عودة العقيق اليماني

عودة العقيق اليماني

اللوحة: الفنان الإنجليزي هنري فوسيلي

عبد الرقيب الوصابي

الإهداء: إلى الروائي الصديق عبد الله شروح وكفى.

أثار استغراب الجميع، قدرته الاستثنائية على حل القضايا العويصة، كان قادرا على إثاره انتباه من حوله، يلجأ إليه الناس في فض أي نزاع طارئ بينهم، حتى أعقد القضايا كانت لا تستعصي عليه، بمهارة نادرة يتصدر لحل مشاكلهم الغامضة، بما فيها تلك الجرائم التي تستغرق وقتا عصيبا في تفكيكها، فضلا عن تزجية وقت طويل في سبيل الوصول إلى حلول مقنعة ترضي جميع أطراف النزاع، يتسامى ويزداد ارتفاعا لحظة قول كلمته الفاصلة التي كانت بدورها تقطع قول كل بليغ. 

في العام الماضي، عند حلول سلطة زمنية صارخة أواخر أنفاس شهر يونيو الغاضب، كان فصل الصيف شاهدا على تفاصيل ما جرى، والمكان يرسل حرارة ساخنة كأنما تتصاعد من الجحيم، في فضاء مفتوح على اتساعه من قبيلة “بني عقيل” كان أحد شباب القبيلة قد وقع ضحية إغراء أحد الطامعين، إذ أقدم على سرقة تمثال القبيلة الذهبي، مقابل ثمن بخس دراهم معدودة، كان التمثال عبارة عن رأس وعل ذهبي شاهق، لا يخفى جمال قرنيه المعقوفين إلى الوراء، على ناظري أحد حظي بمشاهدته، التمثال المسروق يعود تاريخه إلى فترة المد الحضاري السبئي، سرقته كانت بمثابة فاجعة حقيقية أفاقت القبيلة على سماعها، سرى نبأ السرقة في أوساط القبيلة سريان النار في الهشيم، لأول مرة في تاريخ القبيلة يحدث شيء كهذا؟ وللأمانة فقد كانت سرقة عويصة أفقدت القبيلة شرفها، أي أحمق يجرؤ على تدنيس شرف القبيلة، وانتزاع أغلى ما تمتلكه على حين غفلة من الجميع. 

جن جنونه، شيخ القبيلة، ومن ثم هاجت أعصابه أكثر، حين نبا إلى سمعه خبر الفاجعة بواسطة أحد مخدوميه، اعتبر الحادثة اعتداء سافرا على شخصيته، في المقام الأول، إذ هو المعني الأول أمام كل رعاياه عن حماية كل ممتلكات القبيلة، فكيف يكون حاله الآن؟ ويد عابثة امتدت إلى سرقة أقدس رموز القبيلة، قاطعة الحبل السري الذي كان يربط قبيلته بمدونة التاريخ القديم، ويمنحها قيمة رمزية تجعلها في مقدمة القبائل اليمنية الأخرى، أدرك الشيخ أن حادثة السرقة لن تمر مرورا عابرا، وأنها نذير شؤم قد تجر على قبيلته الويلات في الأيام القادمة. 

قرر العقيلي شيخ القبيلة المنكوبة الإحاطة بمسرح الأحداث، دعى إلى عقد اجتماع عاجل مع كل أفراد قبيلته، ساعيا بكل ما يمتلكه من وسائل لإلقاء القبض على الجاني قبل خروج الأمر عن نطاق السيطرة، كان يدرك جيدا أن التهاون في هكذا قضايا قد يفضي إلى تحريض القبائل المجاورة، ويدفعها إلى إهانة قبيلته، وتحويلها إلى علكة تعبث بها أفواه العابرين، أسند إلى أحد رجاله المعتد بهم مهمة إحصاء أفراد القبيلة، ومراقبة جميع المتغيبين عن الاجتماع، أخلد العقيلي بخياله في تفكير طويل يستجمع بواسطته خيوط الجريمة، كان يجهد نفسه للوصول الباكر إلى أي مفتاح قد يمكنه من فتح أقفال هذه الجريمة الخاطفة، وبينما كان يتقلب على جمر الغضا، شديد الانفعال والحيرة في غيابة أمره، إذ مر بخياله طيف صديقه “شروح” حينذاك أيقن أن لكل مشكلة حلا مهما كانت غامضة وعويصة، وسر هذه الجريمة الكاملة لن يغيب طويلا، وكل الذي ينبغي عليه الآن إرسال من بمقدوره العثور على صديقه “شروح” المستقر حاليا في أحد أحياء مدينة مأرب. 

أدرك “حسين” خطورة الموقف الراهن، القلق باد كان على محياه، العواقب الوخيمة معروفة، قياسا بما آلت إليها الأمور من تحولات خاصة بعد انتشار خبر استدعاء “شروح” إلى القبيلة للقيام بمهمته في اكتشاف اللص الحقيقي، تطاير شزرا اطمئنانه، إيذانا بتوافد الشكوك والهواجس عليه، صار العرق يتصبب بكثافة عن جانبيه، كاد أن يقول خذوني، إلا أنه استجمع بعض قواه، مقررا التريث قليلا، فقد يسدل ستار الصدفة من حوله، فلا يهتدي “شروح” إلى فعلته النكراء، في تلك الأثناء، قطع حبل ظنونه، وصول سيارة فارهة، توقفت في بهو منزل الشيخ العقيلي، كان على متنها أربعة أشخاص من ضمنهم صاحب القدرات العجائبية المنتظر. 

تناول “شروح” وجبة الغداء، لم يكن هنالك من يشاركه تفاصيل الوجبة الدسمة، سوى صديقه العقيلي الذي حاول أن يظهر على رباطة بأسه، وأن يتغلب على مخاوفه، سأله شروح عما حدث؟ تنحنح هنيهة ثم أسر إلى ضيفه بكل تفاصيل الجريمة، تناولا وجبة الغداء، ثم طلب “شروح” إحضار كل أفراد القبيلة، رجالا ونساء، وإدخالهم عليه واحدا تلو الآخر، تربع في ركن قصي من الغرفة، و للتو أخرج حجرة ملونة بحجم كف اليد الواحدة، وضعها بين يديه؛ استعدادا لإكمال المهمة، ثم أعطى قراره بإدخال الوافدين عليه، كانت البداية مع شابة في منتصف العقد الثاني من عمرها، تدور حولها بعض الشكوك من قبل بعض نساء القبيلة، تقدمت صوب المكان المخصص، وضعت يدها بكل ثقة فوق الحجرة وبالصورة المطلوبة منها، وبسرعة غادرت المكان، استمر تقاطر أهالي القبيلة، فردا فردا، قرابة ساعتين، الجميع يضعون يدهم بنفس الشاكلة، دون وصول إلى نتيجة واضحة، أوشك اليأس أن يقوض كل شيء، لولا معرفة “شروح” و يقينه المطلق أن اللص لم يحضر بعد، وأنه قد تعمد التخفي عن أنظار الجميع. 

اخترق حاجز الصمت شروح قائلا: بقي شخص واحد قد تغيب عن اللقاء، أنا على يقين من ذلك، ومن الواجب إحضاره، أتسمع يا شيخ ما أقول؟ الغائب تعمد عدم الحضور إلى هذا المكان، ولذا فإنني اقترح أن تجمع كل أفراد القبيلة يوم غد، على صعيد واحد، وعليه الحضور أمام الجميع، ووضع يده على هذه الحجر أمام أعينهم جميعا، لنعرف إن كان بريئا أم لا؟ 

اكتظت الجبانة بأفراد القبيلة، صف الرجال في ثلاث جهات، بينما خصصت الجهة الرابعة لأطفال القبيلة ونسائها، كان يوما مجموع له الناس، حضر الضجيج والعجيج، وبلغت حناجرها قلوب الحاضرين، في ترقب لما يسفر اللقاء عنه، في تلك الأثناء تقدم “حسين” الصفوف محاطا بمجموعة من أشد شباب القرية فتوة، وكما طلب من الجميع، وضع يده على الحجر الملون، طوعا أو كرها، كان جسده يتصعد في حرارته، صعقة أشبه بالكهرباء أرسلها جسده الخائف، بدأ الحجر يتفاعل مع حرارة الجسد ورعدته الكهربائية المباغتة، جعل يرتفع الحجر شيئا فشيئا أمام أعين الحاضرين ومع ارتفاعه كانت يد السارق ترتفع في الهواء، وبسرعة الريح أطلق “شروح” حكمه المفضي بأن “حسين” هو اللص الحقيقي. حينها لم يتورع شيخ القبيلة عن إصدار توجيهاته بالقبض على “حسين” وإيداعه زنزانة القبيلة، أملا في استعادة رأس الوعل المسروق. 

أبدى أحد الحاضرين اعتراضه واصفا ما رآه بالشعوذة والسحر، قائلا: أيعقل الوثوق بصحة قراراتك هذه؟ فقط لأنك اعتمدت على طريقتك هذه؟ أي سحر هذا يا رجل؟ 

رد “شروح ” بهدوء واضح: ليس سحرا ما تراه، إنما يا عزيزي لوطن الوعول، عقيق يحميه. 

اترك رد