ونحن نقضي عمرنا كله لا نتجرأ على سؤال أنفسنا.

كيف لسؤال طفل في الثامنة أن يوقظ فيَّ كل هذه التساؤلات، ويجعلني أبحث عن أجابات أخافها.. وأخاف من الاعتراف. 

 الاعتراف بالفشل: نحن نرفض أن نشعر بالفشل في أي مكان أو زمان أو زاوية في الحياة، نريد أن نكون الابن والأب والأم والأخ والأخت والصديق والمواطن والمفكر والعامل.. 

البار المثالي الخلوق الوفي المخلص، الكفء الوطني المتفاني الناجح الصبور.. 

في نظر المجتمع فقط.. أما أمام مرآتنا فنغطي وجوهنا لكيلا يفتضح أمرنا، ونجبر على تغيير ما تربينا عليه وزُرع فينا منذ الطفولة. 

الاستسلام هو قدر الكثيرين منا لأننا لا نملك حق الاختيار. 

فالعبيد لا يملكون حق الاختيار. 

لنقف أمام مرايانا لساعة واحدة فقط، سافرين وجوهنا وسائلين فطرتنا، ونسأل من نحن، وماذا نريد، ولمن ننتمي؟ 

في هذه اللحظة فقط نستحق أن نبدأ الحياة.. «حياتنا تنتهي في اليوم الذي نعجز فيه عن التعبير عما يهمنا»

Our lives begin to end the day we become silent about things that 

.matter

مارتن لوثر كينغ

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.