قراءة في مجموعة رحاب إبراهيم القصصية «في الحلم صعدت جبلاً»

قراءة في مجموعة رحاب إبراهيم القصصية «في الحلم صعدت جبلاً»

القراءة لأي عمل أدبي، خصوصاً إذا كانت قراءة تذوقية للنصوص، تحمل سياحة متنوعة للقارئ في عوالم من المشاعر والفكر والذكريات، والاقتراب من الشخصيات والتعرف عليها، وأحيانا اكتشاف جديد في خبايا النص الأدبي، فالقارئ متذوق للجمال باحث عنه، يضع نفسه مكان الكاتب ليفهم ويشعر بما أراد ويريد من نصوصه، يستمتع بتحليل العمل الأدبي ويحمل معه انطباعاته عنه، ومدى تأثره به، ويستنبط الرسالة التي يريد الكاتب أن يوصلها من خلال القصة.

وأول ما يلفت نظر القارئ هي الأفكار التي يطرحها الكاتب من خلال قصصه، ومدى قدرته على إيصالها من خلال لغته وأسلوبه، ورسم الشخصيات وسلوكياتهم وردود افعالهم، فتتدفق إلى القارئ مشاعرهم، وبعيش معهم أفراحهم ومعاناتهم، وهنا تكمن براعة الكاتب، فينطلق القارئ معه إلى فضاءات قصصه ويغوص في أغوارها العميقة.

في المجموعة القصصية «في الحلم صعدت جبلاً» للكاتبة رحاب إبراهيم الصادرة عن دار العين، جاءت لغة الكاتبة سهلة منسابة مما مكنها من توظيف ما يسمى بالتداعي الحر، فاستطاعت أن تسترسل في التعبير عما بداخلها دون قيد أو مواربة، فالكلمات تنساب بين يديها بحرية، تصور ما أرادت من دلالات ومعان. كما برزت قدرتها في الاستحواذ على مشاعر القارئ، وجعله يتخيل شخصياتها، ويتفاعل معها، وربما يشعر في لحظات أنها شخصيات حقيقية مرت في حياته وكان له معها نفس التجارب، ومنها من هي قريبة للقلب، ومنها من له تحفظاته الخاصة عليها.

وترصد الكاتبة من خلال شخصياتها وأحداثها طبيعة العلاقات الاجتماعية، عارضة وجهات النظر المختلفة، وبعض الأطر الثقافية التي تتبدى في الحياة الجامعية – مثلاً – والعلاقة بين الطالب وأساتذته، أو فيما يقابله الطبيب من مشكلات مع مرضاه وزملائه، وما يواجهه من بيروقراطية وأنظمة عمياء. 

تكونت المجموعة القصصية «في الحلم صعدت جبلاً» من قسمين، يحمل القسم الأول عنوان: «كانت الشمس تغافلني وتشرق»، ويحمل القسم الثاني عنوان «في الحلم صعدت جبلاً» وهو عنوان المجموعة نفسها، ويحوي كل قسم عشرة نصوص يسبقها ما يشبه الافتتاحية التي تحاول الكاتبة أن ترسم فيها شبه مسارات متخيلة، تحمل القارئ لمعايشة تجارب حياتية مفعمة باللمحات الإنسانية.

ففي نصها الافتتاحي الأول، ترحل إلى ذكريات بعيدة تأتي من الطفولة، فتصف كيف كان بيت العائلة يضم الجميع، ويمنحهم مساحات من الحرية واقتناص لحظات سعادة بريئة تتمثل ربما في مغافلة الأهل والانعتاق من سلطاتهم، خاصة في مراوغة النوم، حتى يستطيعون الإمساك بالشمس متلبسة بالشروق، لكنها دائما ما تغافلهم وتشرق: 

«لم أستطع أبدا أن أمسك تلك اللحظة السحرية التي تنشق فيها السماء بالنور» 

وتربط ذلك بانفراج الشدائد، وكيف أنها تحدث دون توقع منا أو حسبان: 

«هكذا اعتدت أن يأتي الفرج.. وهكذا تعلمت ألا أنتظره بعينيّ”

تنتقل الكاتبة بعدها لتعرج على فترة انتشار كورونا، وكيف تحولت الحياة وتجاربها لمحض نوافذ: 

«لعبت الشرفات والنوافذ دور البطولة في حياة كان كل ما فيها هادئا إلا الأمنيات!”

لكن تلك النوافذ ربما تحملنا للمحات نستدعيها من عمق الذاكرة: 

«أخيرا عُدت إلى النافذة.. أتذكر طقسا قديما قِدم الطفولة والصبا، الشاي والشرفة وأم كلثوم”

وينتهي بنا المطاف معها في تلك التهويمة إلى أن الحياة ليست كما نظن، وربما تتكشف لنا حقيقتها عندما نعيشها ونصارع محنها، ولا نجيد في نهايتها غير الحديث مع الذات لمحاكمتها أو لتقييم تجاربها وما تتركه دواخلنا من ندم وألم: 

«كان الحوار اليومي مع النفس هو الأصعب على الإطلاق”

ثم تحملنا بعد ذلك في رحلة نتوقف فيها معها عند محطات بعينها تخيرتها من محطات حياتها، لتستعرض فيها تجربتها الخاصة، وكيف كانت تراها وتتعايش معها، فنجدها في «السلسلة» تستعرض فترة الاختبارات الشفهية كطالبة للطب، وما تحمله من مفارقات، ومدى المعاناة التي يجدها الطالب أمام لجنة الممتحنين، والتي عبرت عنها بقولها: 

«المناورة مباشرة مع الأساتذة، مناورة تحاول فيها أن تثبت أنك فاهم بينما يحاول هو إثبات العكس! ولفرق الخبرة والكفاءة غالبا ما ترجح كفته مهما كنت مجتهدا»

لكنها لا تغفل الجانب الإنساني، فتحمِّل هذا الحدث حدثا أعمق، وتستعرض نماذج من تصرفات الطلبة والطالبات، وموقفا إنسانيا جمعها بواحدة منهن، وقد انعكس ذلك عليها بما يشبه القدرية، فنجاها بمحض الصدفة من إخفاق محقق 

«كنت أحكي الموقف كمعجزة وأحيانا كطرفة وأحيانا كدليل على أن قلبي طيب وربنا ساترها معايا» 

فهل يمكن للمصادفات والأقدار أن تغيِّر مسار الحياة؟ ونجدها ترد على ذلك: 

«لم تكن معجزة ولا طرفة إنما هي جولات حياتية تبدأ حين تظن نفسك انتهيت منها وانتصرت» 

فنحن في النهاية عنصر من عناصر الحياة وننتمي لطبيعتها.

وفي «خدعة بيضاء» تستعرض الكاتبة الطبقات الاجتماعية، والفوارق الطبقية المتبدية في أمور تبدو بسيطة لكنها تحمل مدلولا عميقا، كامتلاك طفل لعلبة ألوان رديئة، بينما يمتلك غيره من التلاميذ علبا أجود وبعدد ألوان أكثر، فقط لأن له أب يعمل خارج البلاد، أو أم مهنتها أرقى في سلم المهن فتؤهلها لمكانة أفضل، بينما هو وحيد أمه البسيطة التي تكد كي لا تشعره أنه في مرتبة أقل، وعندما يكتشف تلك الفوارق يصب اللوم بداخله على أمه، لكنه لا يستطيع أن يواجهها ببراكينه المتفجرة، لأنه يعلم مدى تعبها من أجله، ويبقى الأمر الوحيد الذي تمنى لو عرفه منها: 

«أنا فقط كنت أود لو عرفت مبكرا أن هناك علب ألوان لا تسبب البقع ولا الخوف”

وهنا يبدو انفتاح أفق الابن، ورؤيته للجوانب الأخرى في شخصية الأم وما تقدمه له من أشياء بعيدا عن الجانب الدراسي وحده، فهو وحيد، وبدون أب، وأمه هي التي تحمل كل هذه المسئولية وحدها، وعليه أن يقدرها، لكنه لم يطلب مطلقا منها غير المصارحة الصادقة التي لا تنتقص من وعيه ولا قدرته على تحمل ذلك معها.

وفي قصة «يوم التنظيف» تعرض لنا تجربة أخرى مع المربية المنزلية التي لها طقوسها في تنظيف المنزل، مما تعده هي يوما مريعا، وتستعرض علاقة إنسانية رائعة تربط تلك المربية مع أفراد الأسرة التي تعدهم ويعدونها من ضمن العائلة، وكيف كانت تعاملها بحنان الأم ولهفتها، وتفتخر بها كابنتها، وربما تحفظ لها أسرارا لا يعرفها غيرها، مثل هذه الشخصيات تمر في الحياة وربما لا ينتبه أحد لوجودهم، لكن ربما تركوا خلفهم ذكريات لا تنسى: 

«حين أدير محطات المذياع بحثا عن إذاعة تنقل لي شعائر الصلاة، أتذكرها وهي تمسح زجاج النوافذ بهمّة، مستغرقة في الاستماع لتلاوة الشيخ في المسجد المقابل.. يمر الأشخاص البسطاء في حياتنا تاركين بصمات لا تنسى نظل نذكرهم بها» 

وتتناول الكاتبة في «سنة أولى طب» كيف كانوا يصرون على الفصل بين مقاعد الطلبة والطالبات في الجامعة، وكيف أن فكرة الاختلاط لم تكن مقبولة خاصة بين الذين ينتمون لمناطق ريفية، وهي تؤصل لفترة تنازع فيها اتحادات الطلاب قوتان: 

«القوة الأولى تمثلت في اتحاد الطلاب والذي يتبنى موقف العميد المنفتح ويقوم بتنظيم الفعاليات السنوية الرسمية، والقوة الثانية تمثلت فيما يعرف بنظام الأسر الجامعية والتي تقوم بنشاط ما ثقافي أو اجتماعي أو علمي تحت إشراف أحد الأساتذة والذي يغلب عليهم الطابع المتحفظ الذي يطلق عليه متدين”

وتشير أيضا لبداية ذوبان الطبقة المتوسطة في المجتمع إيذانا باختفائها: 

«إن معظمنا من الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة – قبل أن تنقرض – أهلنا ذوو مناصب محترمة من مدير ووكيل وزارة وخلافه لكنها مناصب فقط دون دخل مادي عال» 

فمن الضروري أن ينكب الأبناء على طلب العلم لأنه مخرجهم الوحيد لحياة أفضل.

وفي «سكن البنات» تستعرض الاختلافات الواضحة بين البنات اللائي نشأن في الريف وغيرهن ممن نشأن في المدينة، وتلك اللواتي أردن عبور الحد الفاصل فبهتت شخصياتهن وتاهت حقيقتهن، تماما مثل القرى التي زحفت عليهن المدن: 

«تلك القرى التي زحف عليها البناء والمدنية الكاذبة فتاهت، لا هي الريف بعنفوانه وجماله، ولا هي المدينة الواسعة التي تمنحك قدرا من الحرية الاجتماعية”

ثم تعرج بنا على «فيروز» تلك الطالبة التي سماها والدها تيمنا بالسيدة فيروز، وسمى شقيقها شادي، وهي تحب سماعها، فقد أورثها الاسم محبة أغانيها، وهو ما كان مفاجأة – ذلك الوقت – في سكن للبنات: 

«في أواخر التسعينات وقبل عالم الفيسبوك وترندات النت، كانت السيدة فيروز حصرا على أصحاب المزاج العالي، ولم يكن قد بدأ الربط بين هذا المزاج والقهوة وشعر محمود درويش.. باختصار لم يكن الأمر قد تم ابتذاله لهذا الحد بعد، لذا كان العثور على فيروز إحدى معجزاتي الصغيرة في السكن”

وكيف ربطتهما علاقات خاصة بدأت بتسرب صوت فيروز ليفتح بينهما أبوابا مغلقة، انتهت بألفة فكرية لم تجدها مع سواها: 

«غادرت فيروز السكن قبلنا بأسابيع قليلة، ظللت بعدها كلما مررت على باب غرفتها المغلقة يخيل إلي أنني أسمع نفس الموسيقا الناعمة التي سمعتها تنساب منها لأول مرة، كنت أشتاق إليها كثيرا ولمحادثاتنا التي كانت تتناول موضوعات لا يهتم بها سوانا”

ويأتي نص «ضد الحساسية» لتعرض في لطف وحس فكاهي التعامل مع أحد المرضى الذي يدل شكله على العدوانية الشديدة بضخامته وكرشه المتدلي، وإصراره الفج على أخذ علاج بعينه، ويبدو أنه معروف لدى الأطباء فيعطوه لمن يريد دون نقاش منعا للمشاكل: 

«أخذتني الممرضة على جنب: دا بييجي ياخد مضاد الحساسية علشان ينيمه، والدكاترة بيدوه عادي يعني من غير سبب.. يا دكتورة دا بتاع مشاكل خليه يمشي”

وتضطر للاحتيال عليه حتى لا ترضخ لمطلبه فتخالف ضميرها: 

«غمزت الممرضة لتختفي وراء الساتر القماشي وتحضر إبرة محلول الملح بعيدا عن عينيه”

وفي نصها «عصافير البطن» تعرض لتجربة الغربة والعمل في منطقة بعيدة لم تكن تعرف عنها شيئا غير ما يصدره الإعلام، لكنها بالتجربة الذاتية تكتشف أن ما يروجه الإعلام ينافي الحقيقة: 

«كانت المرة الأولى التي نرى فيها الصحراء ونتعرف على المجتمع البدوي والذي بدا أكثر لطفا من الصورة النمطية المأخوذة عنه من التليفزيون”

وتبين معاناة البنات عندما يكلفن بالعمل بعيدا عن ديارهن في محافظات نائية، وكيف لا تسمع شكواهن، ولا يلتفت أحد لمعاناتهن، فعلاوة على البعد عن الأهل، تأتي معاناتهن في توفر الحاجات اليومية من طعام وشراب وغير ذلك، ناهيك عن ضعف الرواتب بما لا يسمح لهن بالاعتماد التام على أنفسهن.

وفي «نوباتجيات كفر الطين» تستعرض نوعا آخر من معاناة المرأة العاملة، في الحياة والعمل، وأنه لا أحد يلبي مطالبهن رغم أنه يطلب منهن تلبية مطالب الآخرين: 

«إنكم لا تقضون مصالحنا ولا تراعون أبسط مطالبنا الآدمية”

أما في «زاليكا» فتخرج من الغربة داخل الوطن إلى الغربة خارجه بما تحمل من معاناة مختلفة مع جنسيات متعددة بألوانها وطبائعها ولغاتها، وما تحمله هذه اللغات من أبعاد ومعان لا يفهمها إلا صاحب اللغة الأم: 

«ربما تريدني أن أناديها هكذا لتضحك هي وزميلاتها على طريقة نطقي، هذه البنت لا أفهمها، غامضة ومثيرة للشك.. وجدت نفسي في مجتمع مختلف ومتشابك ويتطلب الكثير من الجهد لتحقيق التواصل أولا، خاصة مع التمريض، لابد من وجود لغة مشتركة وسريعة وإلا فكيف سنتمكن من العمل سويا”

***

في القسم الثاني من المجموعة «في الحلم صعدت جبلاً» الذي يضم أيضاً عشرة نصوص، ويبدأ كسابقه بنص افتتاحي، لكنه ينفتح على الحلم، الحلم بمصعد يحملنا للسماء، حيث حديقة صعدت جبلا، وتتخللها السحب، ولكن طريق الرجوع وعر، والعودة منه صعبة: 

«في العودة لم يكن المصعد موجودا، كان يتوجب علي النزول وحدي، واختيار مواضع قدميّ بعناية”

ثم تختتم المعاناة بحكمة كانت ثمرة تجربتها الحلمية هذه: 

«أحيانا يجب أن تختار بين موضع قدمك، وما تتشبث به يدك”

وتعرج بنا من تلك البوابة على نصوصها التي تبدأها بنص رائق «الطالبة المثالية» وكأنها تدعو القارئ ليبدأ معها رحلة الحلم بالحياة، فيرى هذه الطالبة المجتهدة، المثالية، التي لا يكافئها المجتمع على تفوقها إلا بهدية ليس لها علاقة البتة بكونها مثالية: 

«لم أفهم أيضا العلاقة بين كوني طالبة مثالية في الإعدادية وبين صينية فضية لامعة» 

وكيف يمكن أن يتعثر المتميزون في مشوارهم التعليمي بمن يحبطهم ويقلل من شأنهم إما غيرة أو انتقاما، ومن يدفعهم للأمام: 

«كانت معلمتي المفضلة وأقربهن لقلبي ولقلوب كل البنات.. انتبهت لموهبتي في الرسم وشجعتني كثيرا”

وتشير أيضا – وهي إشارة للأهل – لأهمية النشاطات المدرسية، وأثرها في بناء شخصية المتعلم، ومعالجته من مشاكله النفسية والاجتماعية، ودفعه للنجاح في الحياة: 

«كنت مشتركة في جماعة الصحافة والرسم والإذاعة ولم أكن أعلم بتأثير هذه الأنشطة على وضعي في المدرسة.. أحيانا كنت أخاف من اتهامي بالتقصير في واجباتي المدرسية لانشغالي بها.. والدي كان يؤنبني أحيانا لكنه لم يمنعني.. كانت الأوقات التي أقضيها في نشاطاتي تخفف عني الكثير من الضغط.. ربما الوصف الأقرب له هو الخواء.. مكان لم يستطع أحد أن يشغله، مكان أمي التي سبقتنا إلى السماء»

ثم تعاود الكاتبة رحلتها مع عرض معاناتها في محطات مختلفة مع العمل كما في «أربع زيارات لمستشفى واحدة» وكيف يمكن أن نلتقي أناسا يتفننون في قهرنا، وآخرون يتركون ياسمين أرواحهم في حدائقنا: 

«أخيرا سوف ألتقي» آني» صديقتي الممرضة التي عملنا سويا لسنوات ثم فرقتنا الأيام» 

وكيف يمكن أن تبدل الظروف أماكننا، هذه هي الحياة، غالب ثم مغلوب، فقير ثم غني، معافى ثم مريض: 

«أمسكت الملف بيدي المرتعشة.. هنا كل الفحوصات التي أجريتها مؤخرا، انتقل اسمي من خانة المعرّف إلى لفظ «الحالة» يميزني عن بقية الحالات مجرد رقم ملصق بعناية على الملف».. إنها إذن تقلبات الحياة.

وتتبدى رقة المشاعر في «الثانية عشرة بتوقيت نيوأورليانز» تعرض فيها الكاتبة تلك العلاقة التي تشبه خيط الحرير، علاقة عاطفية خفية ربطت بين البطلة وبطل القصة خليل ابن الصعيد الذي سافر لبلاد العم سام، وعاد للوطن يحمل تجارب وعادات مختلفة، لكنها لا تخلو من أناقة ورقة، وهو يتفنن في اجتذاب قلوب من حوله وامتلاكها، ولم يكن يسهل «اقتناؤه»، لكن ربما القرب من مثله لا يورث سوى الألم: 

«تعلمت منه الكثير ربما دون أن يعرف أو حتى أدرك أنا وقتها.. وأنني لو ظللت بالقرب منه لسارت حياتي مسارا مختلفا، لكن يقينا كان سيمنحني الكثير من الألم» 

وجاء رحيله أيضا ليترك مسحة من حزن وفقد لا يعوضها غيره.

وفي «المرأة المنضبطة جداً» تعكس أثر التربية على الفرد، وتأثير أفكار الأهل في أبنائهم، وإصرارهم على ألا يخرجوا على الأعراف، أو يتبعوا تفكيرهم الخاص: «أصبحت التهمة الموجهة إلي هي: انتي ماشية بدماغك.. طيب أمشي بدماغ مين؟ ربما كان يقصد الخضوع لمعايير عامة يتفق عليها الناس ولكن منذ متى كان الناس يتفقون؟ بعد سنين فهمت أن الشائع ألا تستعمل الناس مخها كثيرا، وتميل للاستسلام للمفاهيم العامة والمسلمات دون أي إعادة نظر فيها»

ورغم رفضها الداخلي ومحاولة الخروج من تلك الأعراف، إلا أنها أصبحت أكثر انضباطا وتمسكا بعادات لا تحيد عنها: 

«أنا المرأة المنضبطة جدا التي يمكنها أن تظل دون حراك حتى تتخشب عندما يطلب الطبيب منها ذلك، حتى بعد أن يغادر الحجرة ويذهب لأمر ما، فيعود ويجدها كما هي!»

هذا الانضباط الذي لازمها مذ كانت صبية، جعلها تتخلى عن حلمها الخاص من أجل حلم غيرها، فانتهت الحياة ولم تحقق أحلامها.

«هذا الانضباط كان يمنعني في صباي من النوم لفترات طويلة كي أذاكر لأتفوق. لم أكن أحلم بدخول الطب تحديدا، كنت أريد إثبات تفوقي. أردت أن أدرس الإعلام لكن تم استبعاد حلمي ببساطة لأن الكلية في العاصمة، وتخليت أنا أيضا عن هذا الحلم ببساطة تغضبني الآن حين أتذكرها»

وعندما يمر العمر، نعتاد الأمر، فنرضخ للظروف ومستجدات الحياة، وندور في دوائر خياراتنا الجديدة، بالأحرى تنازلاتنا، دوائر لا تنتهي، نسير فيها لتسلمنا لغيرها، فنتحول لمحض ترس في عجلة الحياة السائرة، فلا أمل في المقاومة!

وفي نص «درجات الحياة» تبين فيها أن حياتنا قائمة على التراتبية، والتراتبية ما هي إلا نوع متأصل من العنصرية، وتنقل الكاتبة – الطبيبة – هنا مثالا من واقع تجربتها الخاصة بالعمل في مستشفيات الخليج، فتبدأ ببيان الفرق بين مهنة عامل النظافة والحمَّال، وكيف يرى أحدهما أنه أفضل من الآخر: 

«يشعر البورتر بمكانة أعلى من الكلينر بشكل ما، فهو يقوم بحمل الأوراق الهامة لا المخلّفات، كما أنه لا يقوم بتنظيف الأرضيات»

وترى الكاتبة أن تلك العنصرية تنتقل من دوائرها الضيقة إلى دوائر أكثر اتساعا، فنحن نميز المدن الكبرى عن الصغرى، والمدينة عن الريف، والعاصمة عن غيرها من المدن، والبلاد المتقدمة عن الفقيرة، وهكذا، وما هذا إلا انخراط في دوائر من العنصرية لا نهاية لها: 

«في المستشفيات الكبيرة كما في الصغيرة، وفي المدن الكبيرة كما الصغيرة، وفي الدول المتقدمة كما الفقيرة، كلنا بدون استثناء نمارس عنصرية من نوع ما: الريف والحضر، الشمال والجنوب، البيض والسمر، الرجل والمرأة، المواطن والوافد، الوافد من دولة أشد فقرا»

ثم تبين كيف يحتال هؤلاء البسطاء ليتكسبوا رزقا قليلا، فالحياة لم تمنحهم الكثير، ومن يملك الكثير لا ينظر لهؤلاء من الطبقة المطحونة.

 وفي «ثلاث حكايات عن التاكسي» تبين فائدة التمسك بالصمت، خاصة عند محاولة إقحامك في حوار لا طائل منه، ولا هدف سوى الثرثرة، وتحقيق نصر متوهم: 

«أصبحت ألجأ للصمت.. الكثير من الصمت يحمي الروح والعقل.. مازلت أفكر في البطولات الزائفة التي يلجأ لها الناس لتسكّن أرواحهم»

وفي قصتها «فراولة الحتة» التي تهديها لصديقتها الشبيهة بالفراولة في جمالها واحتياجها لعناية خاصة، وفي عمرها القصير رغم أنها تترك شذاها يعبق المكان.

هكذا كانت إيمان، نديمة روحها: 

«معاك بضحك بصوت عالي.. نتكلم لساعات طويلة دون ملل ولا ينتهي الكلام، مثل إبرتين تريكو نغزل الخيوط بالدور لا نعرف من بدأت ومن انتهت ولا أين»

وإيمان اختطفها الموت سريعا، كما يختطف كل الأحباء دون سابق إنذار، لنكتشف أن الحياة والموت وجهان لعملة واحدة.

وفي «رحلة مثيرة» تستعرض مدى تحكم الروتين في حياتنا حتى يقتل إحساسنا بالسعادة، وربما لا نستطيع مغادرته لأننا ننعم بمنطقة الراحة، وإذا فكرنا في ذلك، وراودتنا رغبات التغيير، ربما صدمنا الواقع.

«تبدو حياتي من بعيد مستقرة وناعمة، ناعمة لدرجة أن هذه النعومة تخنقني، تلتف حول عنقي لتجعل أيامي كلها متشابهة»

هكذا تبدأ الكاتبة قصتها، لكنها وجدت متنفسا للتغيير في حضور مؤتمر طبي دعيت له، وإذ بها تصطدم بتغير وجه الحياة، بالزحام، بالتشيؤ، بالاستغلال، بالعنصرية، الحياة إذن في حقيقتها تخالف ما نرسمه لها في الخيال.

وفي «كيف حالك؟» تعود بنا الكاتبة مرة أخرى لاستعراض تجربتها في التعامل مع أشخاص من ثقافات أخرى، تلك الثقافات التي تحمل مدلولات ربما لا تستوعبها ثقافتنا، لذا يلتزمون ونلتزم الحياد، ويكفينا حد التفاهم السطحي: 

«معظم الأسيويين هنا اكتسبوا ملامح ولهجات حيادية لا تشي بشيء التماسا للأمان، في البداية كنت أجد هذا مستفزا، تماما مثل السلحفاة التي أحضرها ابني للعناية بها كحيوان أليف، لا أستطيع تمييز ما إذا كانت سعيدة أم حزينة جائعة أم لا.. بالكاد كنت أميز أنها نائمة»

وتختتم مجموعتها مع «حكاية عن الكلب مارك» فتحملنا معها مرة أخرى لذكريات الطفولة، وكيف تعرفت إلى فتاة تمتلك أسرتها كلبا أسود شرس لا يترك أحدا دون أن يهجم عليه، وكيف أنه لم يحرك أمامها ساكنا، فاعتبرت ذلك نصرا عظيما، وتميمة حظ تتذكرها في المواقف الصعبة: 

«كلما مررت بموقف صعب تذكرت مارك ووقوفه الهادئ أمامي واعتبرتها علامة، كل منا يود أن يعتبر نفسه محظوظا أو محاطا بسحر ما أو تميمة خاصة.. أحب أن أفكر في عبوري الخفيف بجوار الخوف دون أن يمسني ولا يهاجمني»

هكذا تنتهي بنا الكاتبة، عارضة أفكارها، في لغة تضمنت رسائلها التي تريد أن توصلها للمتلقي في مجموعة أصرت أن تصنفها كمجموعة قصصية، في حين يمكننا أن نلمس جليا ما تمتلكه من حس روائي، ولو أنها فكرت في ترتيب النصوص بشكل مغاير، لأصبحت أمام مخطط لرواية بامتياز، خاصة أن معظمها يدور حول تجربة طبيبة تعرض جوانب عاشتها من واقع مهنتها، مما يجعل تلك التجربة ثرية إنسانيا من الناحية الفردية والجماعية على حد سواء.

كما كان بإمكانها أن تضم بعض القصاصات معا، لوحدة جوها السردي؛ مثلما نجد في «زاليكا» و«كيف حالك؟» و«درجات الحياة». وفي بعض النصوص نجدها تميل لروح الخاطرة، وبما يشبه اليوميات، وتستخدم بعض المقولات التي تشعر القارئ بانفصالها عن الحدث، فقط لأنها تراها مقولات جميلة أو ذات معنى، وربما كانت تصلح منشورا منفصلا على وسائل التواصل.

كما نجدها تميل لاستخدام قصة الحالة أو القصة الذاتية وهي اهتمام الكاتبة بحالة البطل ووضعه، بحيث يكون هو بؤرة الاهتمام، وإبراز معاناته تكون هي الغاية حتى أنه أحيانا يصبح هدف السرد خلق إحساس بالحالة لا الوصول إلى المعنى المراد من سردها كما في «ثلاث حكايات عن التاكسي»

أما استخدام القصة الدرامية التي تنبثق من حدث اجتماعي أو عاطفي، فيستمر السارد ليعمق الجرح أو يكشف الألم الذي لا يزول أثره مهما مر الزمن ويظل مستحوذا على البطل فلا يستطيع الفكاك منه، مصدرا بذلك حالته للمتلقي، فقد مثلته رحاب إبراهيم في غير مكان من مجموعتها ببراعة كما في «خدعة بيضاء» و«الثانية عشرة بتوقيت نيو أورليانز» و«طالبة مثالية» و«فراولة الحتة»

وقد مزجت في لغة السرد بين اللغة المحكية ولغة الحوار والمونولوج الداخلي؛ مما ساهم في فهم الشخصية ومعرفة تفاصيلها وكشف أسرارها، واستخدمت ضمير المتكلم مما يتيح للقارئ معرفة وجهة نظر الكاتبة في القضايا التي تطرحها، حيث وجد الراوي المتماهي المشارك مع الكاتب، والذي يسرد الأحداث عن قرب، ويعرض تفاصيل حياته بما يوضح الانسجام والتناسق بين الشخصيات والأحداث، والزمان والمكان، كما أن وجود الأصوات المتعددة في النصوص يبرز الشخصيات وسلوكياتها وردود أفعالها الشاذة أحيانا، ودوافعها النفسية، مما يقودنا إلى الوصول للصراع الرئيس الذي تريد أن تبرزه الكاتبة.

هكذا جاءت المجموعة القصصية، «في الحلم صعدت جبلاً» لرحاب إبراهيم، مليئة بالتجارب الإنسانية المفعمة بالحياة، تناولت فيها الوعي الذاتي بالواقع، وغاصت مع ذكريات شخصياتها راصدة العديد من الظواهر الثقافية والاجتماعية والقضايا المهمة. 

«كثيراً ما تأخذنا الحياة لمسارات بعيدة مختلفة تماماً عمّا ظننا أن تكون عليه حياتنا، الحياة لعبة خطرة وقاسية، وهي طفلة بريئة ومشاكسة أيضاً قد تظهر فجأة في ابتسامة عابرة في جو رائق، عناق دافئ تنبعث مثل موسيقى من داخل دكان قديم، فتخطفك في كل طريق، محن ومنح.. اكتشافات.. فَقدْ، وهدايا غير متوقعة.

هذه مقتطفات تأتي من مسارات الحياة المليئة بالتعرجات والانعطافات تحكي حكايات عن الدراسة والحب والمدن والسفر والعمل، يتأرجح فيها الإحباط والأمل كخيط يطرز كل جوانب الحياة ويغزلها بإحكام».

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.