اللوحة: الفنان الروسي ألكسندر ياكوفليف
سليم الشيخلي

انتشر بين الناس وبسرعة خبر عن عودة صهري الرئيس تائبين وقد قبلت التوبة بمكرمة الأب الحنون، وبعد أيام كان التلفزيون يبث مراسم استقبالهم عند الحدود الأردنية، الابن الأكبر يمد يديه إلى انسبائه ويلمهم بشوق ويأخذ أختيه إلى صدره في لمسة حنان، فقد كانت المكرمة جبلاً من صبره على تحمل إساءة الآخرين. وشربنا جميعاً اللقاء، كان توجسنا محطة انتظار متعجلة لما سيحدث غداً، ولم يطل الصبر إذ استيقظت المدينة منتصف ليلة داكنة على أصوات حرب جديدة استمرت أكثر من اللازم، فقد عودتنا الطائرات المغيرة على سرعة التنفيذ والدقة بعض الأحيان، فوضع الناس أياديهم على قلوبهم علَّ شيئاً جديداً يحدث.
تشرق شمس بغدادية انتهت تواً من آخر لسعة شاي مهيّل ليرى الناس كيف أن منزل الصهر العزيز قد سوي بالأرض فوق جثته ومن معه تحت ذريعة صولة العشيرة التي لا تقر بوجود خائن بين أفرادها، ونسيت كيف كانت تقبل كفيه من أجلها. من يضحك على من!؟ بائع الباقلاء عند الناصية همس لحمزة أن الدولة حركت أذرع خفية للانتقام، لتبدو بريئة كذئب أبناء يعقوب، لا أدري هل قرأت أم سمعت أن أكثر الذئاب ستشتكي عند الله يوم القيامة من الإهانة التي ألحقها بهم طغاة كثيرون على مر العصور، وسيحشرون سوية في خلاء مغلق بالأسلاك الإلهية الشائكة.
للأيام البغدادية عطرها وغنجها، ولن يشابه دجلتها نهر يمد أصابعه أمواجاً يغسل الصفصاف والضفاف ودعوات الناس. زرت الكرادة لم يبق من الوجوه القديمة إلا الذين امتد بهم العمر فلم يقووا على حمل السلاح. كانت التحايا ثقيلة كمياه المستنقعات الآسنة فالكل يحمل همومه بصمت أولياء. بقيالمكان كما هو والأوساخ تلالاً كبيرة يحرقها الأطفال ويلعبون حول لهبها. استمتعت وأنا أتجول في مسرح أول تجربة عمل ففاحت رائحة الأيام الستينية بما تحمل من بقايا لأيام زعلنا عليها فأرسلت عتبها من لا يخاف الله ولا يرحمنا. جلست قرب شابة هزيلة تبيع الخضار وسألتها عن سعر باقة النعناع.
– دينار.
– شدعوه؟
– هذا سعرها والله خالة.
– كنت أبيعها هنا وفي هذا المكان بالضبط بخمسة فلوس فقط.
– شلون شلون خالج؟
– أي والله كنت أبيعها هنا وبمكانك عندما كنت في عمرك وبخمسة فلوس.
كانت فاتحةً لحديث معها واستكانة شاي بقلوب مفتوحة لديها ابنة من زوج ذهب إلى المخفر يشتكي جاره الحزبي العتيق لضيم ألمّ به منه ولم يعد لحد الآن، تسكن مدينة الثورة حي الجوادر وقد اضطرت إلى العمل هنا من أجل حليب طفلتها ولقمة تمنعها من مد يديها متسولة أو بائعة أشياءها الثمينة. تضع صغيرتها في حضنها والأمل بيوم جديد فيه روضة أطفال ورغيف ساخن وكسر من الكرامة، عرفتني بجاراتها البائعات ولكل واحدة هنا قصة مختلفة لكن الصور متشابهة. ودعتها ودعواتي تملأ المكان لها ولكل ناس الوطن الغارقين في مستنقع الخوف والجوع ونزوات الساسة.
كان حمزة عراقياً بوجهه السومري ونحافته وطيباً كالأرض ولا أنسى أول لقاء بيننا، قبّل يدي وصمت إلى زمن ترك لي مسافة أعرف أكثر. معدن أصيل برائحة الألفة يجمع بين الهدوء والمثابرة، شعرت أن به من سمات إنسان العصر الجديد صلفه وجلده تجاه العمل والحياة، رقة وحب مع الجميع لكنها لا تبدو للوهلة الأولى.
– يمه اعتبريني سعد
– سعد وأبو سعد
أراه دائم الحركة البطيئة في عمله ومتطلبات البيت وحاجياته لكني لم أحسّ تأثيره على العيال فلم يحثهم على الدراسة أو يتابع معهم مشكلة عدم ذهابهم إليها بانتظام فقد أخبرني أنه تعب كثيراً من أجل ذلك وعذرته لأن زمنه فرض عليه الركض من أجل الخبز. خدم في الجيش عشر سنوات خرج منه بشعر أبيض وطلقة في وركه لا يمكن إخراجها خوف الشلل فكان بطيئاً في حركة يلونها بدفئه. عمتي هذا ما أملك ويشهد الله على ذلك. ووضع أماميكومة من الدنانير. تصرفي بها كيفما ترغبين وستجدينني معك إن شاء الله.
أمسك كفي ورفعها إلى فمه وقبلها. لم أتمالك نفسي فأخذته إلى صدري وأنا أصرخ سعد، سعد. ودموع حارقة تائهة تلسع خدي لأهمس له بأمومة فجرها بي الطين الحر الذي صنع منه فهتفت: “أنا أمك يا حمزة”.
– سمعت عنك الكثير فتمنيت أن تكوني أمي. وعاد يقبل يدي.
أحسست أني وجدت سعداً وكأَن وجهه هو هو فضممته أكثر. كانت فوزية واقفة عند الباب بوجه يفوح بالرضا وكأن إحدى أمنياتها الكبيرة قد تحققت،مددت يدي إليها، تقدمت، مسكتها، سحبتها برفق ثم وضعت رأسها على كتفي الثاني ورحنا نهمس ببكاء يغسل الذاكرة ويعيد ترتيب الأماني لتكون الأساس في العلاقات الحياتية اليومية، أكبرت لها هذا الإحساس بأهميتي في لوحة الحب هذه.
– أين سعد؟
– في فراشه
أسعدتني حياتهما ونظرات الشوق واللهفة، الحديث الناعم، الكفاح في أن يقفز سعد حياتهم القاسية إلى الجانب الآخر منها. يتم اختيار لعبه بالمتوفر من الألعاب المساعدة في تنمية الإدراك ومحاولة تعليمه أشياء نسيتها في زحمة الأيام لأكتشف أن حمزة البائع المتجول في سوق الشورجة يحمل بكالوريوس علم النفس.